في الأول من فبراير/شباط الجاري، كلّف الملك عبدالله الثاني الدكتور معروف البخيت بتشكيل حكومة جديدة بعد ان قبل استقالة حكومة السيد سمير الرفاعي. التغيير الحكومي في الاردن شأن معتاد، فالرئيس الجديد هو السابع على مدى العقد ونيف الماضي، ولكن التغيير هذه المرة استثنائي لانه يأتي في ظل ظروف اقليمية غير مستقرة وتداعيات مشهد سياسي اردني طالبت معظم قواه السياسية بإقالة الحكومة وتحسين الظروف المعيشية. مهمة الحكومة الجديدة الاساسية "الاصلاح السياسي الملموس"، ولكن الاصلاح المتوقع على الاغلب لن يحقق كل ما تطالب به المعارضة الاسلامية خاصة مطلبها في تعديل الدستور واعتماد مبدأ انتخاب رئيس الوزراء بدل من تعيينه. قرارات الحكومة الاصلاحية ستكون محكومة بهاجس استراتيجي اساسي وهو عبور المرحلة بهدوء وبما يضمن استمرار تحصن الاردن من تداعيات المشهد الاقليمي.

لم تجلب تشكيلة الحكومة الجديدة مفاجآت كثيرة. ففيما احتفظ ستّة وزراء فقط بحقائبهم وتتضمّن الحكومة المؤلّفة من 27 وزيراً بعض المعارضين، أُسنِدت الحقائب المهمة إلى أسماء معروفة مثل وزير الخارجية ناصر جودة ووزير المال محمد أبو حمور ووزير التخطيط جعفر حسان. كما تضم حكومة البخيت العضو السابق في الإخوان المسلمين، عبد الرحيم العكور (وزير الأوقاف والشؤون والمقدّسات الإسلامية)، ونقيب المحامين الأردنيين السابق حسين المجالي (وزير العدل)، والصحافيَّين طاهر العدوان (وزير الدولة لشؤون الإعلام والاتصال) وطارق مصاروة (وزير الثقافة). يمكن وصف الوزراء الجدد بأنهم محافظون اقتصادياً، لكن سبق أن صدرت عن بعضهم تصريحات تدعو إلى الإصلاح السياسي. وفي الإجمال، الحكومة أقل تكنوقراطية في تركيبتها من الحكومات التي سبقتها في الفترات الأخيرة.

رفض المعارضة الاسلامية (جماعة الاخوان المسلمين وذراعها السياسي حزب جبهة العمل الاسلامي) تعيين الرئيس الجديد ومطالبتها بشخصية نزيهة تتمتع بإجماع وطني لتقود المرحلة، يؤشر بوضوح على قناعتها بإمكانية الحصول على مطالب اصلاحية نوعية مستثمرة موجة الاحداث الاقليمية والظروف الاقتصادية الاردنية التي أدت لتنامي حاله من التذمر غير المسبوقة.

اصدار الاسلاميين احكام مسبقة على الرئيس يستند لتجربته الحكومية السابقة 2005-2007  حيث جاء في ظل ظرف امني صعب بعد تفجيرات فنادق عمان في نوفمبر/تشرين الثاني 2005 التي قامت بها مجموعة ابو مصعب الزرقاوي المرتبطة بالقاعدة، وقد نجح واستطاع تغيير العقيدة الامنية للاردن لتصبح "استباقية." لكن قدرات الرئيس المكلف الامنية والاستراتيجية الاستثنائية التي راكمها عبر تطور حياته المهنية والاكاديمية كجنرال واستاذ جامعي ومفاوض للسلام مع اسرائيل وسفير لدى تركيا وإسرائيل ومستشار امني قد لا تعني انه لن يكون اصلاحيا. لا يملك البخيت، استناداً لتجربته السابقة، رصيداً قوياً  في الإصلاح الاقتصادي والسياسي، وليس واضحاً بعد إذا كان سينفّذ إصلاحات كبيرة كان معارضاً لها في السابق
اقتصاديا.

الرئيس قريب لما يعرف بمنهج اقتصاد السوق الاجتماعي (Social Market Economy) الذي اشتهر بعدد من الدول الاوروبية خاصة الاسكندنافية والمانيا، وهو منهج رأسمالي يقبل ويؤمن بإقتصاد السوق التنافسي المنفتح، ولكنه بذات الوقت منتبه وحساس للتداعيات والصعوبات التي قد يرتبها ذلك على فئات اجتماعية ضعيفة اقتصاديا ويدعو لدور للدولة في رعاية هذه الفئات. بهذا المعنى فالرئيس البخيت يقف في وسط المسافة الايديولوجية بين من ارادوا الدفع بقوة ليتبنى الاقتصاد الاردني سياسات انفتاحية شاملة مفترضة ان المجتمع سيتأقلم معها، وبين الفئة التقليدية التي تؤمن بضرورة استمرار دور كبير للدولة في الاقتصاد لان ذلك يحافظ على الطبقة الوسطى ويعزز الامن والاستقرار. المراقبون يعتقدون ان انتماء الرئيس للطبقة الوسطى أثرّ في بلورة رؤيته الاقتصادية هذه، ما يتوقع ان يكون من اهم اسباب قبوله لدى قطاعات واسعة من الرأي العام خاصة لدى المعارضة العفوية غير المنظمة التي تعاظمت مؤخرا بسبب الاوضاع الاقتصادية الصعبة.

اما اصلاحيا، فتجربة الرجل مثيرة ومن الانصاف القول ان هذه ليست بالضرورة صفة سياسية بارزة له. لكن في عهد حكومته السابقة، تم اصدار قانون الانتخابات البلدية الذي منح النساء كوتا بمقدار 20% واوقف تعيين نصف أعضاء المجالس البلدية الذي كان معمولا به في قانون البلديات السابق. القانون حظي بثناء القوى السياسية الاردنية. لكن وبالرغم من النجاح في اصدار قانون متقدم، فإن الانتخابات البلدية التي عقدت في صيف 2007 كانت غير نزيهة وبشكل غير مسبوق منذ اعادة اطلاق الحياة البرلمانية في العام 1989 ما دعى الحركة الاسلامية للانسحاب من الانتخابات بعد ثلاث ساعات من بدئها.

انسحاب الاسلاميين من الانتخابات البلدية لم يثنِ البخيت عن محاولة ادماجهم مرة اخرى وقد نجح في اقناعهم بالمشاركة بالانتخابات البرلمانية التي عقدت بعد ثلاثة اشهر من الانتخابات البلدية بعد عدد من اللقاءات بين قيادات الاسلاميين والسيد البخيت تم التأكيد من خلالها على ان الانتخابات البرلمانية ستكون نزيهة ولن تكون كالبلدية. اصرار البخيت على مشاركة الاخوان كان رغبته ان تكون الانتخابات ذات مصداقية وتنطوي على درجة تنافسية تكسبها قبولا دوليا. وافق الاسلاميون على المشاركة بالانتخابات البلدية ما سجل نجاحا للبخيت.

الا ان الانتخابات البرلمانية للعام 2007 كانت ايضا غير نزيهة ما بات حقيقة متداولة لدى الرأي العام الاردني وحتى صناع القرار، وقد حمّل الاسلاميون مسؤولية ذلك  لحكومة البخيت التي وعدت بإنتخابات نزيهة، رغم معرفتهم -كما ومعظم النخبة السياسية- ان حكومة البخيت لم تستطع التأثير آنذاك بالادارة الفنية للعملية الانتخابية لاسباب عدم الانسجام والتعاون معها.

منذ استقالة حكومته الاولى وحتى تشكيل الثانية، تحدث الرئيس البخيت عن رؤيته الاصلاحية السياسية في عدد من المحاضرات والندوات وقد كانت هذه الرؤيا تتمحور في ان يتم تبني برنامج اصلاح سياسي يمتد على مدى ثلاثين عاما يصل بعدها الاردن لحالة تنموية سياسية ديمقراطية متقدمة. هذه الرؤيا لا تبدو منسجمة مع التاكيد الملكي بضرورة الاصلاح الفوري الذي يتجاوز مجرد "زيادة مشاركة المواطنين في صناعة القرار." رؤيا البخيت تلك لا تنسجم ايضا مع التداعيات الاقليمية الاستثنائية، لذلك فمن المتوقع ان يقوم بتطويرها لتستجيب لهذه العوامل، والارجح انه سيتبنى خطوات اصلاحية ملموسه لن تمثل كل ما تطالب به المعارضة الاسلامية، ولكنها تبقى متقدمة عما يمكن توقعه من اي حكومة اردنية لو ترك لها خيار الاصلاح السياسي.

الاصلاحات السياسية المتوقعة ستركز على الارجح على تحديد الدوائر الانتخابية الفرعية جغرافيا، واعطاء مزيد من الاستقلال والنزاهة لادارة العملية الانتخابية، وربما ادخال كوتا تمثيل نسبي للاحزاب بهدف زيادة تمثيلها في البرلمان (وهي خطوة عارضها البرلمان سابقاً). لن تتم الاستجابة غالبا لمطلب تعديل الدستور بإن يصبح رئيس الوزراء منتخباً، ليس فقط لان المشهد السياسي الاردني غير مهيأ لمثل هذه القفزة الاصلاحية الكبيرة، ولكن لان الدستور الحالي يسمح للبرلمان بإسقاط اي حكومة من خلال "التصويت بالثقة" عليها سواء كانت معينة ام منتخبة. 

في المحصلة النهائية، يمكن قراءة التغيير الحكومي الذي قام به الملك على انه خطوة تفاعل ايجابي مع مطالب المعارضة المنظمة والعفوية. لكن يبقى أن يرى كيف سيضع البخيت توجيهات الملك موضع التطبيق. وتعيينه هو أيضاً مؤشر واضح على تبني منهج "الاصلاح الاستباقي" في ضوء الاحداث الاقليمية الجارية، رغم الاختلاف الجوهري والبنيوي بين الحالة الاردنية ومعظم الدول التي تتعرض لموجات من المطالب الاصلاحية. الاردن مختلف لانه حافظ تاريخيا على درجة من الحرية واحترام حقوق الانسان، ولان الملك يحظى بإجماع كافة القوى السياسية بما في ذلك الاسلاميون.

الدكتور محمد حسين المومني استاذ مشارك في قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك في الأردن.