يُقدِّم التصويت المؤيِّد للتعديلات الدستورية في مصر في 19 مارس/آذار جرعة زخم قويّة للعملية الانتقالية التي يقودها الجيش وما يرافقها من جدول انتخابي حافل بالمواعيد. فقد كانت نسبة الإقبال كبيرة بحسب المعايير المصرية – 41 في المئة من الناخبين المؤهَّلين، أي ما لا يقل عن ضعف نسبة الإقبال في أي انتخابات وطنية أو استفتاءات سابقة – وكان النصر ساحقاً مع تأييد 77 في المئة من الناخبين للتعديلات الدستورية. وأكثر من ذلك، استقطب معارضو التعديلات عدداً كافياً من الأصوات بما يجعل النتيجة مغايرة للانتصارات الكاسحة والمتوقَّعة التي كانت سائدة في ظل النظام السلطوي. من اعترضوا على مضمون التعديلات و – بقوّة أكبر – على الآلية التي استُخدِمت في صوغها وعلى النتائج السياسية المترتِّبة عنها ساقوا حججاً قويّة، وشنّوا حملة ناشطة، ثم خسروا. وهكذا، غالب الظن أن العملية الانتقالية في مصر ستندفع نحو الأمام. ما هي الخطوات التالية؟ المسار الأساسي الذي يجب أن تسلكه الأحداث واضح، لكن المجلس الأعلى للقوّات المسلّحة لم يكشف عن الكثير من التفاصيل. كما أنه لم يتشاطر جدّياً سلطة اتّخاذ القرارات بشأن تسلسل الأحداث والقواعد المرعيّة الإجراء.

إعلان دستوري
دخلت المواد المعدَّلة – ومعظمها يتعلّق بتنظيم الانتخابات الرئاسية والتشريعية – حيّز التنفيذ. بيد أن المواد الأخرى في الدستور المصري لا تزال معلَّقة. قال حكّام مصر العسكريون إنهم سيصدرون قريباً جداً إعلاناً يوضحون فيه كيف ستُمارَس السلطة خلال انتخاب مجلس الشعب والرئيس؛ وما هي أحكام دستور 1971 التي ستوضع موضع التنفيذ من جديد، وماذا سيكون دورهم.

إجراء تغييرات في قوانين الأحزاب السياسية والنظام الانتخابي؟
هذا وقد عمدت اللجنة التي صاغت التعديلات إلى إعداد تعديلات لقوانين عدّة كي تنسجم مع الأحكام الجديدة، بيد أن الإعلان عنها أُرجِئ إلى ما بعد الاستفتاء. من المرتقب أن يُصدر المجلس الأعلى للقوات المسلّحة هذه القوانين بموجب مرسوم، وتهدف على الأرجح إلى جعل الانتخابات أكثر حرّية ونزاهة. وقد أشار المجلس إلى أنه سيُغيّر أيضاً قانون الأحزاب السياسية بما يؤدّي إلى تسهيل إجراءات تسجيل الأحزاب الجديدة؛ والإخوان المسلمون هم من التنظيمات الكثيرة التي يُتوقَّع أن تُفيد من هذا التغيير. وقد ينتقل المجلس الأعلى للقوات المسلّحة أيضاً من النظام الانتخابي الحالي القائم على الدائرة الفردية إلى نظام التمثيل النسبي حيث يُوزَّع جزء من المقاعد على الأقل بحسب حصّة الحزب في مجموع الأصوات على صعيد البلاد بدلاً من منح المقاعد كافّة للمرشّحين الفائزين في كل دائرة انتخابية. لكن المجلس الأعلى لم يكشف إذا كان يُخطّط فعلاً لمثل هذه الخطوة.

توقيت الانتخابات التشريعية
أعلن المجلس الأعلى للقوات المسلّحة أن الانتخابات التشريعية ستُجرى قبل الانتخابات الرئاسية؛ والأسبوع الماضي شدّد أحد أعضائه على أنه من شأن المحاولات الهادفة إلى الحصول على انتخاب الرئيس أولاً (قال البعض إنه من المفضَّل انتخاب الرئيس أولاً لأن الانتخابات التشريعية أكثر تعقيداً بكثير من الانتخابات الرئاسية) أن تُنتِج بكل بساطة ديكتاتوراً آخر. لكن الجنرالات لمّحوا أيضاً إلى أنهم قد يرجئون الانتخابات البرلمانية من مايو/أيار أو يونيو/حزيران (بحسب الموعد الذي حدّدوه لها في البداية) إلى سبتمبر/أيلول. ويأتي هذا على الأرجح تجاوباً مع القائلين بأن المنظومة الحزبية في مصر ليست منظَّمة بما يكفي لإجراء الانتخابات في غضون شهرَين أو ثلاثة أشهر.

الانتخابات الرئاسية
أشار المجلس الأعلى للقوات المسلّحة في البداية إلى أنه قد يُجري الانتخابات الرئاسية في أواخر الصيف أو مطلع الخريف؛ أما إذا أرجئت الانتخابات التشريعية إلى سبتمبر/أيلول، فقد تؤجَّل الانتخابات الرئاسية إلى أواخر العام.

بموجب إجراءات الترشيح الجديدة المنصوص عنها في التعديلات الدستورية، يستطيع الحزب الذي يفوز بمقعد واحد على الأقل في الانتخابات التشريعية المقبلة أن يُقدِّم مرشّحاً للرئاسة. (إذا تمكّن الإخوان المسلمون من تشكيل حزب وفازوا بمقاعد في مجلس الشعب، لن يُرشّحوا أحداً للرئاسة هذه المرّة كما قالوا، لكن من الممكن أن يُلقوا بثقلهم خلف أحد المرشّحين). ويمكن أن يترشّح مستقلّون للانتخابات الرئاسية إما عبر الحصول على تأييد عدد من النوّاب أو جمع تواقيع (30000) من الناخبين المؤهَّلين.

وقد أعلن بعض الأشخاص عن نيّتهم الترشّح للانتخابات الرئاسية أبرزهم:

  • عمرو موسى، وزير الخارجية الأسبق وأمين عام الجامعة العربية. يتمتّع موسى بالشعبية لمواقفه القومية العربية، لكن سيكون عليه تجاوز ارتباطه بالنظام القديم، الأمر الذي يشكّل منذ الآن عقبة أساسية في حملته.
  • محمد البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرّية وحائز على جائزة نوبل. يحظى البرادعي بالاحترام لتعبيره عن مواقف سياسية ليبرالية واضحة ولتحلّيه بالشجاعة في انتقاد نظام مبارك علناً، لكن عليه تخطّي النظرة السائدة عنه التي تعتبره صاحب أسلوب متحفِّظ ويُفرِط في مخاطبة العقل بدلاً من الوجدان. فضلاً عن ذلك، يشتكي مصريون كثر من أنه أمضى (ولا يزال يمضي) وقتاً طويلاً جداً في الخارج مما يجعله غير مناسب للترشّح للرئاسة.
  • هشام البسطويسي، وهو قائد مجموعة من القضاة الذين تحدّوا نظام مبارك خلال العقد المنصرم. يحظى البسطويسي، على غرار البرادعي، باحترام واسع، لكنه لا يبدو سياسياً بالفطرة.
  • أيمن نور، مؤسّس حزب الغد. حلّ نور في المرتبة الثانية بفارق كبير عن الرئيس حسني مبارك في انتخابات 2005، وأمضى الأعوام الأربعة اللاحقة في السجن على خلفية تهم ذات دوافع سياسية. يشتهر نور بأنه سياسي بالفطرة، وبأنه يُتقن شنّ الحملات الانتخابية، ويحظى بالإعجاب لمعارضته الصلبة لمبارك، لكنّه لا يتمتّع بسمعة وطنية بقدر موسى والبرادعي.
  • حمدين صباحي، مؤسّس حزب الكرامة الذي انفصل عن الحزب الناصري ويسعى منذ وقت طويل للحصول على ترخيص رسمي. على غرار نور، صباحي هو منظِّم مهم في صفوف المعارضة، وسياسي موهوب، لكنه أقل شعبية من المرشّحين الآخرين.

وضع دستور جديد
بعد انتخاب مجلس الشعب والرئيس، يجيز الدستور المؤقّت (لا بل يفرض بحسب قراءة يُصادق عليها عضو في المجلس الأعلى للقوات المسلحة) اختيار جمعية تأسيسية لوضع مسوّدة دستور جديد. صحيح أن معارضي التعديلات الدستورية أرادوها أن تكون الخطوة الأولى وليس الأخيرة، لكنهم سيحقّقون في نهاية المطاف رغبتهم ويحصلون على دستور جديد بالكامل.
 

نايثان ج. براون أستاذ علوم سياسية وعلاقات دولية في جامعة جورج واشنطن وباحث أول غير مقيم في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.