إذا كانت الانتخابات البرلمانية العراقية العام 2005 جرت بكتل رئيسية ثلاثة هي الكتلة السنيّة "التوافق" والشيعية "الائتلاف الوطني الموحد" والكردية "التحالف الكردستاني"، فان انتخابات 7 مارس/آذار 2010 ستجري وسط إستقطاب سياسي يستبطن، في جانب كبير منه، إنقساما طائفيا.

الجديد هذه المرة ان كل طائفة لم تعد قصراً على قائمة واحدة بل إنشطرت القوائم السابقة وحل فيها تنوع طائفي نسبي. فالائتلاف الشيعي السابق (الائتلاف الوطني الموحد) انشطر الى إئتلافين هما "الائتلاف الوطني العراقي" الذي يضم المجلس الاسلامي الاعلى بزعامة عمار الحكيم والتيار الصدري وتيار الاصلاح بزعامة رئيس الوزراء الاسبق ابراهيم الجعفري والمؤتمر الوطني بزعامة أحمد الجبلي وحزب الفضيلة، فضلا عن عدد من المستقلين والكيانات الصغيرة، وهناك "إئتلاف دولة القانون" بزعامة رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي ويضم حزب الدعوة وعددا من الكيانات الصغيرة والمستقلين.   

على الجانب السنّي تشظت كتلة " التوافق العراقية" السابقة، فورثتها "التوافق العراقي " التي تحاول الظهور بمظهر ليبرالي غير إسلامي. فيما تفرعت عنها كتلة "تجديد" بزعامة الامين العام السابق للحزب الاسلامي ونائب الرئيس العراقي الحالي طارق الهاشمي والتي دخلت في إئتلاف "العراقية" بزعامة رئيس الوزراء الاسبق أياد علاوي الى جانب تجمع الحدباء الموصلي برئاسة اسامة النجيفي والكتلة العراقية للحوار بزعامة صالح المطلك الذي إستبعد من الانتخابات بعد قرار هيئة المساءلة والعدالة الذي شمل ايضا رئيس كتلة التجمع للمستقبل داخل "العراقية" ظافر العاني.  الجانب الكردي يدخل هذه الانتخابات بقائمتين، التحالف الكردستاني الذي يضم الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الرئيس العراقي الحالي جلال الطالباني، الذي انشق عنه حزب التغيير بزعامة نوشيروان ليشكل منافسا حقيقيا في الانتخابات المقبلة بانت مؤشراته من التوتر الامني الذي شهدته مدينة السليمانية معقل حزب الطالباني ومنافسه الجديد.
الى جانب الائتلافات الكبيرة سالفة الذكر هناك إئتلافات أصغر مثل إئتلاف وحدة العراق بزعامة وزير الداخلية جواد البولاني الذي يضم حزبه (الحزب الدستوري) وتجمعات صغيرة ، وكذلك كتلة أحرار التي يتزعمها أياد جمال الدين.

عدا الكتل الكردية فان الكتل العربية تحاول ان تخرج من صيغتها القديمة الموزعة بين "إسلامية" و"مذهبية". واذا كانت اللوحة الانتخابية العراقية اليوم تتشكل بشكل رئيسي من أربعة كتل كبيرة هي العراقية والائتلاف الوطني وإئتلاف دولة القانون والتحالف الكردستاني وكتلتين أصغر هما "وحدة العراق" بزعامة وزير الداخلية و"التوافق العراقي" التي قوامها الحزب الاسلامي فان هناك كتلا اصغر تسعى الى تحقيق وجود ما في البرلمان القادم مثل "أحرار" التي شكلها أياد جمال الدين الرجل ذي الزي الديني الداعي في الوقت ذاته الى العلمانية. الا ان الواضح ان مصير الحكومة المقبلة  ورئيسها ستقرره الكتل الاربعة الرئيسية.

على صعيد الشعارات تبدو الكتل جميعها وكأنها إقتبست شعار حملة الرئيس الاميركي أوباما الانتخابية عندما تحدث عن "التغيير". واللافت ان هذا الشعار لايقتصر رفعه على الكتل المعارضة للحكومة الحالية بل حتى القوى المساهمة فيها والتي تلجأ الى تبرير ذلك بالاعتراف بالاخطاء والوعد بتصحيحها عبر برامج تفصيلية تعرضها على الناخبين.

على الرغم من قيام أكثرمن كتلة بتلوين تركيبتها طائفيا وقوميا، الا ان صفة "اللون الطاغي" ظلت واضحة في هذه الكتل. فالائتلاف الوطني العراقي  تسوده غالبية شيعية مع شخصيات سنيّة. وكذا الامر مع إئتلاف دولة القانون الذي بذل فيه المالكي جهدا كبيرا لاحتضان المجموعة السنيّة التي يتزعمها أحمد أبو ريشة المعروفة بالصحوات، اكن من دون جدوى. على الجانب الاخر، تبدو كتلة العراقية بزعامة اياد علاوي على العكس من سابقتيها الشيعيتين. فهي قائمة علمانية سنيّة باقلية شيعية، لكن الفارق هو أن زعامة هذه القائمة هي من هذه الاقلية (أياد علاوي). أما على الجانب السنّي الديني فنرى قائمة "التوافق العراقي" التي تمثل تركيبة سنيّة إسلاميةمن  دون اي تلاوين. على الجانب الكردي نشاهد القوائم باغلبية كردية كبيرة باستثناء مرشحين عرب ضمهم الاكراد إلى قوائم في بغداد وبعض المحافظات خارج اقليم كردستان، فيما توزع الاكراد الشيعة (الفيليين) على القائمتين الشيعييتين الائتلاف الوطني العرافي وإئتلاف دولة القانون.
اللافت في هذه الانتخابات ان القوى الاسلامية، على الجانبين الشيعي والسنّي، تحاول التخفيف من إسلاميتها عبر التقليل من ترشيح رجال دين والحرص على ترشيح نساء غير محجبات، والابتعاد عن استخدام الخطاب الديني من دون إدعاء العلمانية، وهي المفردة التي لاتلقى ترحيبا في الاوساط الاجتماعية التقليدية التي تراها معارضة للدين. 
    
حظوظ المتنافسين تتباين حسب الاستطلاعات التي تجريها كل جهة. فأئتلاف دولة القانون تحّدث منذ البداية عن احصائيات تثبت تفوقه على باقي الكتل، وبينها كتلة الائتلاف الوطني المنافس الذي بدأ يتحدث عن اقتراب حظوظ هذا الائتلاف من حظوظ إئتلاف المالكي. هذه المعطيات تؤكدها استطلاعات تجريها مؤسسات أميركية في العراق قال آخرها ان الائتلاف الوطني العراقي يتفوق على إئتلاف المالكي في بغداد، في حين يتفوق الاخير في البصرة لكنه تراجع كثيرا في غالبية المحافظات الجنوبية الشيعية، فيما تاتي كتلة علاوي مقاربة في حظوظها لدولة القانون وكذلك الحال مع كتلة التحالف الكردستاني. 
 
من هذا يتضح ان شكل الحكومة القادمة وهوية رئيسها يتحددان بين هذه الكتل التي لايتوقع لاحداها أن يحقق أغلبية تؤهلها لتشكيل الحكومة المقبلة بمفردها. بل إن التوقعات تذهب الى أنه ستكون ثمة حاجة إلى ثلاث كتل لتشكيل الحكومة، فمن ستكون هذه الكتل؟
حتى قبل أسبوعين من الانتخابات، كانت التوقعات تذهب باتجاه تحالف الكتلتين الشيعيتين مع الكتلة الكردية الاكبر (التحالف الكردستاني). لكن الامور تغيّرت بعد تسرّب معلومات عن مفاوضات سرية تجري بين كتلة اياد علاوي والمجلس الاسلامي الاعلى بزعامة عمار الحكيم حول إمكانية تحالف بين الائتلاف الوطني العراقي وإئتلاف العرقية والتحالف الكردستاني لتشكيل حكومة بعيدا عن كتلة المالكي.وقد  تعززت هذه المعلومات بعد زيارة علاوي الى السعودية ولقائه الملك السعودي عبد الله بحضور رئيس المخابرات السعودية، وربط هذا اللقاء بزيارة وفد عن علاوي في وقت سابق الى ايران ولقائه اوساطا مخابراتية معنية بالملف العراق ، ثم زيارة نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي الطامع الى رئاسة الجمهورية ولقائه القيادة المصرية.
    
كل هذا اعتبر طبخة يجري إعدادها لسحب البساط من تحت أرجل المالكي، وفي  الوقت نفسه لمد جسور تطمين مع الدول العربية المتخوّفة من ايران، وتلبية رغبتها في اشراك كتلة علاوي بما تمثّله من علمانية شيعية – سنية قادرة على التواصل مع المحيط العربي. لكن هذه الترتيبات لاتتضمن، وفق قيادي في المجلس الاعلى، تسليم رئاسة الحكومة إلى علاوي، بل إشراك كتلته في تشكيل الحكومة وبوزارات سيادية ربما تكون الخارجية من بينها، فيما يتوقع ان تذهب رئاسة الجمهورية الى احد أعضاء كتلته من العرب السنّة وتصبح رئاسة البرلمان للاكراد. هذا السيناريو بات اكثر مقبولية لدى الوسط الشيعي بعد تلاشي المخاوف من توغل حزب البعث الى العملية السياسية اثر منع ترشيح العشرات ممن المنتمين او المروجين للبعث. كما انه يفترض موافقة كردية لايبدو انها متوفرة حتى الان لكنه يلبي مطلباً عربيا ملحا بات شرطا للانفتاح على العراق. 
 
هكذا تبدو الصورة حتى الان، بانتظار ماستسفر عنه نتائج الانتخابات التي يتوقع ان تفرز الكثير من المفاجآت، خصوصا باعتماد نظام القائمة شبه المفتوحة التي تتيح للناخب إختيار مرشح من داخل القائمة، وهو ما قد يوصل وجوها جديدة يتوقع البعض ان تشكّل اكثر من نصف البرلمان المقبل.
     
سالم مشكور إعلامي وكاتب عراقي مرشح في الانتخابات العراقية كمستقل ضمن كتلة "الائتلاف الوطني العراقي".