وسط التحديات الكثيرة التي يطرحها إرساء الديمقراطية وسيادة القانون، وترويج التنمية الاقتصادية والبشرية، والقضاء على معاقل الإرهابيين في العراق، يأتي الفساد ضمن التحديات التي تتصدّر القائمة. فقد صنّفت منظمة الشفافية الدولية العراق كثالث أسوأ بلد في العالم من حيث الفساد  في 2006 و2007 و2008 – ورابع أسوأ بلد  في العام 2009. ووضع البنك الدولي أيضاً العراق في أسفل القائمة.
ينبع الفساد السياسي واستغلال السلطة من العديد من مكامن الخلل البنيوية.  فمن أجل ضمان إقرار الدستور العراقي وجلب المعارضة إلى حلبة النقاش، شجّع الوسطاء الأمريكيون العراقيين على ارتكاب هفوتَين. في الأولى، وافق العراقيون على إقرار عدد من التغييرات الجوهرية في الدستور بعد تصديقه بفترة قصيرة، ما قوّض سلطة الدستور وجعله عملياً وثيقة موقّتة. وفي الثانية، تخلّى العراقيون عن الدستور مباشرة بعد الانتخابات الأولى لصالح تشكيل "حكومة وحدة وطنية"، وهي عبارة تشير إلى نظام محاصصة لتقاسم السلطة بهدف استرضاء العرب السنّة الذين عارضوا العملية السياسية. وعلى هذا الأساس، وُزِّعت الوزارات الحكومية على الأحزاب المتنوّعة من دون أي إشراف فعلي على الطريقة التي يدير بها الوزراء أعمالهم اليومية. وقد كان من الصعب للغاية مقاضاة المسؤولين العراقيين بتهمة الفساد بسبب بند في القانون يمنح الوزراء حصانة من التحقيقات القضائية.

وكانت النتيجة أداء سيئاً جداً في كل الوزارات. في شكل عام، كان الوزراء الفاسدون يحظون بالحماية من أحزابهم في مجلس النواب، وكان رئيس الوزراء نوري المالكي يشيح بنظره عما يجري. وحتى عندما كان فساد الوزراء كبيراً جداً بحيث لايمكن تجاهله، لم تحصل ملاحقات قضائية. فبعد كشف معلومات مثيرة للذهول عن فساد وزير التجارة السابق عبد الفلاح السوداني، (وهو عضو في حزب المالكي) واصل المالكي حمايته ، وسُمِح له بالاستقالة ومغادرة البلاد.

وبالمثل، لم يُواجه وزير الثقافة السابق أسعد الهاشمي الكثير من العواقب بعد استخدامه وزارته مركزاً لتعذيب المعارضين وملاذاً للمتطرفين الدينيين. في 26 يونيو/حزيران 2007، اتُّهِم بالتخطيط لسلسلة اغتيالات قبل ولايته وخلالها. وقد تهرّب من التوقيف عبر الاختباء في منزل مسؤول عراقي رفيع جداً – يقال إنه نائب الرئيس طارق الهاشمي – في المنطقة الخضراء. وبعد اختفائه في وضح النهار، فقدَ حكم الإعدام الصادر بحقه جدواه.

يختلف حجم الرشاوى والابتزاز والاختلاسات باختلاف مستويات المسؤولين المعنيين. فهي تبدأ بمئة دولار في أدنى درجات الوظائف الحكومية وترتفع لتصل إلى ملايين الدولارات الأمريكية مع الوزراء ونواب الوزراء. ففي قضية وزير التجارة العراقي السابق السوداني، تشير تقارير إلى أن عقداً موقّعاً بين وزارته وشركة تصدير مملوكة من ابنه وشقيقَيه نص على استيراد شاي منتهية صلاحيته بكلفة 50 مليون دولار، في حين قُدِّرت كلفة الشحنة ب20 مليون دولار.

وفي مايتعدى استغلال الثقة العامة وهدر الموارد، يمكن أن تكون للفساد أيضاً تداعيات خطيرة. فعلى سبيل المثال، لايزال مسؤولون عراقيون يتدخّلون لصالح إرهابيين مسجونين وذلك لأسباب أديولوجية وغايات سياسية، وأحياناً مقابل مكافآت مادية كبيرة. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2009 مثلاً، ألقت القوى الأمنية العراقية القبض على محامٍ في الموصل بتهمة رشوة مسؤولين للإفراج عن إرهابيين ينتمون إلى منظمة دولة العراق الإسلامية، وبإتلاف السجلات الرسمية التي تجيز هذه التوقيفات. ويُستخدَم المال الذي يُسرَق أو يُبتَز من الشركات المحلية والأفراد في رشوة المسؤولين من أجل إخلاء سبيل الإرهابيين وتمويل النشاطات الإرهابية.

مثال آخر عن تداعيات الفساد التي ألحقت ضرراً مباشراً بالعراقيين هو وباء الكوليرا الذي تفشّى في أماكن عدة العام 2008. وقد أشارت التقارير إلى أن السبب وراء انتشار الوباء هو عدم تعقيم مياه الشفة المحلية لأن المسؤولين العراقيين حصلوا على رشاوى لشراء كلور من إيران انتهت صلاحيته منذ وقت طويل. ومع ذلك أخلي سبيل العضو في مجلس مدينة الحلة المتورط في عقد الكلور، بعد وقت قصير من توقيفه، وذلك بسبب روابطه مع المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، وهو حزب نافذ موالٍ لإيران.

أخيراً، يمكن أن تُعتبَر التعويضات الطائلة التي أقرّها النواب لأنفسهم استغلالاً للسلطة، ولو لم تكن تُصنَّف رسمياً في خانة الفساد. بادئ ذي بدء، يكلّف كل نائب الخزينة العراقية 30000 دولار أمريكي شهرياً، بما في ذلك راتبه البالغ 9000 دولار والحراسة الأمنية (30 حارساً شخصياً)، ناهيك عن المعاش التقاعدي الذي يبلغ 7200 دولار في الشهر طوال عشر سنوات بعد التنحّي من النيابة. قبل شهرين فقط من انتهاء ولاية النواب الحاليين، استمر هؤلاء في الاستحواذ على مكاسب جديدة؛ فقد صوّتوا مؤخراً لتحويل قرض قدره 60000 دولار حصل عليه كل نائب لشراء سيارة، إلى هبة. كما صوّت النواب ليحصلوا وعائلاتهم على جوازات سفر دبلوماسية صالحة لمدة عشر سنوات، إلى جانب عقار في مكان من اختيار النائب. وقد أُقرَّت رزمة الامتيازات بالإجماع في جلسة سرية في أكتوبر/تشرين الأول 2009، بعد تجاوز الفيتو الرئاسي مرّتَين.

إن  العراقيين الذين رحّبوا بالتغيير في بلادهم يقعون بوتائر متسارعة ضحية خيبة الأمل واللامبالاة السياسية بسبب الفساد المستشري، وهذا من بين أمور أخرى. وقد كتب المثقف العراقي أياد محسن مؤخراً : "أي نوع من البلاد هذه حيث يسرق الوزراء والنوّاب ورجال الدين وزعماء القبائل والأطباء والمدرّسون، الشعب؟" الفساد مسألة يتعيّن على النواب الجدد الذين سيُنتخَبون في السابع من مارس/آذار والحكومة التي ستتشكّل في أعقاب الانتخابات، أن يعالجوها على الفور إذا ما كانوا يريدون الفوز بثقة الشعب العراقي. يمكنهم أن يبدأوا بإعادة تقويم نفقاتهم المبالغ فيها، إلى جانب نفقات الفروع الأخرى في الحكومة، ثم عليهم أن يمارسوا إشرافاً صارماً جداً على أداء الحكومة في كبح الفساد أينما وجد.

عباس كاظم أستاذ مساعد في شؤون الأمن القومي في الكلية البحرية للدراسات العليا في مونتيري- كاليفورنيا.