أصدر العاهل السعودي عبدالله أمراً ملكياً قضى بقصر إصدار الفتاوى على الفقهاء المرخص لهم رسمياً في خطوة جديدة تأتي في إطار عمل الدولة لفرض سيطرتها على المؤسسة الدينية في البلد. وقد أصبح الحق في إصدار الفتاوى محصوراً على رجال الدين المرتبطين بهيئة كبار العلماء بموجب الأمر الذي صدر في أغسطس/آب 2010. وقد تركّزت معظم التعليقات على الكلام عن محاولات يقوم بها الملك عبدالله لوضع اليد على هيئة كبار العلماء و"إصلاح" المؤسّسة الدينية. لكن الواقع أن هذه القيود موجودة منذ العام 2005 على الأقل لكنها لم تتبق. فالهدف من الأمر بيروقراطياً ومؤسَّسياً، على المؤسّسة الدينية.


كتب عبدالله في نصّ الأمر الذي أُرسِل إلى مفتي عام المملكة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ: "أداءً للواجب الشرعي والوطني، نرغب إلى سماحتكم قصر الفتوى على أعضاء هيئة كبار العلماء... ومن نأذن لهم بالفتوى". وتابع "يُستثنى من ذلك الفتاوى الخاصة الفردية غير المعلنة في أمور العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية، بشرط أن تكون خاصة بين السائل والمسؤول. على أن يُمنَع منعاً باتاً التطرّق إلى أي موضوع يدخل في مشمول شواذ الآراء ومفردات أهل العلم المرجوحة وأقوالهم المهجورة". واعتبر عبدالله أن قيام أشخاص غير أكفياء بإصدار فتاوى هو انتهاك للشريعة الإسلامية، وأن هذه الممارسات تقوّض مؤسّسات الدولة الرسمية وتتجاوز "حرمة الشرع". وطلب الأمر أيضاً من المفتي العام أن يرفع إلى الملك أسماء العلماء الذين يجدهم من أهل الكفاية لإصدار الفتاوى. هذا فيما أعرب عدد من الشخصيات المرموقة مثل وزير الشؤون الإسلامية الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ ورئيس مجلس القضاء الأعلى الشيخ صالح بن حميد، عن دعمهم للقيود الجديدة على إصدار الفتاوى.


يشار إلى أن هيئة كبار العلماء هي الهيئة الدينية الأعلى في المملكة، ويعيّن الملك كامل أعضائها. فالهيئة تعكس بكل وضوح مصالح الدولة وتصطف في معظم الأحيان إلى جانب السياسات التي تنتهجها هذه الأخيرة. وفي المرّات القليلة التي تختلف فيها آراء الهيئة عن رأي الدولة، يلتزم أعضاؤها الصمت. وكثيراً ما تستعمل الدولة هيئة كبار العلماء للموافقة على قراراتها بعد صدورها. وخلال التغيير الحكومي في فبراير/شباط 2009، زاد الملك عبدالله عدد أعضاء الهيئة إلى 21، ولأوّل مرّة في التاريخ السعودي، وسّع تركيبتها لتضمّ ممثّلين عن المدارس الأربع في الفكر الشرعي السنّي، وليس فقط المذهب الحنفي. لكن العديد من المراقبين أشاروا إلى أنه على الرغم من هذه التغييرات، تتشابه مواقف الأعضاء في هيئة كبار العلماء عندما يتعلق الأمر بالعقيدة. وترتبط بالهيئة عن كثب اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.


في الشهر الذي سبق صدور الأمر الملكي، أنشأت هيئة كبار العلماء لجنة جديدة للفتاوى تابعة للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء كي تتولّى الإشراف على الفتاوى، ومنع رجال الدين غير المأذون لهم من إصدارها. وقد أوردت صحيفة عكاظ السعودية أنّ اللجنة الجديدة فتحت مكاتب في مختلف أنحاء المملكة، وكُلِّفت تعيين علماء دين لتقويم شرعية الفتاوى. وعُيِّن الشيخ صالح بن محمد اللحيدان رئيساً لها. اللحيدان عضو في هيئة كبار العلماء، وكان يتوّلى رئاسة مجلس القضاء الأعلى حتى التغيير الحكومي في فبراير/شباط 2009. وقد استقطب الانتباه عالمياً عندما أصدر فتوى في سبتمبر/أيلول 2008 أجاز فيها إعدام مالكي القنوات التلفزيونية الفضائية التي تبثّ محتوى "غير أخلاقي".


عقب صدور الأمر الملكي، طلبت وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد من كل الأئمة والواعظين التقيّد بأحكامه وشرحه في خطب يوم الجمعة. وأعطت الوزارة أيضاً توجيهات لموظّفيها كي يتوقّفوا عن قبول طلبات إصدار الفتاوى. وأوردت صحيفة الوطن أنّ رئيس جامعة الإمام محمد سوف يتّخذ إجراءات صارمة بحقّ أي عضو في الهيئة التعليمية يخالف الأمر الملكي. وقد تعرّض بعض العلماء إلى اللتوبيخ العلني بسبب عدم التقيّد بالحظر، وبينهم الشيخ يوسف الأحمد الذي أكّد أنّ استخدام النساء ليعملن أمينات صندوق في المراكز التجارية هو انتهاك للشريعة الإسلامية.


منذ صدور الأمر الملكي، أُغلِق عدد من المنافذ التي كانت تُستعمَل لإصدار الفتاوى، مثل المواقع الإلكترونية والبرامج التي تتلقّى اتّصالات مباشرة من الناس عبر المحطّات الفضائية الدينية. وبعد أسابيع من المراقبة والرصد، اتّصلت هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات في السعودية بالمواقع الإلكترونية التي تنتهك الحظر ومنحتها فرصة أخيرة للتقيّد بأحكام الأمر الملكي. وفي مطلع سبتمبر/أيلول، حظرت هيئة الاتصالات ثلاثة مواقع إلكترونية بسبب عدم امتثالها لأمر منع الفتاوى. وقد بادر الشيخ سلمان العودة، الذي كان شخصيّة مثيرة للجدل من قبل لكنّه أصبح معتدلاً إلى حد كبير، إلى اتّخاذ خطوة استباقية وأغلق القسم المخصّص للفتاوى في موقعه الإلكتروني قبل أن تعمد الحكومة إلى حظره. وأوقِف أيضاً بثّ البرنامج الإذاعي "فتاوى على الهواء" الذي يقدّمه المستشار الرفيع المستوى في الديوان الملكي، الشيخ عبد المحسن العبيكان، كونه ليس عضواً في هيئة كبار العلماء.


لكن لم يُطبَّق حظر إصدار الفتاوى على كل رجال الدين غير المأذون لهم. ففيما مارس بعضهم رقابة ذاتية أو أُغلِقت المنافذ التي يطلّون عبرها، استمرّ الشيخ عبد الرحمن البرّاك في إصدار الفتاوى. والشيخ البراك هو صاحب الفتوى الشهيرة في فبراير/شباط 2010 بأنّه يجب إعدام مؤيّدي "الاختلاط بين الجنسَين" في السعودية إلا إذا تراجعوا عن معتقداتهم. وهو فقيه رفيع المستوى جداً يحظى باحترام واسع في أوساط المحافظين المتشدّدين الذين لايتولّون أي منصب رسمي في الحكومة. وعلى الرغم من اتّخاذ إجراءات للحدّ من التأثير الذي تمارسه آراؤه، إلا أنّه يتعذّرً على الحكومة وكلائها بذل مجهود أكبر لفرض رقابة عليه وذلك نظراً إلى استقلاليته ومكانته المرموقة.


وبنسبه للعلاقات بين الدولة والعلماء بشكل عام، خلافاً للاعتقاد السائد، نادراً ما تستشير الحكومة هيئة كبار العلماء خلال عملية المداولات. ففي معظم الأحيان، تفعل الحكومة ماتشاء، ثم تسعى للحصول على الموافقة بعد انقضاء الأمر. فشؤون السياسة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الدولية هي تقليدياً من اختصاص الدولة في حين أنّ المسائل المتعلّقة بالدين والمجتمع مثل العدالة والتعليم وشؤون العائلة تُرِكت للمؤسسة الدينية. ومؤخراً تعمل الدولة السعودية لاستعادة السيطرة على هذه المجالات.


ويختلف مستوى السيطرة التي تمارسها الدولة على الميادين الموضوعة تقليدياً في عهدة هيئة كبار العلماء بحسب درجة الأمان الذي تشعر به الحكومة. والقيود الأخيرة على إصدار الفتاوى ليست سوى المثل الأحدث عن تأكيد الدولة لسيطرتها. فخلال العامَين الماضيين، استبدلت الدولة كل المسؤولين الدينيين والقضائيين الكبار تقريباً من خلال التغيير الحكومي في فبراير/شباط 2009، وفتحت جامعة الملك عبدالله المختلطة للعلوم والتكنولوجيا، وأقالت عضواً في هيئة كبار العلماء من منصبه لأوّل مرة في التاريخ السعودي بسبب اختلافه في الرأي علناً مع السياسة الحكومية المعلَنة. سوف تستمرّ الدولة في بذل جهود لتأكيد سيطرتها على المؤسسة الدينية، فالمطلوب هو أن يشعر النظام بالأمان والثقة.

كريستوفر بوتشيك باحث في برنامج كارنيغي للشرق الأوسط.