أعلن قبل أيام ثلاثة من القياديين البارزين للاتحاد الاشتراكي  في صحف محلية، في رسالة إلى الكاتب الأول لحزبهم عبد الواحد الراضي، عن تجميد عضويتهم في المكتب السياسي ومقاطعة أشغاله إلى حين انعقاد المؤتمر التاسع للحزب.  من بين المقاطعين علي بوعبيد، (نجل مؤسس وزعيم الاتحاد الاشتراكي السابق عبد الرحيم بوعبيد)، وهو في الأربعينيات من عمره ويمثّل تيارا داخل حزبه غالبيته من الشباب. ويعتبر بوعبيد أن سياسة التوافق اللامشروط مع الملكية دفعت بالإصلاحات الديمقراطية إلى طريق مسدود.
من بين الأمور التي أثارت غضب الأعضاء الثلاثة تصريح عبد الواحد الراضي بعد انتخابه رئيسا لمجلس النواب الذي قال فيه أن الإصلاح الدستوري في يد الملك وحده. وهذا يعني أنه يتخلى رسميا عن أحد أهم قرارات المؤتمر الأخير للحزب المنعقد السنة الماضية والذي أكَّد، حسب نص رسالة الثلاثة، على ضرورة "القيام بكل المبادرات الكفيلة بتحقيق الإصلاحات السياسية والدستورية القادرة على إخراج البلاد من أزمة التعثر الديمقراطي". لكن لنحاول الآن تحليل علاقة هذه الأزمة الجديدة بعودة الراضي إلى رئاسة مجلس النواب، من جهة، والأحداث السياسية الأخيرة التي شهدها المغرب وكذالك التحولات السوسيولوجية التي عرفها الاتحاد الاشتراكي والتي أثرت على أدائه خلال العقد الأخير حيث شارك في كل الحكومات المتتالية منذ 1998، من جهة أخرى.

رئاسة مجلس النواب وثمنها السياسي الباهض
يجب التذكير هنا بأن عبد الواحد الراضي لم يحصل على الأغلبية المطلقة خلال الدورة الأولى لانتخاب رئيس مجلس النواب، على رغم أنه كان المرشح الوحيد للأغلبية الحكومية التي تتوفر فعلا على أغلبية عددية نظرية داخل المجلس. فما السر في هذا الفشل الغريب؟ السبب يرجع إلى أن القصر الملكي في المغرب يتحكّم بشكل كامل في كل اللعبة السياسية داخل البرلمان كما داخل الحكومة. فحزب الأصالة والمعاصرة، وهو منظمة أسسها، بدعم ملكي منذ أقل من عامين، فؤاد الهمة الصديق الحميم لمحمد السادس ورفيقه في المدرسة المولوية ووزيره السابق المنتدب في الداخلية، أصبح بقدرة قادر وبين عشية وضحاها يتوفر على 55 نائبا برلمانيا. وبذالك أصبح يمثل القوة الأولى داخل المجلس على رغم أن مؤسسيه لم يحصلوا إلا على ثلاثة مقاعد نيابية أثناء الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت سنة 2007.  كل هذا الغموض ينقشع إذا علمنا أنه مباشرة بعد إعلان تأسيس الحزب الملكي،  التحق العشرات من البرلمانيين المنتخبين باسم أحزاب أخرى إلى صفوفه. لابل  تدخّل القصر عبر قيادة الحزب كي يتوقف هذا النزف الذي قد يؤدي إلى الترحال الجماعي لأغلبية نواب الأمة، مما سيكشف لكل المتتبعين للشأن السياسي المغربي فساد العملية السياسية برمتها. مايهمنا هنا هو أن الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي قد اعتلى منصة الرئاسة بفضل الدعم غير المعلن للحزب الملكي، وأن الثمن الذي سدده هو التخلي النهائي عن برنامج الحزب في ما يخص الإصلاح الدستوري والذي من المفترض أن يحد من سلطات الملك الشاسعة جدا وتقوية اختصاصات الحكومة والبرلمان.
 ماحدث أثناء انتخاب الراضي يعني كذلك أن حكومة عباس الفاسي التي يشارك فيها الاتحاد الاشتراكي أصبحت تحت رحمة حزب الأصالة والمعاصرة الذي يمكن أن يسقطها متى شاء.

ساندروم إدريس لشكر
يقول أصدقاء علي بوعبيد في بيانهم الصحافي إن " تشويه أسلوب التوافق (مع الملكية)...قد أصبح اليوم عائقا أمام تطور العمل السياسي والحفاظ على مصداقيته وأمام جعله في خدمة المواطنين لا في خدمة أهداف شخصية...". لاشك أن الجملة الأخيرة تشير ليس فقط إلى اختيار الراضي ترشيح نفسه إلى رئاسة المجلس على رغم أنه كان قد وعد الاتحاديين بالتفرغ الكامل للحزب في حالة تصويتهم له ككاتب أول، ولكن أيضا دخول إدريس لشكر إلى الحكومة قبل أربعة شهور كوزير مكلف بالعلاقات مع البرلمان. ويجب التذكير هنا بأن القرار المفاحيء للشكر الالتحاق بالحكومة كان قد أثار استغرابا وريبة كبيرين داخل الرأي العام. فلشكر، وهو الرقم ثلاثة في الاتحاد الاشتراكي، كان قد أطلق حملة قوية ودائمة منذ انتخابات 2007 من أجل الإصلاح الدستوري وضد الحزب الملكي محاولا إقناع اليسار بالتقارب مع حزب العدالة والتنمية الإسلامي، وذلك لتغيير ميزان القوى لصالح الاتجاه المطالب بتحول ديمقراطي حقيقي يعطي للمؤسسات المنتخبة دورا محوريا في تحديد سياسات البلاد. التغيير المفاجيء هذا لموقف لشكر، والذي أعلن عنه بعد مفاوضات سرية بينه وبين قياديين في الحزب الملكي، فُسر من طرف أغلب الصحف المستقلة على أنه الدليل القاطع على أن  الفساد قد أخذ من النخبة مأخذه، وأن الكثير من المنتقدين لسلطوية القصر الملكي إنما يفعلون ذالك للضغط على النظام لتحقيق مآرب شخصية، وبالتالي سرعان ما سيتخلون عن مطالب الإصلاح حين يُعّينون في مناصب رفيعة.
إن مثل هذا القول، وإن كان يتضمن قدراً من الصحة،  لايمكن أن يفسر وحده ضعف وخنوع الجزء الأكبر من النخبة الليبرالية، والتي خرجت منهكة من سنوات الرصاص التي دامت ثلث قرن في المغرب، إلى إرادة المخزن المركزي (الحكم المركزي التقليدي وممثليه على المستوين المحلي والإقليمي). هناك أسباب أعمق وهي كامنة في البنيات السوسيوسياسية .

الحزب يتحول من منظومة رمزية إلى هرم زبوني
 فالاتحاد الاشتراكي منذ دخوله إلى الحكومة وإخفاقه في تطبيق برنامجه حول دمقرطة المؤسسات وتوزيع الثروة الوطنية بشكل أكثر عدالة، رأى قواعده التقليدية في الحواضر الكبرى تنكمش بطريقة تهدد ليس فقط الوزن السياسي العام للحزب بالبلاد بل أيضاً هويته الاجتماعية. فهذا الحزب التقدمي الحداثي أخذ يعتمد أكثر فأكثر على الناخبة القروية المحافظة، مما يعني دورا أكبر فأكبر للأعيان المحليين ضمن النخبة التي تسيطر على القرار داخل أجهزة الحزب وفريقيه البرلمانيين. إن هذا التحول في سوسيولوجيا الاتحاد الاشتراكي قد أضعف، من جهة، قوته التفاوضية اتجاه القصر، ومن جهة أخرى فإن بعض قيياديه أصبحوا يشعرون أنهم في حل من التزامات الحزب الخاصة بالدمقرطة والإصلاحات الهيكلية لبنية النظام السياسي، مادام أن القواعد نفسها أصبحت تربطها بالقيادة علاقات ذات طبيعة زبونية أكثرمنها إيديولوجية مما أدى إلى تبخيس العمل السياسي في صفوف الحزب. إن هذا التحول الذي عرفته سوسيولوجيا الاتحاد الاشتراكي ينطبق على أحزاب أخرى ومنها حزب التقدم والاشتراكية الذي اعترف أحد قيادييه، محمد أكرين في إستجواب مع صحيفة المساء، أخيرا بأن " طريقة تدبير أحزاب اليسار لملف الأعيان في الانتخابات كانت انتحارا سياسيا".   
 

المعطي منجب أستاذ وباحث في معهد الدراسات الإفريقية في جامعة محمد الخامس في الرباط.