أصبحت المنافسة بيت القوى السياسية الداخلية في إقليم كردستان العراقى قوية جداً، فيما تخوض باقي المجموعات السياسية العراقية منافسة قوية استعداداً للانتخابات النيابية في السابع من مارس/آذار. والاتحاد الوطني الكردستاني (الأكثر علمانية والأقل قبلية بين الحزبين السياسيين الكرديين الأساسيين في العراق) معرّض على وجه الخصوص لخسارة الكثير أو ربح الكثير من جديد. لقد مني الاتحاد بخسارة كبيرة في انتخابات المحافظات في يوليو/تموز 2009 في قاعدة نفوذه الأساسية في السليمانية على يد قائمة گوران (التغيير) التي تشكّلت حديثاً. وقد ولّد ذلك انطباعاً بأن الاتحاد الوطني الكردستاني أصبح شريكاً أصغر للحزب الديمقراطي الكردستاني في اتفاق تقاسم السلطة بين المجموعتين الأساسيتين في حكومة إقليم كردستان. ومن التداعيات المهمة الكثيرة التي يجب رصدها في الانتخابات المقبلة، هل سيتمكّن الاتحاد الوطني الكردستاني من النهوض من جديد أم أن قائمة التغيير سوف تثبت وجودها كقوة جديدة في الوسط السياسي العراقي؟

العلاقات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني
في الوقت الراهن، يبدو أن الحزب الديمقراطي الكردستاني يلتزم باتفاق 2005 الذي ينص على تقاسم السلطة مناصفةً مع الاتحاد الوطني الكردستاني، من خلال تناوب الحزبَين على المناصب الرفيعة (أي الرئيس ورئيس الوزراء ورئيس برلمان كردستان العراق). يتصرّف الحزب الديمقراطي الكردستاني على هذا النحو لأنه يفضّل أن يستعيد الاتحاد الوطني الكردستاني الدعم الذي انتزعته منه قائمة التغيير التي توجّه انتقادات شديدة للحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على السواء. وهناك أيضاً خصومات سابقة بين زعيم قائمة التغيير، نشروان مصطفى، وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني.
لكن الحزب الديمقراطي الكردستاني أظهر بمهارة أكبر أنه يمتلك اليد العليا في شراكته مع  الاتحاد الوطني الكردستاني، وذلك من خلال سلسلة من التعيينات. فعلى سبيل المثال، في النقاشات التي أدّت إلى تشكيل حكومة جديدة في إقليم كردستان العراقي، سرت شائعات بأن رئيس الوزراء برهم صالح لن يعيّن وزير الموارد الطبيعية الحالي، آشتي هورامي، لولاية جديدة نظراً إلى ورود تقارير عن تورّطه في صفقات نفطية مثيرة للجدل. لكن هورامي الذي يُعتبَر قريباً من قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني احتفظ بمنصبه على الرغم من الاحتجاج العام. وسدّدت إعادة تعيينه ضربة للجهود التي يبذلها صالح لتطبيق شعار القائمة الكردستانية الانتخابي "التجديد والإصلاح". وتشير التقارير أيضاً إلى أن الحزب الديمقراطي الكردستاني يقاوم تعيين نائب الرئيس السابق في كردستان العراق ونائب رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني، كوسرت رسول علي، في منصب نائب الرئيس لكردستان العراق الشاغر حالياً.

كما يستعرض الحزب الديمقراطي الكردستاني عضلاته في ما يتعلق بالتعيينات في الحكومة العراقية المركزية. فمنصب نائب رئيس الوزراء الذي كان يشغله صالح ذهب إلى الاتحاد الوطني الكردستاني في المرات السابقة، لكنه أوكِل هذه المرة إلى ممثّل مسعود البارزاني في بغداد، روژ نوري شاويس.

تشنّجات مستمرة بين الاتحاد الوطني الكردستاني وقائمة التغيير
كان فوز قائمة التغيير ب25 في المئة من المقاعد في البرلمان في كردستان العراق بمثابة نداء يقظة للاتحاد الوطني الكردستاني. اتّخذ الاتحاد خطوات لاستعادة ثقة الناخبين في السليمانية وتنشيط قاعدته السياسية من جديد، بما في ذلك قرار بطرد أعضاء قائمة التغيير من صفوفه وتشكيل لجنة للنزاهة الداخلية. وكان زعيم الحزب، جلال طالباني، أول من كشف عن ممتلكاته. كما أن الخطوات التي اتخذتها حكومة إقليم كردستان، ومنها الكشف غير المسبوق عن الموازنة والإعلان عن استحداث عشرة آلاف وظيفة جديدة في الإقليم، ساعدت الاتحاد الوطني الكردستاني.
من جهتها تقول قائمة التغيير إن للمنافسة جانباً اصعب يتمثّل في المضايقات المستمرة والاعتداءات على أعضائها في الأراضي التي يسيطر عليها الاتحاد الوطني الكردستاني. ويزعم الحزب أن مكتب أحد نوابه في بلدة كويه أُحرِق، وأنه تم خفض أجور الأساتذة الذين يُشتبَه في أنهم على صلة به، ومعاقبة الضباط الأمنيين ومقاتلي البشمرگة الذين يتعاطفون معه.
وقد تفاقمت التشنّجات في يناير/كانون الثاني 2010 عندما وجّه طالباني انتقادات شديدة لنشروان مصطفى خلال مؤتمر الاتحاد الوطني الكردستاني، مما استدعى رداً حاد اللهجة من الأخير في صحيفته "روژنامة". ولم تتوقف الحرب الإعلامية إلا بعد تدخّل رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني الذي قال "لن نسمح أبداً بأن يُهدَر دم الأكراد من جديد على يد إخوتهم الأكراد"، في إشارة إلى الحرب الأهلية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في تسعينات القرن العشرين.

الأحزاب الكردية في الانتخابات المقبلة
من المرجّح أن يحقق الحزب الديمقراطي الكرستاني نتيجة أفضل من الاتحاد الوطني الكردستاني في الانتخابات في السابع من مارس/آذار، مما سيؤدي إلى تعزيز موقعه الذي يجعل منه الشريك الأكبر في الشراكة بينه وبين الاتحاد الوطني الكردستاني. سوف يواجه الاتحاد منافسة شديدة من قائمة التغيير ليس فقط في السليميانية إنما أيضاً في كركوك حيث بدأت القائمة تثبّت وجودها (وحيث يكثّف الاتحاد الوطني الكردستاني موارده الآن). إلى جانب قائمة التغيير، سوف تولّد المنافسة من الأحزاب الكردية المتمركزة في الشمال، تمثيلاً كردياً أكثر تنوعاً في بغداد. وعند انتهاء الانتخابات الوطنية، سوف تبدأ كل الأحزاب بإعادة تجميع صفوفها استعداداً للانتخابات في إقليم كردستان العراق المقرّر إجراؤها في أكتوبر/تشرين الأول 2010.


وفقاً لتوزيع المقاعد في البرلمان، باتت الأحزاب الكردية العراقية تضمن الحصول على 43 نائباً على الأقل (من أصل 325)، ولذلك سوف يسعى ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي أو منافسه، الائتلاف الوطني العراقي، إلى الشراكة معها في الحكومة. لكن الأحزاب الكردية العراقية لن تقدّم دعمها لأي من الفريقَين قبل حصولها على ضمانات في مسائل العائدات النفطية وإنشاء آليات فعالة لتقاسم السلطة، وكركوك، ووضع البشمرگة. أياً تكن نتائج الانتخابات التي ستحقّقها الأحزاب الكردية في ما بينها، فعلى الأرجح أنها ستستمر في التكلّم بصوت واحد في موضوع كركوك أو الحدود الداخلية الأخرى المتنازع عليها، على الرغم من أن لقائمة التغيير موقفاً أكثر تشدداً من الحزبَين الآخرين في هذه المسائل. في مختلف الأحوال، لا يريد أي حزب كردي أن يكون هو من يتخلى عن شبر من الأراضي "الكردستانية".

أحمد علي باحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى يركّز على التطورات السياسية في العراق.