عندما شكّل السياسيون العراقيون أخيراً حكومة جديدة في ديسمبر/كانون الأول 2010، بعد تسعة أشهر من الانتخابات النيابية التي جرت في وقت سابق من العام نفسه، صدحت أصوات عدّة مهنِّئة في المجتمع الدولي شدّدت على أن العراقيين نجحوا في إقامة "حكومة جامعة" تتمثّل فيها مختلف المجموعات الإثنية والمذهبية.

بيد أن منتقدي الصفقة التي أدّت إلى تشكيل الحكومة الثانية لرئيس الوزراء نوري المالكي أشاروا إلى أنها تجاهلت النزاعات المستمرّة بين السياسيين العراقيين. واعتبروا أنها ولّدت أيضاً حكومة متضخّمة في حجمها وغير فاعلة وغير مستقرّة تضم الكثير من الوزارات الوهمية غير الضرورية (على غرار وزارة المجتمع المدني ووزارة الأهوار الجنوبية)، في حين أن الوزارات التي كان ثمة حاجة حقيقية إليها، مثل وزارة الأمن القومي، ظلّت شاغرة.

بعد ثمانية أشهر، يبدو أن النقّاد على حق: لاتزال الحكومة ناقصة وتفتقر إلى وزارات أساسية مثل وزارتَي الداخلية والدفاع، فيما لم يجرِ بعد تقنين مجلس السياسات الاستراتيجية (الذي يُروَّج له، ولاسيما من جانب الولايات المتحدة، بأنه أداة أساسية لتقاسم السلطة في اتفاق تشكيل الحكومة). لقد أُهدِر الشطر الأكبر من العام 2011 على محاولة الاتفاق على ثلاثة نوّاب غير ضروريين لمنصب الرئاسة الشرفي (وقد استقال أحدهم)، في حين أن التقدّم في النقاش بين حكومة إقليم كردستان وبين بغداد حول الصادرات النفطية اقتصر على اتفاق براغماتي بالتصدير من حقلَين نفطيين. ولايزال التوصّل إلى اتّفاق برلماني حول قانون للنفط والغاز يبدو بعيد المنال.

في هذه الأثناء، لايبدو أن العراقيين يُشاطرون المجتمع الدولي حماسته لحكومة متضخّمة تتمثّل فيها كل الأطراف الإثنية والمذهبية. فقد انتقد العراقيون، في تحرّكهم المحدود في إطار "الربيع العربي" خلال الأشهر الخمسة الماضية، المناصب غير الضرورية التي تجعل الحكومة أقل فاعلية، ولاسيما تعيين ثلاثة نوّاب للرئيس (علماً بأنهم يملكون صلاحيات محدودة جداً وهم عامل هدر كبير للمال الحكومي). وفي الآونة الأخيرة، تتركّز الانتقادات على وزارات الدولة غير الضرورية التي أنشئت كجزء من اتفاق تشكيل الحكومة في ديسمبر/كانون الأول 2010. وقد وُزِّعت تلك المناصب على الأشخاص مكافأةً لهم على انضمامهم إلى حكومة المالكي، أما تعريف الغايات والأهداف من حقائبهم الوزارية فيأتي في المرتبة الثانية في أفضل الأحوال.

كان الرد من القادة السياسيين محدوداً ومنفصلاً عن الواقع – ومألوفاً. فالقائمة العراقية العلمانية تتأرجح بين الدعوات إلى إنشاء مجلس للسياسات الاستراتيجية ذي صلاحيات تنفيذية وبين المطالبة بانتخابات جديدة، وكلاهما خياران غير واقعيين. وعلى الأرجح  سيبقى مجلس السياسات، الذي لم يُدرَج في الدستور، عاجزاً، كما أن القائمة العراقية لاتملك الغالبية المطلقة المطلوبة في البرلمان للدعوة إلى إجراء انتخابات عامة. أما رئيس الوزراء نوري المالكي الذي ينتمي إلى ائتلاف دولة القانون الإسلامي الشيعي فيتحدّث باستمرار عن بديل يتمثّل في حكومة "أكثرية سياسية" وكذلك عن خفض حجم حكومته الحالية. يبدو الخيار الأول (وهو قيد النقاش منذ المفاوضات الصعبة حول الموازنة في فبراير/شباط الماضي) بعيد المنال لأنه يقتضي أولاً استقالة المالكي من رئاسة الوزراء. أما الفكرة الثانية فتحمل وعوداً أكبر بالنجاح، لكنها لاتأخذ في الاعتبار الحصانات الدستورية الكبيرة التي يتمتّع بها الوزراء الحاليون الذين يجب حجب الثقة عنهم أولاً من خلال التصويت الفردي قبل المباشرة بخفض حجم الحكومة.

على صعيد الائتلاف، كانت هناك نزعتان مثيرتان للاهتمام. أولاً، لم تتفكّك القائمة العراقية العلمانية كما توقّع عدد كبير من المحلّلين الغربيين. صحيح أن فصيلاً صغيراً يُعرَف بالعراقية البيضاء انشقّ عنها، إلا أن الائتلاف الأساسي ظل كما هو لابل توسّع مع انضمام كتلة وحدة العراق، التي تشاطره توجّهه العلماني، إليه. واللافت أن وحدة العراق يرأسها شيعي (جواد البولاني) تماماً مثل القائمة العراقية، وهذا سبب إضافي كي لايعود من المنطقي وصف العراقية بأنها "حزب سنّي".

ثانياً، لايزال ائتلاف دولة القانون بقيادة المالكي على حاله، كما أن اختيار رئيس كتلته النيابية سلّط الضوء على الرواية الي تتحدّث عن "ائتلاف وطني" شيعي أكبر قدّم رئاسة الوزراء للمالكي في خريف 2010. بيد أن المالكي أصيب بإخفاق ذريع على المستوى البرلماني إذ لم ينجح في أن يصل إلى أبعد من ناخبيه الإسلاميين الشيعة التقليديين، ما يعني أن كلامه المنمَّق عن الوطنية العراقية لايزال فارغاً من مضمونه.

وفي نزعة جديدة مثيرة للاهتمام، وجد بعض السياسيين الأكراد وأعضاء القائمة العراقية مؤخراً أن لديهم مصلحة مشتركة في العلمانية والخطاب المناهض لإيران. وقد أسفر ذلك عن نقاشات برلمانية حول دور الشريعة الإسلامية وكذلك انتقادات للقصف الإيراني للمناطق الكردية، ما قوّض بوضوح التحالف الإسلامي الكردي-الشيعي الذي شكّل الخلفية لتأليف حكومة المالكي الثانية. كما أنه ولّد تنشّجات بين السياسيين الأكراد الذين يختلفون حول العلاقات مع إيران.

بيد أن أياً من هذه النزعات لايتمتّع بالزخم الكافي لإحداث تغيير فوري في الحكومة. وعلى الأرجح فإن التركيز سيتحوّل في المستقبل القريب نحو المسائل الأكثر عملية مثل تعيين وزيرَين للدفاع والداخلية. لكن حتى الآن، تعثّرت المباحثات حول هاتين الحقيبتين الوزاريتين بسبب الخلافات بين القادة السياسيين. لكنه مؤشّر مشجّع على أن معظم الخلافات هي داخل الحزب الواحد أو المذهب الواحد. فقد رفض الصدريون الاسم الذي اختاره المالكي لتولّي وزارة الداخلية، ورفض ممثّلو القائمة العراقية مرشّحاً لوزارة الدفاع يحظى بالتأييد من أطراف أخرى في تحالفهم، إلا أن المعارضين اعتبروا أنه يميل أكثر من اللازم نحو دعم المالكي.

على غرار النقاش الأوسع حول مستقبل القوات الأمريكية في العراق بعد 2011، يمكن أن تؤدّي مسألة الوزارات الأمنية إلى تصدّع التحالفات التي ظهرت بعد الانتخابات البرلمانية التي أجريت العام 2010 وكانت وراء المأزق السياسي المستمر. ولعل هذه الأنواع من التصدّعات – وليس السعي إلى إنشاء مجلس للسياسات الاستراتيجية أو إضافة مزيد من الوزراء من أجل ضم الجميع "إلى الخيمة" – هي التي ستمنح العراق في نهاية المطاف حكومة أكثر فاعلية هو بأمس الحاجة إليها.

(*) ريدار فيسر مؤرّخ عن العراق يدوِّن على http://gulfanalysis.wordpress.com