لم تمر سنة واحدة على انتخاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في 14 إبريل/ نيسان2009 لعهدة ثالثة حتى دخلت الجزائر مجددا في حالة من الاحتقان السياسي الحاد، مصحوبة باحتجاجات اجتماعية في قطاعات حساسة كالتربية والصحة، وبحديث عن تفشي الرشوة على نطاق واسع. إنها صورة معاكسة تماما للوعود التي أطلقها الرئيس ومساندوه عندما تم إقرار التعديل الدستوري في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2008، الذي أزال القيد على عدد العهدات الرئاسية ليصبح بالتالي بإمكان بوتفليقة، الذي حكم البلاد لعهدتين (من 1999 إلى 2004 ومنها إلى 2009)، أن يستمر في السلطة لعهدة ثالثة وربما رابعة إن رغب.

وهكذا أريد لتلك الانتخابات، التي كانت محسومة النتائج سلفا، أن تحافظ على الوضع القائم. لقد راهن نظام الحكم على استقراره وعلى تمتين التوازنات السياسية التي بناها في العشرية الأخيرة، مستفيدا من تحسن الوضع المالي للبلاد بفعل الارتفاع الاستثنائي لأسعار النفط، حيث استخدمت أموال الريع النفطي الوفيرة في سد بعض الحاجيات الاجتماعية وإطلاق مشاريع استثمارية في البنى الأساسية خاصة.

لكن استقرار نظام الحكم لايعني بالضرورة استقرار أوضاع البلاد، وهذا للعديد من الأسباب، أولا: إخفاق الإصلاحات الإقتصادية، بحيث لانرى لها مردوداً ملموساً على مستوى معيشة الناس، سيما الفشل الظاهر في تقليص نسبة البطالة وبناء مؤسسات منتجة على رغم انفاق بلايين الدولارات (تم استثمار 120 بليون دولار ما بين 2004 و 2009، حسب أرقام رسمية، صرفت في شكل انفاق حكومي على مشاريع في البنية التحتية أساسا، كإطلاق مشروع إنجاز طريق سيار يربط شرق البلاد بغربه ومشاريع في السكة الحديدة وبناء السكنات، وتحسين أجور الموظفين وغيرها، وخصصت 150 بليوناً أخرى لغاية 2014). ثانيا: أن الإصلاحات السياسية التي أعقبت أحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988، بغرض بناء نظام ديمقراطي تعددي يسمح بالمشاركة السياسية الواسعة، أنتجت أحادية سياسية جديدة لاتختلف في جوهرها عن نمط النظام الأحادي.
وفي هذا الشأن، لايختلف وضع الجزائر عن حالة معظم الدول العربية؛ الكل عمد، تحت ضغط القوى الكبرى وتغيرات المحيط الدولي والانسداد الداخلي، إلى إجراء شبه إصلاحات سياسية مسّت شكل النظام السياسي ولم تطل جوهره. فهناك دساتير تقر بالتعددية وأحزاب وجمعيات وانتخابات تنظم دوريا. وكل ذلك مظهر شكلي تديره بإتقان النخب الحاكمة التقليدية التي تحكم سيطرتها على السلطة الفعلية بعيدا عن الرقابة المؤسساتية والشعبية ولاتسمح إلا بقدر هامشي من المشاركة السياسية. وبدلا من ترسيخ ديمقراطية فعلية كخطوة تالية لمرحلة تجاوز النظام القديم، نشهد ترسيخ شكل جديد من النظام التسلطي بخدع إنتخابية عقيمة لن تفرز التغيير المطلوب.
 
لكن ماذا بعد؟ هل يملك الرئيس بوتفليقة خيارات تنقذ عهدته الثالثة التي تنتهي في إبريل/نيسان 2014؟ وهل تملك القوى النافذة في السلطة خيارات لتجاوز الاحتقان الحالي ورسم سيناريو ما بعد بوتفليقة؟ إنها أسئلة الساعة في الساحة الجزائرية، وتساق حولها تكهنات مختلفة ومتناقضة. وفي ظل انعدام النقاش العام المفتوح تظل المضاربات والإشاعات سيدة الموقف، ومن ذلك استغلال عدم ظهور بوتفليقة لفترة لترويج إشاعة عن احتمال وفاته وشقيقه، في محاولة لإثارة ملف صحته مجددا والتشكيك في قدرته على إدارة البلاد.

أن المشهد السياسي الجزائري حافظ على صورته القديمة؛ فتظل السلطة هي الفاعل الرئيس في ظل إغلاق محكم للحياة السياسية عن طريق ثلاثة أحزاب حليفة لها (وهي: حزب جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي وحركة مجتمع السلم (إسلامي معتدل). فالأمر يتعلق، في الحقيقة، بتكتل من ثلاثة أحزاب في شكل حزب واحد. يحاول هذا "التحالف الرئاسي"، كما يُسمى، تقمص دور القاعدة السياسية للسلطة الحاكمة، وهو مطيع لها ولايطرح نفسه كمنافس أو بديل، كما أغلق اللعبة السياسية، وتسبب في إقصاء القوى الأخرى التي يمكن أن تطرح نفسها كبديل. يعني هذا أن إمكانية بلورة خيار جدي بديل عن السلطة الحالية قد يولد من رحم المعارضة، هو قطعا أمرا مستحيلا في الأجل القريب والمتوسط. وفي السياق نفسه، فإن الخيار الذي ستفرزه المواعيد الانتخابية المقبلة لن يكون نتاج منافسة سياسية مفتوحة تفرز في نهاية المطاف الاختيار الحر لغالبية المواطنين، وإنما سيكون نتاج ترتيبات فوقية بين القوى النافذة في منظومة الحكم مثلما حصل في الماضي.

من جانب ثانٍ، يظهر الرئيس بوتفليقة، الذي يلتزم الصمت حيال الغليان الاجتماعي واستفحال الرشوة في مؤسسات حساسة كالشركة النفطية "سوناطراك"(SONATRACH)  التي تعد شريان الاقتصاد الجزائري، وكأنه يواجه متاعب حقيقية في التعاطي مع هذا الوضع مما يجعل مصداقية حكمه على المحك. فكون الاتهامات بالفساد وتعاطي الرشوة موجهة صوب وزير الطاقة السيد شكيب خليل، أحد رجال الرئيس، ووزير الأشغال العمومية، السيد عمر غول، فإن ذلك سيضعف من وزن القطب السياسي الملتف حول الرئيس في ظل تنافس تقليدي، وأحيانا صراع حاد، على امتلاك سلطة القرار في منظومة الحكم وفي الساحة السياسية. وبالنتيجة إن ضعف القطب الرئاسي يعني كسب الجيش لمزيد من القوة وقدرته على بلورة خياراته في الساحة. ويفسر المراقبون قضايا الرشوة التي أثيرت مؤخرا وكانت إحدى الأسباب التي أودت بحياة مدير الأمن الوطني، الراحل على تونسي، الذي قتل في مكتبه على يد أحد مرؤوس مُتهّم بالرشوة، أنها تدخل في سياق صراع خفي في سرايا السلطة الفعلية.

تقليديا، لعب الجيش دورا أساسيا في المشهد السياسي الجزائري، وأمسك فعليا بزمام القرار خلال أزمة الإرهاب الدامي في التسعينيات متصدرا الواجهة. وقد حاول الرئيس بوتفليقة منذ تسلمه السلطة العام 1999 بناء مؤسسة رئاسية قوية تمتلك سلطة القرار في كل شيء، لكنه أراد تحقيق ذلك عبر مركزة السلطة بيده من دون مأسسة الحياة السياسية بما يخلق توازنا بين المؤسسات، وهو مايعني أن القوة والنفود بقيتا مركزتين بين أيدي الجيش والرئيس.
 
هناك انشغال يطرحه المراقبون مفاده أن استقالة ورحيل وجوه عسكرية قوية من الذين شكلوا النواة المقررة في المؤسسة العسكرية في التسعينات، جلب تغييرا لبنية هذه الأخيرة وبالتالي لمقاربتها للمسألة السياسية. إنه انشغال شرعي، غير أن ضعف أداء الفريق الحكومي لبوتفليقة وانعدام خيار سياسي بديل للحكم في ظل هشاشة المعارضة، يجعل المشهد السياسي محافظا على بنيته التقليدية. لكن هذه المرة، وخلافا للسابق، سينتقل منصب الرئيس إلى وجه جديد من خارج جيل المجاهدين المستندين للشرعية الثورية، إذا ما استثنينا مولود حمروش، رئيس الحكومة السابق الذي إلتحق بالثورة في سن مبكرة، والمعروف بنهجه الإصلاحي. وكان حمروش ترشح للرئاسة سنة 1999، لكنه يشترط موافقة صريحة من أصحاب القرار، ويقصد بهم الجيش، على أجندته الإصلاحية سيما فتح الحياة السياسية وتحرير الإقتصاد. كما تتداول أسماء أخرى، مثل رئيس الحكومة السابق، أحمد بن بيتور، الذي عمل مع بوتفليقة لقرابة السنة قبل أن يستقيل، وهو شخصية تقنوقراطية على دراية واسعة بالإقتصاد ويُلّح على تغيير النظام.
لكن الأكثر تداولا، وربما حظا، هو الوزير الأول الحالي، أحمد أويحيى، حيث يقال أن وقته قد حان لاعتلاء كرسي الرئاسة، كونه يحظى برضى أصحاب القرار وهو تقنوقراطي مطيع ترأس الحكومة ثلاث مرات. لكن نقطة ضعفه، في عيون الرأي العام، تكمن في دفاعه في السابق عن قرارات غير شعبية كحل مؤسسات إقتصادية وتسريح عمالها وسجنه كوادراً بتهمة الرشوة برأتهم العدالة لاحقا.

على أي حال، من الصعب على أي وجه جديد يصل إلى قصر الرئاسة، أن يفلح في بلورة حل لأزمات البلد ما لم يتم التخلي كلية عن المقاربة المتبعة حتى الآن في بناء منظومة الحكم لما بعد النظام التسلطي. إنها مقاربة تستبقي الاحتكار الدائم للسلطة بعيدا عن المشاركة الشعبية والمساءلة. وكلما تأجلت الإصلاحات السياسية الحقيقية كلما زادت أوضاع البلاد هشاشة. لأن ذلك سيعيق تدارك الإصلاحات المستعجلة اليوم في القطاع الاقتصادي، سيما التخلص من التبعية المطلقة للريع النفطي )97 في المائة من مداخيل الجزائر تأتي من النفط)، وبناء مؤسسات قادرة على استيعاب الأعداد الكبيرة من طالبي العمل سنويا، وتحسين الحياة المعيشية للفئات الغاضبة. إن استمرار الاحتقان السياسي سيؤجل انبثاق حكومة تعرف كيف تتغلب على هذه المشاكل.
محمود بلحيمر صحافي وكاتب جزائري.