ما هي الخطوات اللازمة  نحو إصلاح قطاع الأمن في مصر جراء تحولها نحو الديمقراطية؟

طبعا  التحول الديمقراطي يجعل مصر دولة ديمقراطية، ومعنى ذلك أن للشعب رأي مهم جدا في كل التغييرات الموجودة، وبالتالي أعتقد فيما يتصل بالقطاع الأمني أنه يؤثر بشكل كبير جدا على التنمية والحياة بشكل عام، فهو لاشك يجب أن يتم  تطويره في إطار شعبي ، بمعنى أن يكون الشعب راضيا تماما عن الأجهزة الأمنية  التي قد يكون تاريخها في بعض الحالات سيئا في الماضي، وبالتالي أعتقد انه لذلك لابد أن يحدث فيها نوع من التغيير الكبير جدا الذي يمكن أن يرضي الشعب بالنسبة لهذه الأجهزة.

كيف تختلف الإصلاحات  اللازمة في قطاع الجيش عن تلك اللازمة بقطاع الأمن الداخلي؟

هناك أشياء مشتركة بين قطاع الأمن الداخلي وقطاع الجيش، في الحالتين يجب أن تكون هذه الأجهزة على درجة عالية من الحرفية، وأن تكون حديثة بمعنى أن تتعامل مع التحديات التي  تقابلها كل يوم بطرق متقدمة وليس بطرق عتيقة كانت تستخدم من قبل.  وعموما فإن لكل قطاع طبيعته ووظيفته، بالنسبة للجيش فوظيفته الأساسية هي حماية مصر من التهديدات الخارجية، وبالنسبة للقطاع الداخلي أو الأمن الداخلي فتتولاه عادة وزارة االداخلية مع بعض المؤسسات الأخرى أيضا لها طابع داخلي، ولكن في الحالتين لاشك أن هناك نوعا من التنسيق المشترك ما بين الداخل والخارج. هناك تحديات عالية جدا في بعض القطاعات. في مصر الأمن الداخلي يمثل القطاع المهم . قطاع الأمن الخارجي الآن أقل أهمية عما كان عليه من قبل. كانت هناك تحديات خارجية ولكن مصر انتهت منها وخرجت منها بطريقة سليمة. ولكن التحدي الآن هو التحدي الداخلي وإذن فإن الأمن يجب أن يستقر في مصر ليعطي نوعا من المناخ المشجع على العمل والثقة في النظام الحاكم الموجود، وأيضا أن يؤدي إلى تنمية مستدامة تصل بالشعب إلى مستويات رخاء لابد أن يصل إليها.  في مصر أعداد كبيرة جدا من الناس، عدد ضخم من السكان يحتاج لأشياء معتمدة على التنمية والاستثمار وبدون الأمن الداخلي سيكون صعبا جدا أن يتحقق الاستثمار بالمعدلات المطلوبة.

في شهر مارس  نفذت هجمات من قبل متظاهرين على مكاتب أمن الدولة، وبعد ذلك أعلن تغيير  مسمى قطاع امن الدولة إلى الأمن الوطني. هل هناك تغيير حقيقي في أمن الدولة أو هو نفس القطاع ولكن بإسم آخر؟

أعتقد ان التغيير ليس في الاسم فقط ولكن سيكون أيضا في المحتوى. هذاالقطاع كان يطلق عليه قطاع مباحث امن الدولة، وكلمة مباحث لها علاقة بالاستجواب، استجواب الخارجين على القانون. وعملية الاستجواب هذه لم تتم  بطريقة تحترم العوامل الانسانية وحقوق الإنسان، كما كان يحدث في الماضي إذ كانت هذه المسائل لم تكن محترمة بالشكل الكافي. وإذن فكلمة مباحث هنا متصلة بعملية استجواب وهي متصلة في بعض الأحيان بأعمال قاسية جدا ضد المستجوب، وبالتالي كانت تحدث انتهاكات لحقوق الإنسان، والمستويات المعترف بها عالميا. وبالتالي فإن تغيير الاسم وجعله الأمن الوطني، تحوله من عملية استجواب، عملية استخراج معلومات  إلى عملية أمن شامل للوطن.  وبالتالي أصبح المعنى أوسع قليلا مما كان عليه من قبل. ولكن في نفس الوقت يعطي انطباعا أنه سيتم في إطار الأمن العام كله وسيحترم في المستقبل أولا القانون وثانيا حقوق الإنسان بالنسبة للأفراد الذين سيصبحون موضوع هذا الجهاز.

هل من الضروري ايضا إصلاح الشرطة العادية في مصر؟

الأمن الجنائي موضوع داخلي يتصل بالتعامل مع الجرائم التي تحدث كل يوم، المشكلة التي تعترض هذا الموضوع هي أنه كان عادة يتم  بشكل غير قانوني في بعض الأحيان، فيما يتعلق بطرق التعامل مع المتهمين. أعتقد في المستقبل سيتم تغيير هذا النمط من التعامل لأنه لايمكن أن نقول بأن شخص ما مجرم إلا إذا ثبت ذلك في التحقيقات الموجودة. عمليات التعامل يجب ان تكون إنسانية. وعندما يتم الحكم على المتهمين مثلا بفترة يقضونها في السجن، فيجب أن تكون السجون تحت رقابة وزارة العدل وليس وزارة الداخلية، وفي نفس الوقت تكون تحت نظر كل المؤسسات المتعلقة بحقوق الإنسان، بمعنى أن تكون جاهزة للتفتيش في أي لحظة. وان تطبق المعايير المقبولة على المستوى الإنساني. أتصور أن هذا الاتجاه سيكون لمجلس الشعب دور فيه، وكذلك لوزارة العدل،  والمجتمع المدني، والذي سيكون له الحق في التفتيش على السجون وكيفية إدراتها والتعامل مع المتهمين العاديين.

ما وراء المشاكل الأمنية الحالية في مصر خاصة المشاكل الطائفية؟ هل هي من عمل ثورة مضادة، أم أنها تشير الى قضايا جذرية في المجتمع المصري؟

لست ممن يعتقدون بأن هناك أسباب متصلة بما حدث في الفترة الأخيرة، مثل  ضلوع فلول الحزب الوطني، وكل هذه الأشياء، ربما يكون لها تأثير ولكني لا أعتقد أنها هي السبب الرئيسي. السبب الرئيسي هو أن هذه النوعية من الاحتكاكات التي حدثت بين المسلمين والأقباط كانت موجودة منذ فترة طويلة قبل الثورة، وربما كانت تحدث باستمرار خلال السنوات الخمسين الماضية، هذا يعكس أن هناك مشكلة مجتمعية. وهذا يدفعنا للبحث عن وسيلة حول كيفية إدارة المجتمع نفسه بطريقة سلمية لاتؤدي إلى الصدام بين الطوائف المختلفة الموجودة فيه.

للأقباط حقوق يجب أن تحترم، ويجب أن يعاملوا بوصفهم مواطنين وليس باعتبارهم أقباطا. الدستور يجب أن يؤكد على ذلك. أن تكون المواطنة هي الأساس وليس الدين. أتصور أن هناك مشاكل يجب أن تحل بسرعة، لكن إلى أن يوضع دستور جديد للدولة يجب التأكيد على أن المواطنة هي الأساس  للتعامل مع الإنسان وليس دينه. وهي في نفس الوقت تعطي نفس الفرص للأقباط والمسلمين، وكل إنسان موجود على أرض مصر. لابد أن يكون هناك نوع من المساواة. والمشاكل التي تحدث الآن لابد أن تكون هناك آلية لحلها، إما عن طريق الدولة وإنا عن طريق الناس أنفسهم بأسلوب معين. بعض المشاكل يجب أن تحل بطريقة جماهيرية وليس بطرق رسمية دائما.

الآن تحدث محاولات من هذا النوع، ولكن لم يحدث بعد بناء إطار متماسك لها، نحن نرى كل فترة مشكلات تكرر هي مشاكل من نفس النوع وتظل بدون علاج يؤدي إلى إنهائها تماما. الأقباط يجب أن يحصلوا على نفس الحقوق من ناحية الحكم  وناحية فرص العمل،  ومن حيث فرصهم في النظام السياسي العام لابد أن تكون لهم أحزاب خاصة، وإن كنت لست متحمسا لقيام الأحزاب على أساس ديني. ارى أنه لايجب أن تقوم هذه الأحزاب على أساس قبطي قح، ولا على اساس إسلامي قح. يجب أن تكون شعبية بشكل عام. يعني أن على المسلمين والأقباط احترام الدين في المواضيع السياسية ولكن في نفس الوقت لايكون أساس للعملية السياسية في مصر.

كيف ستتطور العلاقات في المستقبل بين حكومة منتخبة  وقطاع الأمن؟ وهل الإشراف المدني على قطاع الأمن ومنه الجيش ، هل هو ممكن في مصر؟

عملية الإشراف المدني عملية حتمية بالنسبة لقطاع الأمن، فهو قطاع يتميز عن غيره من القطاعات بأنه يحمل السلاح في يده. وربما لاتحمل القطاعات الأخرى السلاح في يدها. ولكن قطاع الأمن يحمل السلاح، وبالتالي فإن تصرفاته يجب أن تحكم بواسطة الشعب والدولة بشكل عام، لذلك يجب أن يتم ذلك تحت رقابة شعبية ورقابة رسمية بواسطة الحكومة الموجودة. أي خروج على ذلك يعتبر خروج عن الدستور، وربما يؤدي إلى نتائج غير مقبولة بالكامل. من قبل كانت هناك لجنة في البرلمان تشرف على القطاعات الأمنية  من خلال مجلس الشعب، هذه اللجنة لم تكن تقوم بدورها الحقيقي، يعني كانت تجتمع مرة في العام ولوقت قصير جدا، وينتهي الأمر، ولم يكن بها خبراء كافين للتعامل مع الأجهزة الأمنية وتقييم أدائها. ويمكن أن نقول أيضا ان وسائل الإعلام تتعامل  مع هذا الموضوع بحساسية عالية جدا وبالتالي لايوجد في إطارها قدرة على نقد الأشياء السيئة أو المكافأة على الأشياء الجيدة.

وغذن كل هذه الأمورمجتمعة تؤكد أن نظام المراقبة ونظام السيطرة على هذه الأجهزة لا بد أن يحدث فيها بشكل شامل في المستقبل. وان يتم على مستوى البرلمان، مجلس الشعب بصورة جدية جدا. وأن يكون من حق مجلس الشعب أن يتحدث ويناقش وزير الدفاع، ووزير الداخلية، أو من هو مسؤول عن أجهزة المخابرات في الدولة. سواء كانت مخابرات تهتم بالشأن الخارجي أو مخابرات تهتم بالشأن الداخلي.، هذا أسلوب لابد أن يتم دعمه وأن يتم التأكيد على استمراره في المستقبل بنفس الاتجاه.

لقد ذكرت دور الإعلام والصحافة، الثقافة والفن أيضا يجب أن يكون لهما دور في مراقبة مثل هذه الأشياء، يمكن خلال السنوات الماضية كان للفن دور في هذا الموضوع مثلا كان المسرح والسينما ينتقدان بطريقة خفية والناس يفهمون، ولكن لم تحدث ترجمة تصحيحية لما هو موجود. يعني الناس يبتسمون ويعرفون المشكل ولكن لايحدث شيء بعد ذلك. أعتقد أن دور الثقافة والإعلام ودورالبرلمان مهم، وكل هذه الأداور مجتمعة مهمة جدا للسيطرة على القطاعات الأمنية وإعطائها في نفس الوقت ما يراه الناس فيها وليس ما تراه هي في نفسها وتعتقد أنه الصحيح.