يُثير قتل قادة كبار في تنظيم القاعدة في هجمات جوية شنّتها الولايات المتحدة مؤخراً في العراق وأفغانستان، الأسئلة المعتادة عن تأثير هذه التطوّرات على التنظيم وتداعياتها السياسية. صحيح أن هذه المستجدّات تُلحِق هزيمة إضافية بالقاعدة، بيد أن الظروف السياسية الحالية في العراق قد تشجّع على صعود التنظيم من جديد. وتتمثّل هذه الظروف في الحائط المسدود الذي اصطدمت به نتائج العملية الانتخابية، والتحالف الجديد الذي يسيطر عليه الإسلاميين الشيعة ويعتبره عدد كبير من العرب السنّة إقصائياً، والتهميش المتزايد لمجالس الصحوة ناهيك عن محدودية إعادة دمجها.
في أبريل/نيسان الماضي، لقي أبو عمر البغدادي (حامد الزاوي)، أمير دولة العراق الإسلامية، مصرعه في منطقة الثرثار الصحراوية شمال بغداد، إلى جانب وزير حربه، أبو أيوب المصري (يوسف الدرديري المعروف أيضاً بعبد المنعم البدوي). وكان المصري، وهو مصري الجنسية شغل رتبة متوسّطة في تنظيم الجهاد المصري، قد خلف نائب أبو مصعب الزرقاوي في تولّي قيادة تنظيم القاعدة في 15 يونيو/حزيران 2006. وفي أكتوبر/تشرين الأول من ذلك العام، اندمج مجلس شورى المجاهدين بقيادة البغدادي وتنظيم القاعدة في العراق بقيادة المصري معاً ،إلى جانب أكثر من عشرة تنظيمات وفصائل أصغر حجماً شكّلت مجتمعةً دولة العراق الإسلامية.
بيد أن تاريخ إنشاء دولة العراق الإسلامية  صار بدايةً لتراجع القاعدة. فالعنف العشوائي الذي مارسه تنظيم القاعدة في العراق ثم دولة العراق الإسلامية التي خلفته، إلى جانب توسيع لائحة الأعداء والأهداف لتشمل أفراد قبائل العرب السنّة الأقل تعاوناً، بالإضافة إلى قوات التحالف والجيش العراقي والأجهزة  الأمنية، وكل من هم من غير السنّة عملياً، أدّى إلى انتفاضة القبائل العربية السنّية في مطلع العام 2007. وقد أطلقت محافظة الأنبار ظاهرة الصحوة التي لم توجّه السلاح نحو دولة العراق الإسلامية بدلاً من قوات التحالف وحسب، بل شنت أيضاً حملات إعلامية ومواد اديولوجية مناهضة لإيران بدلاً من أميركا. كما ساهم غياب اقيادة كاريزمية، بعد الزرقاوي، والسياسات الأمنية الأكثر تشدّداً التي اعتمدتها سوريا والسعودية لوقف تدفّق الأموال والمتطوّعين، في إضعاف تنظيم القاعدة في العراق. وبما أنّ أية معارضة مسلحة لاتستطيع أن تصمد من دون دعم شعبي، ولاسيما عندما تكون الجغرافيا مناوئة والأيديولوجيا وتجلّياتها منفرة ولا تجذب المجتمعات المحلّية، حدث تراجع حاد في القدرة العملياتية لتنظيم القاعدة في العراق/دولة العراق الإسلامية بعد العام 2007.
على الرغم من ذلك، بادرت دولة العراق الإسلامية سريعاً إلى استبدال كبار قادتها. فقد أعلنت في بيانها الجديد أنه " قد رحل اثنان، وجاء ثلاثة". وأصبح أبو بكر البغدادي الأمير الجديد، وأبو عبدالله القرشي نائبه ووزيره الأول، والناصر لدين الله أبو سليمان وزير الحرب الجديد مكان المصري. لكل هذه الكنيات معانٍ تاريخية ودينية. فقُريش هي قبيلة النبي محمد، وربط القادة الجدد في دولة العراق الإسلامية مباشرةً بالنبي يجعلهم أشرافاً في الثقافة الإسلامية. ويشار إلى أن الناصر لدين الله كان لقب صلاح الدين الأيوبي، القائد العسكري المسلم الشهير الذي قاوم الصليبيين في المشرق في القرن الثاني عشر. ويستخدم تنظيم القاعدة في العراق ودولة العراق الإسلامية مزيداً من الرمزية للتعويض عن غياب القيادة الكاريزمية. أما في مايتعلّق بالقادة الجدد، فلا يُعرَف الكثير عنهم. كان أبو بكر قائداً لأحد التنظيمات الصغيرة التي اندمجت في دولة العراق الإسلامية. ووزير حربه مغربي ذو صلات وثيقة بالقيادة المركزية لتنظيم القاعدة، على غرار سلفه. وقد سار الناصر في تصريحه الأول على خطى الخطاب الذي كان ينتهجه الزرقاوي، داعياً إلى التصعيد ضد الأهداف الشيعية والجيش والقوى الأمنية العراقية.
غير أن التطوّرات السياسية في العراق لاتعزّز على الإطلاق المكاسب التي تحقّقت في وجه تنظيم القاعدة هناك. ففي مناسبات عدّة، هدّد نوري المالكي وإياد علاوي وسياسيون بارزون آخرون بعودة العنف السياسي في حال منعهم من تولّي السلطة. وعلى الأرجح أن التسوية الحالية بين الائتلافين الأساسيين اللذين يسيطر عليهما الإسلاميون الشيعة، ائتلاف دولة القانون والتحالف الوطني العراقي، سوف تؤدّي إلى إقصاء القائمة العراقية بزعامة علاوي ومؤيّديها العرب السنّة من الحكومة المقبلة. وقد حذّر قادة الصحوة، من جهتهم، من إمكان حدوث تدهور سريع على الصعيد الأمني وعودة الظروف إلى ما كانت عليه في مرحلة 2006-2007 إذا لم تكتمل عملية إعادة الدمج أو إذا سُحِبت منهم تراخيص السلاح، كما حصل في ديالى حيث يتمركز 9837 عضواً من مجالس الصحوة لمحاربة تنظيم القاعدة في العراق. في هذه الأجواء حين  يهدّد سياسيون بارزون باندلاع أعمال عنف إذا خسروا السلطة، وتعتبر أقلية كبيرة أنها مقصيّة ومهمَّشة، وتشعر عناصر مسلحة من هذه الأقلية بالغضب والاحباط، تصبح الساحة مهيّأة تماماً لانطلاق جولة جديدة من العنف السياسي.
يشكّل مقتل أبو أيوب وأبو عمر (ومصطفى أبو اليزيد في باكستان) تطوّراً هاماً في الحرب ضد تنظيم القاعدة. غير أن شريان الحياة الأساسي بالنسبة إلى القاعدة في العراق، كما في أفغانستان واليمن، يتمثّل في تحالفاتها مع القبائل والتنظيمات. وتمرّ تلك التحالفات في مراحل من المدّ والجزر، بحسب درجة الاقصاء والقمع في البيئة السياسية. فبين عامَي 2007 و2010 قُوِّضت تلك التحالفات إلى حد كبير في الحالة العراقية، مع ظهور مجالس الصحوة، وعدم ترحيب المناطق العربية السنّية بتنظيم القاعدة، والصدامات مع مجموعات مسلَّحة أخرى أبرزها الجيش الإسلامي في العراق وكتائب ثورة العشرين. لكن يجب ألا يُعتبَر ذلك من المسلّمات. فمن شأن بيئة سياسية إقصائية وقمعية يفضِّل فيها السياسيون العنف على المصالحة والتسوية- من شأن هذه البيئة أن تعيد توليد التحالفات بين المسلحين والقبائل، وتؤدّي في نهاية المطاف إلى استعادة تنظيم القاعدة في العراق عافيته، على الرغم من قطع الرؤوس المستمر بواسطة الهجمات التي تشنّها طائرات بدون طيار.

عمر عاشور مدير برنامج الدراسات الشرق أوسطية في معهد الدراسات العربية والإسلامية في جامعة إكستر (المملكة المتحدة)، ومؤلّف كتاب "التخلّص من الراديكالية لدى الجهاديين: تحويل الحركات الإسلامية المسلّحة" (لندن، نيويورك: روتليدج، 2009)