يقترب نوري المالكي الآن أكثر من أي وقت مضى من الفوز بولاية ثانية رئيساً لوزراء العراق. فهو تخطّى عائقاً أساسياً يتمثّل بمعارضة التيّار الصدري لتولّيه المنصب. كماأظهر رئيس الوزراء السابق وزعيم ائتلاف دولة القانون مرّة أخرى أنّه يتحلّى بالجلَد وطول الأناة، فقد أبقى المفاوضات مفتوحة وتكلّلت جهوده بالنجاح بعد سبعة أشهر متواصلة. صحيح أنّ السباق لم ينتهِ بعد، لكن تسمية التحالف الوطني للمالكي ساهمت في تسريع العملية وأطلقت حركة ناشطة في أوساط السياسيين العراقيين.


في أواخر سبتمبر/أيلول، عقد التحالف الوطني اجتماعات غير حاسمة وأرجأ أخرى، وتحدّثت تقارير في الصحافة العراقية والعربية عن ممارسة إيران ضغوطاً على مقتدى الصدر للموافقة على تسمية المالكي لرئاسة الوزراء على الرغم من أنّ الأخير قاد حملة ضد جيش المهدي الصدري العام 2008. وكان للصدر بيان معبِّر في أواخر سبتمبر/أيلول أقرّ فيه بتعرّضه إلى الضغوط وحضّر قاعدته للقرار الذي اتّخذه في وقت لاحق من الأسبوع. فقد كتب لأنصاره "السياسة لاقلب لها"، وتابع "اعلموا أن السياسة هي أخذ وعطاء".


في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، وقف الصدريون جنباً إلى جنب مع ممثّلي ائتلاف دولة القانون لتسمية المالكي لولاية ثانية. لكن غياب ثلاثة مكوّنات أساسية في التحالف الوطني العراقي من الاجتماع، كان مقدّمة لتعقيد الأمور أكثر فأكثر. فقد رفض حزب الفضيلة الإسلامي والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي بزعامة عمار الحكيم المشاركة في الاجتماع، وكذلك تنظيم بدر التابع للمجلس الأعلى الإسلامي العراقي. فتمكّن التحالف من تجاوز آليات الاختيار الداخلية المتّفق عليها مسبقاً وإقرار تسمية المالكي من دون تصويت، ما أثار نفور الأشخاص الذين تبنّوا مواقف مناهضة بشدّة لتسميته. ومن دون دعمهم، بات الالتباس يحيط فجأةً بفوز المالكي برئاسة الوزراء، مع العلم بأنّه كان يُفترَض أن يكون محسوماً.

تحفّظات شركاء أساسيين


إعتبر التيّار الصدري وائتلاف دولة القانون أنّ الخلاف مع المجلس الأعلى الإسلامي العراقي وحزب الفضيلة يقتصر على أمور فنّية، ويمكن حلّها من خلال تقديم ضمانات إلى الأطراف المعترِضة. تساور المجلس الأعلى الإسلامي العراقي مخاوف جدّية بشأن المالكي، لكنّه حرص مع تنظيم بدر والفضيلة على ترك مجال للمصالحة داخل التحالف الوطني. فقد أعلنا أنّهما لن يعطّلا تسمية المالكي، لكنّهما لن يصوّتا له أيضاً.


حافظت الفضيلة على موقف غامض، مع دون انحياز واضح للمالكي أو لمعارضيه. أما المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، فسوف في الدفع نحو تسمية نائب الرئيس عادل عبد المهدي الذي أوضح أنّه لايزال مرشّحاً لرئاسة الوزراء، ومن شأنه أن يحاول تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم القائمة العراقية بزعامة رئيس الوزراء السابق أياد علاوي. بيد أن قادة المجلس الأعلى الإسلامي حذّروا من أنّه إذا لم تؤخَذ تظلمات المجلس وحزب الفضيلة في الاعتبار، فسوف يُضطرّان إلى إقامة إتّفاقية مع القائمة. في الواقع، أُنشِئت لجنة ثلاثية لمناقشة إمكانية قيام القائمة العراقية والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي وحزب الفضيلة بخطوة موحّدة.

خيارات القائمة العراقية


اليوم، أمام رئيس القائمة العراقية علاوي ثلاثة خيارات لارابع لهما سوى المقاطعة الغير بناءة: الانضمام إلى المالكي في حكومة وحدة، أو إنشاء ائتلاف مضاد يشكّل بديلاً عن المالكي مقبولاً على نطاق واسع، أو المشاركة في مجلس النواب من موقع المعارضة. في الواقع، يبدو أن فرص علاوي بالحصول على تسميته لرئاسة الوزراء وتشكيل الحكومة ضئيلة لابل معدومة، نظراً إلى أن شخصيته مثيرة للانقسام بقدر المالكي. وإذا تقبّل هذا الأمر، فقد يتراجع عن سعيه إلى الفوز برئاسة الوزراء ويؤيّد تسمية عبد المهدي (أو شخصية أخرى تحظى بالقبول).


من جهة أخرى، يستعدّ الإئتلافان صغيرا الحجم، قائمة التوافق وإئتلاف وحدة العراق، لمرحلة المقايضة. فقد انكبّا على العمل منذ تسمية المالكي من قبل التحالف الوطني، ويسعيان إلى رصّ صفوفهما لتوحيد قواهما. وقد دعا زعيم التوافق، رشيد العزّاوي، إلى توزيع المناصب المهمّة بين المجموعات الأساسية في العراق سواء شاركت القائمة العراقية في الحكومة أم لم تشارك. فبعدما وقفت قائمة التوافق وتحالف الوحدة الوطنية جانباً في الأشهر القليلة الماضية، تريان الآن فرصة سانحة قد تتيح لهما تمثيل السنّة في الحكومة المقبلة إذا قاطعتها القائمة العراقية. وهذا الوضع يذكّر بأوّل حكومة عراقية بعد رحيل صدام حسين، عندما عمدت غالبية السنّة إلى المقاطعة، وكانت قائمة التوافق المجموعة السنّية الأساسية الوحيدة في مجلس النواب مع 44 مقعداً نيابياً.


لكن هذه المرّة، من المستبعد أن تنفّذ القائمة العراقية تهديداتها وترفض التعاون مع حكومة جديدة. لقد تعلّم السنّة دروساً صعبة في الأعوام القليلة الماضية من الإقصاء الذي فرضوه هم على أنفسهم وحرمهم المشاركة في تشكيل الحكومة ووضع الدستور. لكن بعد سبعة أشهر من المفاوضات، فإنه ليس من المرجح ان العراقية لن تقبل أن تكون في المعارضة. وفي علامة على الحذر ، قال حسن العلوي من القائمة العراقية بعد تسمية المالكي إنّ العراقية تنوي مقاطعة حكومة يشكّلها المالكي، لكن لايمكنها اتّخاذ هذا القرار بالنيابة عن كل السنّة.

الأكراد صنّاع المَلِك من جديد؟


بات واضحاً الآن أن الأكراد سيحملون مجدداً مفتاح تشكيل الحكومة. ويحتاج أيّ مرشّح لرئاسة الوزراء إلى 163 صوتاً كي يفوز بالمنصب، ومن غير المحتمل أن ينال أيّ من المرشّحين ذلك العدد السحري من دون أصوات التحالف الكردستاني الثلاثة والأربعين.


صحيح أن التحالف الكردستاني يقيم علاقات وثيقة مع المجلس الأعلى الإسلامي العراقي وعلى الأرجح أنّه سيأخذ مواقفه في الحسبان، لكن غالب الظن أن الأكراد سيعتمدون في نهاية المطاف مقاربة براغماتية ويدعمون من يلبّي الحدّ الأدنى من مطالبهم. وأعلن مفاوض التحاف الكردستاني ونائب رئيس الوزراء السابق، روز نوري شاويس يوم 6 أكتوبر/تشرين الأول أنه على الرغم من انه لا يتوقع أن يكملت تشكيل الحكومة قبل نهاية السنة، ان الأكراد على وشك التوصل إلى اتفاق مع المالكي، ملمحا الى انه قد يضطر تشكيل حكومة أغلبية نيابية. وقد قدّمت الأحزاب الكردية لائحة من 19 مطلباً، بعضها قابل للتفاوض فيما البعض الآخر غير قابل للتفاوض.


وتتضمّن المطالب (التي وصفها بعض المراقبين بالمضنية) دعم مرشّحي التحالف الكردستاني لمنصبَي الرئيس وأمين عام مجلس الوزراء، وتطبيق المادة 140 من الدستور (التي تنصّ على إجراء إحصاء سكّاني واستفتاء في كركوك) ضمن فترة سنتَين، وإقرار قوانين المياه والنفط والغاز في غضون عام واحد. وتتضمّن اللائحة أيضاً المطالبة بمنح الأكراد حق فرض فيتو على المرشّحين للوزارات السيادية وأيّ وزارات أخرى تؤثّر في الإقليم الكردي.

تشكيلات محتملة


في مرحلة معيّنة، كان ينقص التحالف الوطني أربعة مقاعد فقط لتأمين الأصوات المئة والثلاثة والستّين الضرورية لتسمية رئيس وزراء في البرلمان. لكن بما أنّ المجلس الأعلى الإسلامي العراقي وحزب الفضيلة اختارا تحدّي المالكي بدلاً من دعمه، خسر الأخير 28 مقعداً من الجبهة الوطنية التي كانت موحَّدة من قبل، لكن قد تبقى حظوظه في تشكيل الحكومة مرتفعة مع حصوله على تأييد 89 صوتاً من ائتلاف دولة القانون و42 صوتاً من التحالف الوطني العراقي، أي ما مجموعه حوالى 131 صوتاً تظلّ دون عدد الأصوات التي كان ليحصل عليها قبل أسبوع من تسميته. واليوم يأمل المالكي في استعادة دعم حزب الفضيلة (7 مقاعد)، كما يتفاوض مع الكتلتَين السنّيتين الصغيرتين، التوافق وتحالف الوحدة الوطنية (10 مقاعد مجتمعَين). لكن المالكي الذي يبحث عن الدعم في مختلف الاتجاهات لن يتمكّن من نيل 163 صوتاً، اللهم إلا إذا حصلت تغيرات إعجازية في تصويت الأحزاب الأساسية الأخرى أو في التصويت الكردي.


إذا نشأ تكتّل بين المجلس الأعلى الإسلامي العراقي/تنظيم بدر وحزب الفضيلة والقائمة العراقية، فسوف تحصل القائمة (91 مقعداً) على تأييد النوّاب الثمانية والعشرين الذين ينتمون إلى المجلس الأعلى الإسلامي العراقي/بدر والفضيلة، لكنّ المجموع سيظلّ أقلّ بكثير من عدد الأصوات الضرورية أي 163. ولن يكون أمام ائتلاف مماثل من خيار سوى استمالة التصويت الكردي والتفاوض على المطالب الكردية التي من المحتّم أن يلقى بعضها معارضة شديدة من القوميين العرب داخل القائمة العراقية. لكن إذا قاد عبد المهدي الائتلاف في هذا السيناريو، سيشعر الأكراد  على الأرجح باطمئنان أكبر منه حيال ائتلاف يقوده علاوي أو المالكي، نظراً إلى الروابط التي تجمع عبد المهدي بالقيادة الكردية منذ عقود.


إذا حصل تكتّل من المجلس الأعلى الإسلامي العراقي/بدر والفضيلة والقائمة العراقية على دعم الأكراد، فسوف يحشد تأييد 162 نائباً، ويظلّ في حاجة إلى استمالة بعض المستقلّين من الائتلافات الأخرى. لن تكون مهمّة صعبة في ذاتها. فعلى الأرجح أن حركة غوران (التغيير) الكردية والأحزاب الإسلامية، وقد فازت الأولى بستّة مقاعد والثانية بثمانية مقاعد، سوف تنضمّ إلى التحالف الكردستاني على المستوى الوطني (فيما تستمرّ في المعارضة في كردستان). فضلاً عن ذلك، أظهر العديد من الائتلافات والأحزاب الصغيرة الأخرى مرونة بشأن الجهة التي سيدعمها.


القائمة العراقية والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي هما الآن في سباق مع الزمن للحصول على غالبية من 163 صوتاً في مجلس النواب قبل أن ينجح المالكي في ذلك. ويبدو عبد المهدي مصمِّماً على تولّي المنصب الذي يعتبر أنّ المالكي لا يصلح له. وعلاوي والمالكي هما شخصيتان مثيرتان للانقسام، لكن الأخير هو في موقع أفضل الآن نظراً إلى الدعم الإيراني له وإلى السلطة التي يملكها كونه رئيس الوزراء المنتهية ولايته. لكن لسوء حظ العراقيين، لايُنظَر إلي أيّ منهما بأنّه قوّة توحيد قادرة على إحلال الاستقرار والمصالحة الضروريَّين كي يتمكّن العراق من تأدية دور إقليمي فاعل.


دانيال أنس القيسي نائب رئيس تحرير نشرة الاصلاح العربي.