صفّق معظم المغاربة – عن حق – للقرار الجريء الذي اتّخذه الملك محمد السادس بالإشارة في ديباجة الدستور الجديد المقترَح إلى اعتماد الأمازيغية لغة رسمية للدولة المغربية. و يعد الاعتراف الرسمي بالهوية البربرية على مستوى الدستور خطوة هي الأولى من نوعها في بلد شمال أفريقي. وفي الواقع، يرجّح عدد من المحلّلين أن تكون تلك الخطوة هي التي أدت الى حصد نسبة التأييد الساحق للدستور والتي بلغت 95 في المئة، وفقاً لوكالة الأنباء رويترز، فيما وصلت نسبة الاقتراع إلى  70 في المئة. يشكك البعض في هذه الإحصائيات نظرا الى المخالفات في التصويت، وأشار ايضا البعض بان استغلال الهوية البربرية في مشروع الاصلاحات الدستورية ليس أكثر من واجهة لتغييرالنظام بل وتعطي العاهل الفرصة للحفاظ على نظامه الملكي. ويحذر المشككون أكثر تشاؤما  بأن العواقب قد تكون ماسة حيث انها تؤدي إلى النموذج الجزائري للتوتر بين المغربيين ذو أصول عربية وبربرية.

هذا الاعتراف يرتدي أهمّية بالغة. ففي العام 2005 حاول الناشطان الأمازيغيان أحمد الدغرني وعمر لوزي إطلاق حركة سياسية تطالب بالاعتراف بالهوية البربرية، إلا أن وزارة الداخلية حظرت في 2007 الحزب الديمقراطي الأمازيغي المغربي الذي أسّساه، ثم حُلّ  هذا الحزب قضائياً العام 2008 (في انتظار الاستئناف) بحجّة أن الأحزاب المستندة إلى الإتنية غير قانونية في المغرب. لكن المشكّكين لازالوا يسألوا: لماذا الآن؟ وما الذي تعنيه هذه المقترحات بالنسبة إلى مستقبل سياسة الهوية في المغرب؟

تُحدّد الفقرة الثانية في ديباجة الدستور الهويّة الوطنية للمغرب ومكوّناتها على النحو التالي:

"المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية - الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية."

الحركات الأمازيغية الجديدة هي نزعة حديثة نسبياً في المغرب، بيد أن سياسات الهوية البربرية في المنطقة ليست بالأمر الجديد. فخلال المرحلة الاستعمارية، طبّقت الإدارة الفرنسية سياسات تهدف إلى زرع بزور الخلاف بين البرابرة والعرب وتصويرهم بأنهما مجموعتان متنافرتان. وقد حاولت "مراسيم البربر" كما تُسمّى، والتي صدرت في مايو/أيار 1930، مأسسة نظامَين قانونيين مختلفين في المغرب؛ الأول مستند إلى القوانين "العرفية" المحلّية ومخصَّص للأشخاص الذين اعتُبِروا من "الأمازيغ"، والثاني مستند إلى الشريعة الإسلامية ومخصَّص "للعرب". ولاحقاً ردّت الحركات الوطنية في الجزائر والمغرب بالتشديد على الوحدة القومية العربية، ما أدى الى تهميش الأمازيغ في مختلف أنحاء شمال أفريقيا وإلغاء الهوية البربرية خوفاً من ظهور حركات انفصالية أشهرها "الربيع البربري" العام 1980، والذي أسفر عن توقيف مئات الناشطين البربر في منطقة القبائل وعن إضراب عام استمرّ أسبوعاً.

لاشك في أن هذه السياسة القائمة على "الهويّة المزدوجة" نجحت في خلق انقسامات اجتماعية كبرى في المجتمع الجزائري بعد الاستقلال، إلا أنها لم تفلح في ذلك في المغرب حيث بات من الصعب، لا بل من المستحيل التمييز بين "الأمازيغي الصرف" وبين "العربي الصرف"، وذلك بفعل قرون من التفاعل الثقافي والزواج المختلط. بيد أن سياسة الهوية لاتزال ماثلة في المشهد العام: فادّعاء الانتماء إلى النسب العربي أو الأمازيغي في المغرب هو تاريخياً تشديد سياسي على الهويات الذاتية، حيث كانت تبرز هويّة إلى الواجهة تارة وتتراجع طوراً، فيما كانت السلطة تتحكّم بالعلاقات بين التيّارات وبالتغييرات الثقافية لدى السكّان. كان لقب "الشريف"، وهو لقب عربي-إسلامي، يعني الانتماء إلى نسب مرموق مرتبط بالنبي محمد، مما يمنح صاحب اللقب الشرعية السياسية المستمدّة من "أمير المؤمنين". من جهة أخرى، شدّد قادة مغاربة آخرون على انتمائهم إلى نسب أمازيغي كريم ليُقيموا صلة قرابة مع شخصيات مثل عبد الكريم الخطابي، الثوري البربري الذي هزم الجيش الإسباني خلال معركة أنوال العام 1921. وهذا يعني أن الهويّتَين الأمازيغية والعربية ليستا متنافرتَين، وأن الانتماء إلى هذه الهوية أو تلك هو مكسب ثقافي مشترك بين كل المغاربة – حتى أولئك الذين اختاروا عدم التماهي مع أيّ منهما.

يعتبر المشكِّكون بالدستور الجديد أن استخدام محمد السادس لورقة الهوية البربرية، هو مجرّد محاولة لإقرار دستور جديد في الشكل فقط فيما يتمسّك بنظامه الملَكي، ويلمّح آخرون أكثر تشاؤماً إلى أن العواقب يمكن أن تكون أشدّ وطأة، وتجرّ المغرب نحو النموذج الجزائري.

فإذا مافشلت الإصلاحات السياسية الحالية في ترسيخ هوية مستندة فعلاً إلى المواطنة، لن  تكون معارضة المغاربة النسبية للانقسام الأثني بين الأمازيغ والعرب كافيةً لوقف الصدّع في هويّتين حافظتا حتى الآن على مرونتهما. لقد عاد الناشطون الأمازيغ والقوميون العرب على السواء إلى مقاربة مسألة سياسة الهويات انطلاقاً من خطوط انقسامية. فداخل المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، يتساءل الباحثون ما إذا كان المغرب ينتمي فعلاً إلى "العالم العربي"؛ ويردّ الناشطون القوميون العرب بأن هويّة المغرب الإسلامية تقدّم إثباتاً كافياً على هذا الانتماء، معتبرين أن التوصية الرسمية الأخيرة الصادرة عن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية والتي تدعو إلى اعتماد ألفباء النيو-تيفيناغ (بدلاً من الأبجدية العربية) في الكتابات الأمازيغية تزيد من حدّة الانقسامات الإثنية. وقد أعرب بعض الباحثين والناشطين الأمازيغ، مثل مريم دمناطي، العضو في المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، عن خشيتهم من حدوث "ترسيم من الدرجة الثانية" على الطريقة الجزائرية – حيث يكون الاعتراف بالهويّة البربرية مجرّداً من أيّ تطبيق عملي – ولذلك يوجّهون انتقادات حادّة إلى حزب العدالة والتنمية الإسلامي وحزب الاستقلال القومي اللذين يتّهمونهما بممارسة "العروبة التي تعاني من رهاب الأمازيغ". ويقولون عنهما إنهما مصمّمان على تقويض العملية الهادفة إلى تقنين الهوية واللغة الأمازيغيتَين واعتمادهما رسمياً. فضلاً عن ذلك، لاتزال السياسات الحزبية المستندة إلى الإُثنية (حتى تلك التي تدافع عن الهوية البربرية) تُعتبَر راديكالية ولاتحظى بالكثير من الشعبية، ناهيك عن أنها لاتزال غير قانونية بموجب الدستور الذي أُقِرّ مؤخراً.

إلا أن التأثير الأهم لاعتراف الملك رسمياً باللغة الأمازيغية سيكون إقليمياً. إذ من المؤكّد أن التطوّرات الأخيرة لن تمرّ مرور الكرام بالنسبة إلى الدول المجاورة. ففي مطلع الأسبوع الماضي، رحّب فرحات مهني، رئيس الحكومة المؤقّتة في منطقة القبائل في الجزائر، بالإصلاحات الدستورية في المغرب، متوقّعاً أن تمارس تأثيراً كبيراً على البلدان المجاورة، فيما تضغط مجموعات من أجل الحصول على اعتراف دستوري "رسمي" مماثل بالثقافة واللغة الأمازيغيّتَين في بلدانها. حتى الآن، اعترفت الدول الأخرى في شمال أفريقيا، في أقصى الأحوال، بالمكانة "الوطنية" المبهمة للأمازيغ، لكنها استمرّت في اعتبار العربية "اللغة الرسمية" الوحيدة المعتمدة في التعامل التجاري. وقد ألمّح مهني إلى أن الجزائر قد تشهد أيضاً تحسيناً للدستور وفي وقت قريب إذا انطلق نموذج ناجح في الجوار.

د. يونس ابو أيوب باحث علم الاجتماع السياسي في قسم دراسات الشرق الأوسط وجنوب آسيا  و إفريقيا في جامعة كولومبيا.