خلافات بين الحرس القديم ونخبة الأعمال الجديدة داخل الحزب الوطني الحاكم تلعب دورا في مسألة الخلافة الرئاسية.  السؤال عما إذا كان سيتم اختيار جمال مبارك مرشّحاً للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في الانتخابات الرئاسية سنة 2011 هو من الأكثر إثارة للنقاش في مصر اليوم. لقد انطلقت حملات في مصر وفي الخارج لجمع تواقيع دعماً لترشيحه – في محاولة واضحة للتصدّي لحملات مماثلة دعماً للرئيس السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، وربما لإرغام النخبة الحاكمة على التحرّك – لكنها مجرد عرض جانبي. فالمسائل الأكثر أهمية إلى حد كبير تتعلّق بالوضع الصحي للرئيس حسني مبارك ودرجة الوحدة داخل النخبة في ما يختص بترشيح جمال مبارك والمسار الذي ستسلكه البلاد في المستقبل. لأول مرة في التاريخ المصري الحديث، تؤدّي نخبة الأعمال دوراً في مسألة التوريث، لكن ليس واضحاً بعد إذا كان ذلك الدور سيكون حاسماً.

الصعود المتعثّر للحرس الجديد


يبدو أن الحرس الجديد المؤلّف من رجال أعمال مرتبطين بجمال مبارك، والذي شهد صعوداً لافتاً داخل الحزب الوطني الديمقراطي اعتباراً من عام 2000 وسيطر على الحكومة منذ عام 2004 بقيادة رئيس الوزراء أحمد نظيف، بلغ الذروة مؤخراً. ففي العامَين الماضيين في شكل خاص – بالتزامن مع الركود العالمي والاحتجاجات المتزايدة على الأجندة الاقتصادية النيوليبرالية للحرس الجديد – حصل تحوّل داخل الحزب الوطني الديمقراطي. ففيما يتولّى الرئيس مبارك رئاسة الحزب منذ عام 1981، الأمانة العامة للحزب المؤلّفة من ستة أعضاء مقسومة بالتساوي بين الحرس القديم الممثَّل بالأمين العام، صفوت الشريف، ورئيس ديوان الرئيس المصري، زكريا عزمي، ووزير المجالس النيابية، مفيد شهاب، والحرس الجديد الممثَّل بنائب الأمين العام جمال مبارك وأمين التنظيم أحمد عز وأمين الإعلام علي هلال الدسوقي. سيطرت شخصيات الحرس القديم على مؤتمر الحزب الوطني الديمقراطي لعام 2009 أكثر من على أي تجمّع آخر في الأعوام الأخيرة، وأفادت معلومات أن صفوت الشريف أدّى الدور الأساسي في تسمية مرشّحي الحزب الوطني الديمقراطي لانتخابات مجلس الشورى في يونيو/حزيران 2010. في ما يتعلّق بالسياسات، بات قادة الحرس القديم في الحزب الوطني الديمقراطي ينتقدون علناً الخطط الإصلاحية لحكومة نظيف، مما يتسبّب بتباطؤ مسار الخصخصة الذي تنتهجه الحكومة.


الدافع الذي يحرّك الحرس القديم في لعبة النفوذ هذه واضح. فالحرس الجديد يريد مساراً اقتصادياً يحقّق الفائدة لنخبة الأعمال ويحدّ من دور الدولة في الاقتصاد، الأمر الذي يُلحِق الأذى بمصالح الحرس القديم، فالدولة، بما فيها من قطاع عام مضخَّم وبيروقراطية، هي مصدر سلطته الأهم. لقد قاوم قياديون في الحرس القديم التأثير الصاعد ل"رجال الأعمال السياسيين" الذين دعموا بقوة مسيرة جمال مبارك السياسية. ومن الأمثلة البارزة عن رجال أعمال مقرّبين من الحزب الوطني الديمقراطي جمعوا ثروة طائلة بفعل الإصلاحات الاقتصادية عملاق صناعة الفولاذ أحمد عز، ورجل الأعمال في قطاع السيراميك محمد أبو العينين، والقطبان محمد منصور وأحمد المغربي.


قاد زكريا عزمي مقاومة هؤلاء الوافدين الجدد من خلال المناصب المختلفة التي شغلها، وتشمل رئيس ديوان الرئيس المصري، ونائب أمين عام الحزب الوطني الديمقراطي، ونائباً في مجلس الشعب. وقد خاض عزمي مواجهات كلامية مع رجال الأعمال في الحزب الوطني الديمقراطي خلال الجلسات النيابية، وعلى الأرجح أن النصيحة التي أسداها للرئيس مبارك هي التي جعلت الأخير يحتفظ حتى الآن ببعض المسؤولين الحكوميين الكبار. ومن هؤلاء المسؤولين رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، جودت الملط، الذي انتقد أجندة الحرس الجديد الإصلاحية، ومحافظ البنك المركزي فاروق العقدة الذي بقي مستقلاً سياسياً عن مجموعة جمال مبارك. بيد أن نجاح عزمي الأكبر تمثّل في إضعاف شلّة رجال الأعمال الإسكندريين النافذين داخل الحكومة، وتشمل وزير النقل محمد منصور ووزير الإسكان أحمد المغربي (الذي تربطه صلة قرابة بمنصور)، ووزير الصناعة رشيد محمد رشيد. فقد أفادت تقارير صحافية أن عزمي أدّى دوراً حاسماً في إرغام منصور على الاستقالة من وزارة النقل عام 2009 إثر حادث تصادم مروّع بين قطارَين. ويُقال أيضاً بأن عزمي كان وراء المرسوم الرئاسي الذي أحيط بالكثير من الدعاية والذي نصّ على إلغاء اتفاق حول أرض توصّلت إليه شركة "بالم هيلز للتعمير" التي يُعتبَر آل المنصور وآل المغربي المساهمَين الأساسيين فيها.

الجيش حاملاً لتوازن القوى


حتى الآن، بقيت القيادة العسكرية خارج النزاع على السلطة بين الحرس القديم والحرس الجديد داخل الحزب والحكومة. ويبدو في شكل عام أن هذا الحياد يخدم مصالح الحرس القديم، لأنه من شأن بادرة إيجابية يقوم بها ضباط عسكريون كبار حيال الحرس الجديد وجمال مبارك أن تمنحهما زخماً مؤكَّداً. ثمة أسباب عدّة لهذا الحياد. أولاً، لقد بذل الرئيس مبارك جهوداً حثيثة لبثّ الحياد السياسي والولاء المطلق للرئيس في صفوف الجيش طوال ثلاثين عاماً، وقد تحوّل هذا الأمر عادة راسخة. ثانياً، ربما يتشاطر ضباط كثر مخاوف الحرس القديم في ما يتعلق بأجندة الحرس الجديد التي من شأنها أن تقود منطقياً إلى فرض حدود محتملة على سلطة الجيش ومنافعه الاقتصادية الكثيرة وسواها من المنافع. ثالثاً، هناك الكثير من الروابط الشخصية بين الحرس القديم والقيادة العسكرية. فعلى سبيل المثال لزكريا عزمي وصفوت الشريف خلفية عسكرية، وهما من جيل رئيس جهاز المخابرات العامة، عمر سليمان، الذي عملا معه طوال عقود. أخيراً، قد تكون هناك طموحات رئاسية فردية في صفوف الجيش؛ والاسم الأكثر تداولاً في هذا السياق هو الفريق الجوي أحمد محمد شفيق، قائد سلاح الجو المصري السابق ووزير الطيران المدني الحالي.

جمال في الوسط


بناءً عليه يواجه جمال مبارك معضلة: إذا انفصل عن مؤيّديه الحاليين للحصول على دعم الحرس القديم، من خلال تبريد حماسته للمسار الاقتصادي النيوليبرالي مثلاً، فسوف يواجه خطر انقلاب نخبة الأعمال النافذة ضده (وكذلك السير عكس ما يمليه عليه حدسه). من جهة أخرى، إذا احتفظ بمؤيّديه الحاليين، من شأن مقاومة الحرس القديم، وعلى الأرجح الجيش، لطموحاته الرئاسية أن تشتدّ. قد يدفع الحرس القديم والجيش باتجاه تعيين خلف موقّت للرئيس مبارك – مثل عمر سليمان النافذ الذي يتمتّع على ما يبدو ببعض الشعبية لأنه يُنظَر إليه بأنه غير فاسد – لكن ليس أكيداً عى الإطلاق إذا كان هذ الخلف سيُخلي المنصب لجمال مبارك في المستقبل.


سوف تكون الانتخابات النيابية المزمع إجراؤها في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني مؤشراً عن النزعة داخل الحزب الوطني الديمقراطي، وقد تُغيِّر تركيبة السلطة الحالية من جديد. إذا فاز المرشحون المدعومون من الحرس الجديد بغالبية واضحة من مقاعد الحزب الوطني الديمقراطي، فقد يساعد ذلك جمال مبارك على تهميش الحرس القديم وتعزيز حظوظه بالحصول على ترشيح الحزب الحاكم للرئاسة. ومع ذلك، التقارير الجديدة عن تسجيل المرشحين تشير إلى أن العديد من أعضاء الحرس القديم يريدون خوض الانتخابات البرلمانية ، ولن تحذف أسمائهم بسهولة من قائمة الترشيح. على أية حال، قد يقرّر حسني مبارك المريض الترشّح من جديد سنة 2011 إذا سمحت له صحّته، وعندئذٍ فإنّ معركة التوريث المستمرّة منذ عقد قد تتواصل سنة إضافية أو سنتَين إضافيتين.

ستيفان رول باحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين.