إحراق كنيستين ومقتل 12 شخصاً في الصدامات الطائفية الأخيرة في منطقة إمبابة في الجيزة يدل على أن  مصر تقف على فوّهة بركان. ويظهر حالياً ان الإرادة السياسية لمعالجة جذوره البنيوية غير متوفرة، ولا توجد الرغبة الجماعية لدى الشعب لتسمية الأمور على حقيقتها. فما يجري ليس بتحريض من أيادٍ أجنبية، ولا هو من صنع أفول الحزب الحاكم السابق بحت، ولا مجرّد عارض من عوارض فلتان أمني أوسع نطاقاً وأكثر شمولاً. بل إنها أزمة القيم المعيارية السائدة في المجتمع، القيم المتجذّرة التي تتيح حشد التحرّك السياسي عبر التستر وراء الدفاع عن الدين.

جاء رد القيادة العسكرية في مصر على أحداث 7 مايو الجاري بشكل اعتقالات طالت حوالي 190 شخص والوعد بتحويلهم الى محاكم عسكرية، ما أثار انتقادات من جمعيات حقوقية مصرية. حادثة إمبابة ليست الا الأجدد في سلسلة من الأزمات بين المسلمين والأقباط. بعض الحوادث لم تتضمن عنف أو عراك ولكنها أيضاً تظهر عمق المشكلة، ومن ضمن هذه الحوادث الأزمة الجارية في محافظة قنا في صعيد مصر وجنوبها.

توقّفت الحياة عملياً في محافظة قنا طوال عشرة أيام إثر تعيين عماد ميخائيل، وهو قبطي ولواء في جهاز أمن الدولة، محافظاً في 14 أبريل/نيسان. فقد شلّ سكّان المحافظة حركة السكّة الحديد ونظّموا تظاهرات حاشدة مطالبين باستقالته، ولم تتوقّف التظاهرات، ولو أنّها انحسرت، عقب الإعلان في 26 أبريل/نيسان عن تجميد تعيينه لمدّة ثلاثة أشهر وتكليف اللواء ماجد عبد الكريم والذي هو مسلم الاضطلاع بمسؤوليات المحافظ. وقد استمرّ المحتجّون في المطالبة باستقالة ميخائيل وتعيين محافظ مسلم، ورفعوا مطالبهم هذه خلال زيارة قام بها رئيس الوزراء عصام شرف إلى المحافظة في الثالث من مايو/أيار. لقد كشفت المواجهة المستمرّة النقاب عن التصدّعات في العلاقات بين الدولة والمواطنين،  وكذلك عن المعارك الأيديولوجية والسياسية الأوسع في صفوف القوى التي تتنافس على النفوذ في مصر الجديدة.

تاريخ مؤلم

أثار تعيين ميخائيل احتجاجات في البداية نظراً إلى ارتباطه بنظام الرئيس السابق حسني مبارك. فقد كان ميخائيل نائب رئيس جهاز الأمن المركزي في الجيزة، وكان مسؤولاً عن أعمال العنف ضدّ المتظاهرين خلال الانتفاضة التي بدأت في 25 يناير/كانون الثاني. بعد ثلاثة أيام من اندلاع الاحتجاجات على تعيين ميخائيل، أرسل رئيس الوزراء عصام شرف وزير الداخلية منصور العيساوي (من محافظة قنا) ووزير التنمية المحلية اللواء محسن النعماني للاستماع إلى شكوى السكّان. يعيدنا تكليف لوائين من الأجهزة الأمنية القيام بالوساطة بين الحكومة والناس في قنا، بالذاكرة إلى أسلوب النظام القديم في التعامل مع القضايا السياسية على أنها قضايا أمنية.

لم يسفر الاجتماع عن أي حل، وعلى الرغم من أن ميخائيل قدّم استقالته، رفض نائب رئيس الوزراء يحيى الجمل قبولها. فزاد المعتصمون الضغوط عبر التلويح بقطع إمدادات المياه من قنا إلى محافظة البحر الأحمر، وقطع الكهرباء عن مصانع معالجة السكّر؛ وهدّد البعض أيضاً باغتيال ميخائيل.

عبّر معظم المعلّقين في وسائل الإعلام عن تعاطفهم مع موقف أبناء قنا، واعتبروا الحادثة جزءاً من الإهمال والإقصاء للذين تمارسهما الحكومة المركزية. وقد كتب الروائي المعروف علاء الأسواني "كانت الرسالة التي يوجّهها [نائب رئيس الوزراء] الجمل إلى أهل قنا تقول بوضوح: إن رأيكم بلا قيمة وبلا تأثير".

ائتلاف المؤمنين

لكن قراءة الأحداث في قنا بأنها دليل واضح عن تجاهل الحكومة المتعنِّتة للمواطنين المطالبين بحاكمية ديمقراطية تنطوي على إغفال للأجندات التي تقف خلف الاحتجاجات. فقد شاركت في اعتصامات قنا مجموعة معقَّدة من الفاعلين: زعماء القبائل، والسلفيين، والإخوان المسلمين، وقادة من الحزب الوطني الديمقراطي المنحل، وضباط من جهاز مباحث أمن الدولة الذي جرى تفكيكه والذين ساعدوا، بحسب بعض التقارير، على تعطيل السكك الحديد. ولم يكن الهدف الجامع بينهم تعيين محافظ يحترم حقوق الإنسان بل محافظ مسلم.

كان سلف ميخائيل في منصب المحافظ، مجدي أيوب، مسيحياً أيضاً. وكان مسيحيو قنا يكرهونه إذ كان يُعتبَر بأنه يمارس التمييز ضد أبناء دينه في محاولة منه لتوليد انطباع بأنه ليس متحيّزاً لطائفته. وخلال ولايته، شهدت مصر واحداً من أكثر الهجمات الطائفية دمويةً عندما أُطلِقت النيران على أقباط يغادرون الكنيسة عشيّة عيد الميلاد القبطي في نجع حمادي في محافظة قنا في يناير/كانون الثاني 2010.

أظهرت التعبئة السريعة للاحتجاجات عقب تعيين ميخائيل دور التيّارات السياسية في إضفاء طابع مذهبي على المعارضة. فوفقاً لتقارير صحافية، تحوّلت مساجد قنا منابر للإخوان المسلمين والسلفيين يدعون من خلالها أبناء قنا إلى رفض تعيين محافظ مسيحي لأنه لا يجوز أن تكون هناك ولاية لغير مسلم على مسلم. ومن أبرز الشعارات التي رُفِعت في الاحتجاجات العامة في قنا "إسلامية، إسلامية، لا مسيحية ولا يهودية"، "ارفع رأسك فوق، أنت مسلم"، "لا إله إلا الله، الناصري عدو الله"، "السلفيون والإخوان المسلمون يداً واحدة ضد المحافظ المسيحي"!

فيما يركّز معلّقون بارزون على غرار فهمي هنيدي على النزاعات داخل المجموعات الإسلامية المختلفة وفي ما بينها، أظهرت أزمة قنا أن هذه المجموعات تستطيع في بعض الحالات أن تعمل معاً من أجل هدف مشترك، وهذا ما تفعله. فقد وضع الإخوان المسلمون والجماعة الإسلامية والسلفيون مكبّرات صوت أمام عاصمة المحافظة وهدّدوا بحمل السلاح جماعياً إذا لم تستجب الحكومة المركزية لمطالبهم وتعيّن محافظاً مسلماً. وأشار المعلّق السياسي ضياء رشوان إلى أن المسيحيين كانوا من أوائل المعترضين على تعيين ميخائيل معتبراً أنه دليل على أن المشاعر الطائفية ليست الدافع وراء الاحتجاجات. بيد أن التأثير السياسي للسلفيين وقوى إسلامية أخرى كان واضحاً منذ الأيام الأولى للاحتجاجات عندما زار وزير الداخلية ووزير التنمية المحلية محافظة قنا والتقيا في شكل أساسي ممثلّين عن السلفيين. لعلّ الدليل الأبرز على الطابع الطائفي وليس السياسي للأزمة يكمن في البيان الصادر عن المحتجّين رداً على قرار تجميد تعيين ميخائيل، والذي اعتبروا فيه أن عصيانهم المدني مشروع لأنه ينطلق من مطالب مشروعة فهم لا يريدون أن "تكون قنا كوتة للأقباط".

تسلّط أزمة قنا وأحداث إمبابة الضوء على المعضلات الصعبة التي تواجهها الحكومة الانتقالية في مصر إذا استمرّ السلفيون والجماعة الإسلامية والإخوان المسلمون وقوى  أخرى في النمو عبر استخدام قوّة التعبئة التي يتمتّع بها الدين. وتطرح أيضاً السؤال حول الطريقة التي ستتصرّف بها الحكومة إذا دعت أكثرية ديمقراطية في المستقبل إلى تبنّي قيماً ومبادئ غير ليبرالية أو حتى غير ديمقراطية.

ماريز تادروس زميلة في معهد الدراسات الإنمائية في جامعة ساسكس، كتبت العديد من المقالات عن الطائفية في مصر.