على الرغم من "الخريطة الفسيفسائية" التي تبدو عند النظرة الأولى للمشهد السياسي السني عشية الانتخابات البرلمانية العراقية المقبلة، إلاّ أنّ التوقعات الرئسية هي أن يحصد تحالفان اثنان أغلب الأصوات السنية، كما هي الحال لدى الشيعة. فيما تبقى الألوان المختلفة الأخرى تعكس وجهات القوى الاجتماعية والسياسية السنية المختلفة ونزعاتها الأيديولوجية والسياسية، بعيداً عن حجمها ودورها الفعلي في الانتخابات.


ثمة متغيرات جديدة في المجتمع السني، تجعل الانتخابات الحالية مختلفة عن الانتخابات البرلمانية السابقة 2005 بدرجة كبيرة، وعن انتخابات مجالس المحافظات بدرجة أقل، ولعلّ العنوان الأهم لهذه الانتخابات أنّها ستكشف، بصورة كبيرة، عن حجم التحولات في المشهد السني وأوزان القوى السياسية المختلفة فيها، والوزن السياسي لكلٍّ منها، بعد إعادة تشكيل الاستقطابات والتموضعات في المعادلة العراقية بأسرها.
 

القوى السنيّة: الاتجاه من المقاطعة إلى المشاركة
هذه الانتخابات ستكشف أوّلاً مسار الخطّ البياني للمجتمع السني نحو المشاركة السياسية. فيما إذا كان يسير نحو مزيد من المشاركة والاندماج في العملية السياسية أم أنّ القوى المقاطعة والرافضة للعمل السياسي ستتمكن من فرض أجندتها ووجهتها، وستبقي الطرف السني في دائرة المقاومة أو على الأقل "قدم داخل اللعبة السياسية وأخرى خارجها"، وذلك سينعكس بصورة أساسية من خلال الأرقام التي تتحدث عن حجم المشاركة في المناطق السنية.
في المسار التاريخي، غلب على الوجهة السياسية السُنية في بداية الغزو الأميركي للعراق 2003 اتجاه المقاومة المسلّحة والمقاطعة للعملية السياسية، ولم يكن هنالك سوى أحزاب وشخصيات محدّدة تتبنى الخيار السياسي، مثل الحزب الإسلامي و جبهة التوافق السنية.
 

وعلى الرغم من مشاركة هذه القوى في الانتخابات البرلمانية في العام 2005، فإنّ الصوت السني الأقوى والأكثر حضوراً كان المقاطع، وعكس نفوذ الفصائل المسلّحة، وتحديداً تنظيم القاعدة، الذي كان في مرحلة صعوده ونموه في أحشاء المجتمع السني.
في مرحلة لاحقة، وتحديداً مع العام 2007، برزت الخلافات داخل القوى المسلّحة، والتي اتخذت في أحيان عديدة طابعاً مسلّحاً، بصورة أساسية بين القاعدة (التي أعلنت قيام دولة العراق الإسلامية) والقوى الأخرى (كالجيش الإسلامي، كتائب ثورة العشرين).
 ثم برزت "الصحوات العشائرية" داخل المجتمع السني، التي عكست بدورها تحولاً كبيراً في قراءة القوى السنية للمشهد السياسي، وجدوى العمل المسلّح، والصراع مع كلّ من القاعدة وإيران، ونتج عن ذلك التحول تراجعٌ كبير في حضور القاعدة في المعادلة السنية، اعترف به قادتها في مراحل لاحقة.

انتخابات مجالس المحافظات في العام الماضي منحت مؤشراً آخر على التحول السني، بارتفاع وتيرة المشاركة السنية فيها، وتنوع القوى بين إسلامية وعشائرية وعلمانية، وشهدت أيضاً تحوّل الصحوات من "حالة أمنية" إلى "قوى سياسية"، بعد أن أعلنت الحكومة العراقية تفكيكها وإدماج جزء منها في مؤسسات الدولة.
 

خريطة القوى السُنيّة المقاطعة

مع ذلك بقيت هنالك قوى سُنية مع خيار المقاطعة والعمل المسلّح، تتنوع بين عدة اتجاهات رئيسة، الاتجاه البعثي، الذي يقوده بصورة مباشرة، نائب الرئيس العراقي السابق، عزّت الدوري، ولا يوجد اتفاق واضح على حجم قوتها وحضورها، مقارنةً بالقوى الإسلامية الأخرى، بخاصة أنّها لا تزال تدين بالولاء للرئيس العراقي السابق، صدّام حسين، وللأفكار القومية.

على الطرف الآخر، تماماً، هنالك تنظيم "دولة العراق الإسلامية" التي تتشكل من القاعدة وحلفائها، بقيادة أبو عمر البغدادي، ومع أنّها تلقّت ضربات قاسية خلال السنتين الأخيرتين، إلاّ أنّ الشهور الأخيرة شهدت نشاطاً إعلامياً ملحوظاً، وتبنيّاً لعدة عمليات.
وهنالك "جبهة الجهاد والتغيير" وقد منحت الجبهة ثقتها للشيخ حارث الضاري أمين عام هيئة العلماء والمسلمين، وتضم عدداً من الفصائل الرئيسة في مقدمّتها كتائب ثورة العشرين وجيش الراشدين، وتعلن مقاطعتها للعمل السياسي في صورته الحالية.

ينضم إلى هذه الخريطة المجلس السياسي للمقاومة العراقية، الذي يتشكل من أربعة فصائل رئيسة، في مقدمتها الجيش الإسلامي، وحركة المقاومة الإسلامية- حماس، والجبهة الإسلامية- جامع، وجماعة أنصار السنة- الهيئة الشرعية، ويعد المجلس السياسي أكثر الفصائل المسلّحة مرونة مع العملية السياسية، ودخل في حوارات مع ممثلين عن القوات الأميركية مؤخراً في تركيا لم تؤد إلى نتيجة.

 المجلس السياسي وإن كان قد بقي على مقاطعة الانتخابات إلاّ أنّ الناطق باسم الجبهة الإسلامية- جامع، عبد الله الحافظ، صرّح مؤخراً لصحيفة قطرية بأنّ المقاومة لن تستهدف مقارّ الانتخابات، وتشي مصادر مقرّبة منه باحتمال تقديم دعم غير معلن لبعض المرشّحين السنة.


إعادة تشكيل التحالفات والتكتّلات في المربع السُنّي
على الضفة الأخرى، نمت القوى السنية المشاركة في العملية السياسية، وجرت خلال الشهور الأخيرة إعادة تشكيل للتحالفات التي ستتنافس في الانتخابات البرلمانية.
المتغير الرئيس (هنا) الذي يمتد إلى المشهد السياسي العراقي بأسره هو بروز ظاهرة التحالفات البينية العابرة للطوائف وبروز إرهاصات لتحول عن الخطاب السياسي الإسلامي إلى خطاب علماني، سواء من خلال القادمين الجدد (الصحوات) أو حتى إعادة هيكلة طرح قوى وشخصيات إسلامية معروفة.
ذلك الملمح يطغى بوضوح مع القائمة العراقية التي تتشكل من الكيان الذي يقوده رئيس الورزاء العراقي الأسبق، إياد علاّوي، وهو شخصية شيعية علمانية مقبولة لدى طيف واسع من السنة، وينضم إليه فيه نائب الرئيس العراقي السابق، طارق الهاشمي، بعد أن ترك الحزب الإسلامي، واحتضمن قائمة التجديد، وأسامة النجيفي (وأخوه أثيل) وعدنان الباجه جي وعدد من الشخصيات والتحالفات الصغيرة.
 

ويتوقع مراقبون أن يتنافس هذا التكتّل بقوة مع جبهة التوافق الوطني، على الصوت السني، والتي كانت خلال الفترة الماضية الممثل الأكبر للعرب السنّة في العملية السياسية، وعمادها الحزب الإسلامي، بقيادة أسامة التكريتي ونائبه إياد السامرائي ومحسن عبد الحميد.
في المقابل، استطاع "إئتلاف وحدة العراق" برئاسة وزير الداخلية السابق جواد البولاني (وهو شخصية شيعية) أيضاً أن يجد له حلفاء داخل المجتمع السني، وتحديداً من قيادات الصحوات العشائرية، كزعيم مؤتمر صحوة العراق في الأنبار، أحمد أبو ريشة، والمستشار السابق للصحوات، أبو عزام التميمي، وتجمع الميثاق الوطني بقيادة أحمد عبد الغفور السامرّائي.
 

فيما لم يحظ كلٌّ من ائتلاف دولة القانون بقيادة رئيس الوزراء العراقي الحالي، نوري المالكي، سوى بشخصيات عشائرية وسياسية سنية، كما هي حال الائتلاف الوطني الذي يتشكل من القوى الشيعية الرئيسة المنافسة للمالكي (المجلس الإسلامي الأعلى، التيار الصدري، أحمد الجلبي رئيس المؤتمر الوطني العراقي، وإبراهيم الجعفري- تيار الإصلاح).
 

مع نهاية مرحلة الاصطفافات الانتخابية وتحديد التحالفات السياسية، فإنّ الكرّة الآن في ملعب الناخب السني، الذي سيجيب على سؤالين رئيسين:
الأول؛ فيما إذا كان سيحسم بصورة أكبر خياراته السياسية تجاه الانتخابات واللعبة السياسية، ما يعني تحجيم المقاومة المسلّحة؟ والثاني؛ في تحديد الممثل الأبرز له في المعادلة السياسية، فيما إذا كان سيوزّع أصواته بين أكثر من ائتلاف أم سيصب على ائتلاف واحد، ويرتبط بذلك: إذا كانت ستؤدي هذه الانتخابات إلى تحسين دوره وحضوره في اللعبة السياسية، وقدرة أكبر على استثمار الانقسامات الشيعية أم أنّ الصوت سيتشتت ويوزّع مزيداً من المقاعد ويجزيء النفوذ السياسي؟
 

محمد أبو رمان كاتب و باحث أردني.