تمثّل الانتخابات النيابية التي ستجرى في العراق في 7 مارس/آذار الاختبار الأقصى للتحول الديمقراطي الهش في البلاد. فكما يستخدم طبيب القلب آلة العدو لفحص المؤشرات الحيوية لدى مريض القلب، سوف تختبر الانتخابات المقبلة مدى تطور المؤسسات والآليات السياسية العراقية منذ الجولة الأخيرة من الانتخابات الوطنية في العام 2005. بغض النظر عن النتيجة، يتيح قيام حكومة جديدة في العراق فرصة أمام إدارة أوباما كي تربط سياستها في العراق بمقاربة استراتيجية أكثر تماسكاً للشرق الأوسط.

أظهرت انتخابات المحافظات التي أجريت العام الماضي في العراق بعض المؤشرات الباعثة للأمل والتي ابدت في نفس الوقت تفاوتا عن حدوث تطور سياسي. فقد شكّل صعود قوى سياسية جديدة–ائتلافات جديدة تنادي بجداول أعمال قومية بدلاً من جداول أعمال مذهبية انقسامية، والتزام أكثر نشاطاً من جانب مجموعة أوسع من الفاعلين السنّة (الذين وقف عدد كبير منهم على الهامش في الانتخابات الماضية)، وقادة جدد وأحزاب جديدة يتحدّون القادة والأحزاب المسيطرين–مؤشراً باعثاً للأمل عن تحول ديمقراطي أكثر ترسخا.

لكن خلف المظاهر الخارجية، تبقى أسئلة أكثر جوهرية من دون أجوبة. ما مدى صلابة الأسس التي يقوم عليها تعزيز الحريات، بما في ذلك الحريات الدينية، واحترام الأقليات والحماية من انتهاكات حقوق الإنسان؟ تقدّم تقارير صادرة حديثاً عن وزارة الخارجية الأمريكية ومراقبين مستقلّين لأوضاع حقوق الإنسان، صورة قاتمة عن الانتهاكات المستشرية. فضلاً عن ذلك، تثير التقارير، عن استغلال حكومة المالكي للقوى الأمنية العراقية بهدف حسم معارك سياسية، مخاوف بشأن ما إذا كانت تلك القوى ستبقى محايدة سياسياً أم لا. ما مدى الانحسار الفعلي للانقسامات المذهبية والإثنية الداخلية في العراق؟ لقد استغرقت الفصائل السياسية الأساسية أشهراً للاتفاق على قواعد الانتخابات، وكانت الطرق غير الشفافة التي استُخدِمت في منع عدد كبير من المرشحين من الترشح، مثيرة جداً للقلق.

ساعدت زيادة عدد القوات الأمريكية في 2007-2008 على الحد من العنف، واستمر هذا الهدوء النسبي بعد انسحاب القوات الأمريكية من المدن، باستثناء عدد قليل من الهجمات القوية. غير أن تراجع العنف لم يؤدِّ إلى إحراز تقدّم سياسي كبير. تَخلُص تقويمات نزيهة للمعايير التي حُدِّدت في تشريع الكونغرس الأمريكي قبل ثلاثة أعوام–معايير منسيّة منذ وقت طويل إنما بدائية لقياس التحوّل السياسي في العراق–إلى أن القادة العراقيين لم يحققوا الكثير من التقدم حتى الآن في تسوية مسائل جوهرية متعلقة بتقاسم السلطة. لم يتم الوفاء بوعود الإصلاح الدستوري التي قُطِعت عشية الاستفتاء على الدستور عام 2005. ولا يبدو أن المسائل الأساسية، بما في ذلك الانقسام العربي-الكردي في كركوك، والأراضي المتنازع عليها، والمادة 140 من الدستور العراقي التي لم توضَع حيز التنفيذ (والتي حدّدت آلية لتسوية أوضاع الأراضي المتنازع عليها في شمال العراق)، تسير على طريق الحل.

أما في واشنطن، فتركّز إدارة أوباما اهتمامها أكثر على المشاكل الداخلية وأولويات أخرى في الخارج. في الأشهر الثمانية عشر الأخيرة، تحوّل مركز الثقل في سياسة الأمن القومي الأمريكية في الشرق الأوسط نحو الشرق، مع حصول أفغانستان على مزيد من الجنود والأموال بعد مراجعة مسهبة للسياسة الأمريكية هناك، ومع ازدياد الاهتمام الدبلوماسي بإيران وباكستان. كانت رسالة الرئيس أوباما المحورية حول العراق في خطاب في 27 يناير/كانون الثاني 2010، واضحة ومختصرة: سوف تغادر القوات الأمريكية العراق تماماً كما وعد عند ترشّحه للرئاسة. ولا تزال أسئلة استراتيجية أكبر من دون أجوبة: أي عراق تترك الولايات المتحدة وراءها، وما هو موقعه في الاستراتيجيا الأمريكية الأوسع في المنطقة؟

قال الرئيس أوباما في خطابه "سوف ندعم الحكومة العراقية في إجرائها للانتخابات، وسوف نستمر في الشراكة مع الشعب العراقي لترويج السلام والازدهار في المنطقة". وفي الواقع، لا تزال إدارة أوباما منخرطة وملتزمة بقوة في العراق. ففي المعيار الأكثر تبسيطية يبقى عدد الجنود الأمريكيين هناك مع بداية عام 2010 يفوق عددهم في أفغانستان. ولا تزال السفارة الأمريكية في بغداد الأكبر في العالم، وقد باشرت إدارة أوباما تطبيق برامج تهدف إلى الوفاء بوعود اتفاق الإطار الاستراتيجي الثنائي الذي يحدّد نشاطات أمنية واقتصادية وتربوية وثقافية لإرساء أسس علاقة ثنائية مميّزة. كما أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية الشهر الماضي عن مبادرات جديدة للإبقاء على وجود وانخراط قويين في العراق في مسائل مثل تدريب الشرطة والتنمية الاقتصادية.

وبذلت الولايات المتحدة أيضاً جهوداً حثيثة للتدخل في النقاش حول القانون الانتخابي الخريف المنصرم، والخلاف الأخير حول منع بعض الأعضاء من الترشح. توجه نائب الرئيس جو بايدن إلى بغداد في يناير/كانون الثاني، كما التقى عدداً كبيراً من الشخصيات العراقية التي زارت واشنطن تباعاً قبل الانتخابات في مارس/آذار، بيد أن العديد من القادة العراقيين انتقدوا هذا التدخّل علناً معتبرين أنه لم يجدي نفعاً.

في الواقع، لم يعد واضحاً حجم النفوذ الذي تحتفظ به الولايات المتحدة لصوغ النتائج السياسية في العراق. طوال السنوات الأخيرة، بالغت الولايات المتحدة في تعظيم قدرتها على التأثير في النزعات على غرار السياسة الشيعية أو على رأب الانقسامات العربية-الكردية في نينوى أو كركوك. لقد مارست الولايات المتحدة تأثيراً كبيراً في إعادة بناء القوى الأمنية العراقية في الأعوام القليلة الماضية. لكن زيادة عدد الجنود الأمريكيين في 2007-2008 لم تطلق بالضرورة حقبة جديدة من التعاون والمصالحة بين الفصائل المتنافسة في العراق، و من غير الواضح بعد إلى أي حد سوف تُترجَم هذه المساعدة الأمنية إلى تحول سياسي في العراق.

هناك سؤال أكبر لم تجب عنه السياسة الأمريكية في العراق: ما هو موقع العراق في استراتيجية إقليمية أوسع؟ لقد استخدمت إدارة أوباما في سنتها الأولى لهجة جديدة بالإجمال في الحديث عن انخراطها في الشرق الأوسط، وظهر ذلك في الخطب التي ألقاها الرئيس في كل من مصر وتركيا. وانطلقت في مسار دبلوماسي قوي على الجبهة العربية-الإسرائيلية، ومدّت يدها إلى إيران–لكن المجهودَين لم يسفرا بعد عن مكاسب ملموسة.

و لم تحدد إدارة أوباما بعد استراتيجيتها الإجمالية للشرق الأوسط وموقع العراق في تلك المقاربة. إذا كانت التطورات السياسية الأخيرة داخل العراق تشير، كما يقول بعض المحللين، إلى أن البلاد تقترب أكثر من الدوران في الفلك الإيراني، فما معنى ذلك للأهداف الأوسع للسياسة الأمريكية؟ كان العراق يحتل مكانة بارزة في الاستراتيجيات الإقليمية الأوسع للإدارتين السابقتين: فقد كان في محور أجندة الحرية التي وضعتها إدارة بوش، وكان النصف الثاني في سياسة احتواء مزدوجة كانت تشمل إيران في ظل إدارة كلينتون.

يتعيّن على إدارة أوباما أن تحدد بوضوح أكبر نظرتها إلى الدور الذي تضطلع به العلاقة الثنائية مع العراق في استراتيجيا أوسع تهدف إلى نزع فتيل التشنّجات وتعزيز الاستقرار في منطقة الخليج الأوسع. وسوف تُنتِج الانتخابات حكومة مختلفة، لكن إدارة أوباما لم تشكل بعد استراتيجيا إقليمية متماسكة يؤدّي فيها العراق من جديد دوراً مهماً.

بريان كاتوليس باحث وكاتب في مركز التقدم الأمريكي في واشنطن.