قدّم شيخ الأزهر، أحمد الطيب، في 20 يونيو/حزيران ما سُمّي بـ"وثيقة الأزهر"، وهي عبارة عن برنامج من إحدى عشرة نقطة يتطرّق إلى العديد من المسائل التي واجهتها مصر منذ الثورة في يناير/كانون الثاني. تطالب الوثيقة، بالاستناد إلى إجماع واسع في أوساط الشخصيات الدينية في هذه المؤسّسة الإسلامية المرموقة، بـ"دولة ديمقراطية حديثة تعتمد على دستور ترتضيه الأمة"، وتدعو إلى فصل السلطات وضمان حقوق المواطنين على قدم من المساواة. ويعتبر الطيّب أن الديمقراطية هي "الصيغة العصرية لتحقيق مبادئ الشورى الإسلامية"، التي يعتبرها الضمانة الحقيقية للتعدّدية ومحاسبة المسؤولين أمام ممثّلي الشعب.

تُحدّد الوثيقة أولويات مابعد الثورة وأبرزها الإصلاح والتعليم، وجهود مكافحة الفساد، والحد من البطالة والالتزام بالمواثيق الدولية. والأهم هو مضمون الوثيقة عن العلاقة بين الدين وبين الدولة؛ فهي تدعو إلى قيام دولة "تكون سلطة التشريع فيها لنواب الشعب؛ بما يتوافق مع المفهوم الإسلامي الصحيح، حيث لم يعرف الإسلام لا في تشريعاته ولاحضارته ولاتاريخه ما يُعرَف في الثقافات الأخرى بالدولة الدينية الكهنوتية التي تسلّطت على الناس". وتطالب أيضاً باستقلال الأزهر عن سيطرة الدولة.

الأزهر هو من المرجعيات الأكثر احتراماً في مجال الفقه والإرشاد الديني في العالم الإسلامي. وقد استغلّ الحكّام المصداقية التي تتمتّع بها المؤسّسة لتحقيق غايات سياسية منذ تأسيسها العام 970. وقد أرسى محمد علي الذي حكم مصر من 1805 إلى 1848 الأسس الحديثة للتحكّم بجامعة الأزهر، عندما عمد بالقوّة إلى تأميم 623000 فداناً من الأراضي الموقوفة للمساجد بهدف جمع إيرادات إضافية للدولة. وبعده بأكثر من قرن، لجأ الرئيس جمال عبد الناصر إلى الأسلوب نفسه، فأدرج أراضي الأوقاف ضمن صلاحية وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، كما أنه أضاف إلى النموذج الإسلامي الفريد لجامعة الأزهر شهادات ورواتب للأساتذة والأئمة على الطريقة الأوروبية، محوّلاً إياهم عملياً إلى موظّفين حكوميين. كما جعل عبد الناصر تعيين شيخ الأزهر من صلاحيات الرئيس المصري، مستبدلاً بذلك نظام الانتخابات الداخلي في الجامعة. وبحلول 1963، أصبح الأزهر مؤسّسة حكومية بكل معنى الكلمة، ما أتاح لعبد الناصر إبعاد خصومه داخل الأزهر أو تجريدهم من مصداقيّتهم.

انطلاقاً من هذا السياق، ليس مفاجئاً أن يحاول الأزهر استعادة استقلاليّته بعد ثورة يناير/كانون الثاني. فقد تشكّلت ائتلافات من الأئمة للمطالبة باستقلال الأزهر، وأسفرت عن تنظيم تجمّع في 13 مارس/آذار حجبته إلى حد كبير التظاهرات الحاشدة في ميدان التحرير. إذ سار مايزيد عن ألف إمام من مسجد النور في العباسية إلى مقرّ المجلس الأعلى للقوّات المسلّحة، وطالبوا بالتحقيق في اتّهامات الفساد الموجَّهة إلى وزارة الأوقاف والشؤون الدينية وإلغاء قانون عبد الناصر للعام 1961 الذي وضع موازنة الأزهر تحت سيطرة الدولة ومنح الرئيس سلطة تعيين شيخ الأزهر. ويواصل الأئمة احتجاجاتهم، فقد انضمّوا مثلاً إلى الاعتصام في ميدان التحرير في 8 يوليو/تموز الجاري، حيث وزّعوا مناشير تدعو إلى المشاركة في تجمّع حاشد دعماً لاستقلالية الأزهر في 23 يوليو/تموز في ذكرى انقلاب 1952.

فيما تنتقد وثيقة الأزهر "استغلال الدين واستخدامه لبث الفرقة والتنابذ والعداء بين المواطنين"، تشدّد أيضاً على تعديل دستوري من 1980 والذي ينص على أن الإسلام هو دين البلاد الرسمي والشريعة المصدر الأساسي للتشريع. الردود على هذا التناقض في النص منقسمة كالعادة، حتى داخل المجتمع الإسلامي. فقد رحّب رشاد البيومي، نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، بالصياغة لافتاً إلى أنها "تُظهر بدقّة معنى قيام دولة عملانية في الإسلام". في المقابل، وصف الشيخ جمال قطب، رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر، الوثيقة بأنها "تجميل للواقع"، مشيراً إلى أنها لاتوصي بآليات للإصلاح. ولازال آخرون على غرار محمود اسماعيل، المؤسس السلفي لحزب النهضة المصري، يرفضون التعليق على "كل ما يصدر عن الأزهر طالما يرأسه عضو في الحزب الوطني الديمقراطي"، في إشارة إلى أن الطيب موجود في منصبه بتعيين من الرئيس المصري السابق حسني مبارك.

يُسلّط تعليق اسماعيل الضوء على النزاع بين الأزهر، معقل العقيدة الإسلامية السنّية، وبين السلفيين، على الرغم من أن للفريقَين مصلحة مشتركة في أن يصبح الأزهر مؤسّسة مستقلّة. لقد استُخدِم الأزهر طوال عقود لمحاربة من كانت الحكومة تعتبرهم متطرّفين، ولاسيما خلال الإرهاب الإسلامي الذي عرفته مصر في تسعينيات القرن العشرين. ومن خلال وثيقة الأزهر، يرفض الطيب عملياً المطالب السلفية بقيام دولة دينية  ثيوقراطية، ما دفع البعض إلى شجب الوثيقة واصفين إياها بالفاترة أو العلمانية. وقدّم حزب التحرير السلفي ماوصفه ب"مذكّرة النصح" للشيخ الطيب في السادس من يوليو/تموز الجاري والتي دعاه فيها إلى إلغاء الوثيقة معتبراً أنها "مخالفة لشرع الله".

على الرغم من الاعتراضات السلفية (أو في حالات عدّة، بسبب هذه الاعتراضات)، أعرب عدد كبير من المصريين المرموقين عن دعمهم للوثيقة، فقال الناقد الأدبي صلاح فضل أن الوثيقة هي "بمثابة تأكيد للقيم والمثل العليا، وإعلاء لقيم الثقافة، خاصة وأن الناس هم الذين منحوا الأزهر الشريف هذه الرمزية، باعتباره مؤسسة للعلم والثقافة، ومنارة للفكر والاستنارة"، مضيفاً أن الوثيقة "تُعلي من قيمة الأزهر وتعمل على استرداد وضعه التاريخي في الحياة العامة". وقد أثنى نائب رئيس الوزراء السابق، يحيى الجمل، على الوثيقة واصفاً إياها بأنها "من أهم الوثائق الصادرة حتى تاريخه"، كما أعرب رفعت السعيد، رئيس حزب التجمّع اليساري، عن دعم مماثل، وكذلك قطب الأعمال المسيحي نجيب ساويرس، رئيس حزب المصريين الأحرار، وكلاهما مناهضان بشدّة للإسلاميين. هذا وقد رحّب الناطقون باسم الكنيسة القبطية بالوثيقة، على الرغم من تشكيكهم بأيّ تدخّل ديني في السياسة، معتبرين أنها تُبيّن التزام مؤسّسة الأزهر بتحقيق المساواة للمواطنين كافة.

يُظهِر الناشطون الحقوقيون وعلمانيون آخرون حماسة أقل حيال وثيقة الأزهر. فالمنظّمات الناشطة تعرب عن قلقها من "ضبابية" الوثيقة، مشيرةً إلى الغياب الواضح للضمانات الضرورية لمنع حدوث انتهاكات للحقوق. وتُبدي منظمات أخرى عدم رضاها عن الدعم المستمر للشريعة الإسلامية واعتبارها المصدر الأساسي للتشريع. وفي هذا السياق، يعتبر الكاتب العلماني صلاح العيسى أنه "إذا كانت القوانين الجديدة تحتاج إلى موافقة الأزهر، فهذا يعني حكماً أننا في دولة دينية (لامدنية)". وقد أعرب إكرام لمعي، الناطق باسم الكنيسة الإنجيلية في مصر، عن مخاوف مماثلة، مشدّداً على وجوب عدم تدخّل رجال الدين في الشؤون السياسية. بيد أن المتحدّثين باسم لجنة إعداد الوثيقة لفتوا إلى أنه سيكون للأزهر دور استشاري فقط في التشريع، كما في السابق، وسوف يُعهَد إلى محكمة دستورية عليا إقرار القوانين الجديدة.

يقتضي دعم دولة ديمقراطية في مصر الجديدة وجود مؤسّسات مستقلّة بكل معنى الكلمة عن القبضة الحكومية. ومن شأن دور الأزهر في الأيام المقبلة أن يشكّل نموذجاً حيوياً لباقي المؤسّسات المؤمَّمة التي لطالما رزحت تحت وطأة التدخّل الحكومي، ولاسيما المؤسسات القضائية والجامعات الرسمية. ويوضح المحلل السياسي نبيل عبد الفتّاح، الذي شارك في وضع وثيقة الأزهر، : " لقد وُضِعت هذه الوثيقة عن طريق حوار هادئ من أجل إرساء جدول أعمال لتوحيد الناس بعيداً من الشعارات والحملات الإعلامية". ومن هذا المنطق فهي محاولة للتعاطي بطريقة جدّية وسلمية مع مسألة متفجّرة. وهذه خطوة إيجابية في ذاتها.

أحمد مرسي حاصل على ماجستير في العلوم السياسية من الجامعة الأميركية بالقاهرة ، اميرة اسماعيل من جامعة جورج واشنطن ساهم أيضا في كتابة هذا المقال.