بعدما استخدمت روسيا والصين الفيتو في مجلس الأمن لمنع صدور قرار جديد عن سوريا في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول، بات يُشار إليهما بأنهما "شرّيران يفضّلان بيع الأسلحة إلى النظام السوري بدلاً من الوقوف إلى جانب الشعب السوري"، كما جاء على لسان السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة سوزان رايس. هذا أيضاً هو رأي الناشطين في المعارضة السورية الذين يحرقون أعلام البلدَين، فيما يفكّر النظام السوري علناً في التعامل بالروبل الروسي واليوان الصيني في ما تبقّى له من تجارة دولية.

 بيد أن انتقاد العرقلة الروسية والصينية يحجب حقيقة غير مريحة، وهي أنهما لا يتحمّلان وحدهما مسؤولية التقاعس الدولي حيال ما يجري في سوريا. فالولايات المتحدة وأوروبا غير مستعدّتَين كلياً، لا بل عاجزتان بالكامل، عن القيام بتحرّك فعلي لوقف انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا أومساعدة المعارضة السورية في معركتها ضد النظام.

بدايةً، لا تحتاج العقوبات الاقتصادية، التي هي السلاح الديبلوماسي الأوّل، إلى توافق دولي لممارسة تأثير جدّي. لكن البلدان القليلة القادرة على التأثير في الاقتصاد السوري كانت بطيئة في التحرّك وأطلقت إشارات متضاربة. فمنذ اندلاع الانتفاضة في مارس/آذار الماضي، أشار الناشطون السوريون إلى أن الجزء الأكبر من النفط الذي تملكه البلاد، والذي يشكّل نحو 30 في المئة من إجمالي عائدات الصادرات، يذهب إلى حفنة من البلدان الأوروبية (ألمانيا وإيطاليا اللتان تحصل كل منهما على ثلث النفط السوري، تليهما فرنسا وهولندا مع حوالى عشرة في المئة، وأستراليا وإسبانيا مع حصّة أكبر بقليل من خمسة في المئة). بيد أن الاتحاد الأوروبي استغرق نحو ستّة أشهر ليفرض حظراً على الواردات النفطية من سوريا في الثاني من سبتمبر/أيلول الماضي. وأحجم القرار أيضاً عن توجيه أمر إلى شركات مثل "توتال" أو "شيل" بالانسحاب من سوريا، وذلك خشية أن تحلّ شركات صينية أو روسية مكانها. 

قد يعتبر البعض أن انسحاب هذه الدول ليس ضرورياً بما أن ضخ النفط سيتوقّف في غياب الشارين – في الواقع، تشير تقارير إلى أنه تم تعليق التنقيب عن النفط في أواخر سبتمبر/أيلول الماضي – لكن المسألة تثير شكوكاً حول مدى استعداد الأوروبيين لتوظيف أموالهم في المكان الصحيح. ففي 13 أكتوبر/تشرين الأول، وقّع عملاق التكنولوجيا الألماني "سيمنز" اتّفاقاً بقيمة 305 ملايين يورو مع وزارة الكهرباء السورية لتوسيع محطّة أساسية لتوليد الطاقة الكهربائية. قد لا يحصل المشروع على التمويل الخارجي المتوقَّع في ظل الظروف الراهنة، إلا أنه نُقِل عن وزير الكهرباء عماد خميس قوله أن بنك الاستثمار الأوروبي هو الذي سيتولّى التمويل (إلى جانب "أموال عربية" لم يُحدّد مصدرها).

صحيح أن الدول تأخّرت في التحرّك، إلا أن العقوبات الاقتصادية مارست لدى تطبيقها تأثيراً جدّياً على الاقتصاد السوري. لكن لم تظهر بوادر حتى الآن بأنها تلبّي الهدف الاستراتيجي المنشود بدفع النخبة الاقتصادية السورية إلى ممارسة ضغوط على النظام، أو حفز اللاعبين في بنية السلطة على التفكير في تغيير المسار أو القيادة. وفي المؤشّر الأوضح حتى الآن عن مدى خطورة الوضع، حظرت وزارة الاقتصاد السورية في 24 سبتمبر/أيلول معظم الواردات ما عدا المواد الخام والحبوب للحفاظ على احتياطي العملات الأجنبية. لكن في غضون أسبوع واحد فقط، تمكّن مجتمع الأعمال السوري من ممارسة ضغوط على الحكومة لإلغاء القرار. إلا أن السؤال لايزال مطروحاً عن السبيل لتسديد كلفة هذه الواردات. لا شك في أنه بإمكان النخبة الاقتصادية في سوريا أن تحصل على آذان صاغية في أروقة السلطة، لكن حتى الآن، لم تستخدم هذا النفوذ سوى لحماية مصالحها الفورية، ولم تدفع باتّجاه تغيير أساسي في المسار. هذا ويواجه السعي إلى دقّ إسفين بين النخبة الاقتصادية وبين الزمرة الحاكمة صعوبة إضافية وربما مستعصية نظراً إلى أن نسبة كبيرة من هؤلاء الفاعلين الاقتصاديين تدين بأعمالها وبالحظوة التي تتمتّع بها إلى النظام الراهن، ويتداخل عدد كبير من أعضائها بالكامل مع هذا النظام. وليست ثمة معطيات كافية تطمئنهم إلى أنهم سيتمكّنون من حماية مصالحهم إذا انهار حكم الأسد.

بصورة عامة، وأبعد من التواطؤ بين رجال الأعمال والدولة، هناك علامة استفهام حول قدرة العقوبات الاقتصادية على زيادة الضغوط الشعبية على الأنظمة السلطوية. فكما تُبيِّن حالة العراق المجاور، عندما تسود الندرة المسبِّبة للشلل ويتفاقم انعدام الأمان، قد يصبح الناس أكثر اعتماداً على من يمارسون السلطة ويمسكون بمقاليد نظام المحسوبيات. ربما يقف المواطنون السوريون على مشارف حقبة طويلة يخوض فيها أبناء مجتمعٍ يزداد عوزاً، تنافساً شديداً للحصول على الحظوات من أولئك الذين يحملون مفاتيح مغانم السلطة، فيما تفرض ميليشيات موالية للنظام وغير خاضعة لأي شكل من أشكال المساءلة نفسها على الأرض وتطارد السكّان العزّل.

وحده التهديد الجدّي باللجوء إلى العمل العسكري الذي سيؤدّي إلى خسارة السلطة يمكن أن يردع نظاماً مصمّماً على البقاء مهما كان الثمن، أو بالأحرى نظاماً يحكم سيطرته على المجتمع بحيث يحمّله كلفة بقائه. لكن لاوجود لمثل هذا التهديد الجدّي في حالة سوريا، ويعرف الحكّام في دمشق ذلك. فما خلا أصوات قليلة في واشنطن، لم يُظهر أحد في أوروبا ولا في الولايات المتحدة أي رغبة في تكرار التجربة الليبية في وقت قريب، ولاسيما أن الاحتمال الأكبر هو أن تتحوّل سوريا عراقاً ثانياً وليس ليبيا أخرى. فعلى النقيض من ليبيا، لم تظهر انقسامات فعلية داخل الجيش، وليست هناك أراضٍ "محرَّرة" حيث يمكن إطلاق تحدٍّ عسكري للنظام وتعزيزه. كذلك، من المستبعد أن تؤدّي الهجمات الجوية التي يمكن شنّها في إطار حملة تهدف إلى فرض منطقة حظر طيران لدوافع إنسانية، إلى تقويض نظام لايزال خطابه المناهض للإمبريالية يلقى أصداء لدى شريحة كبيرة من السكّان، سواء كان ذلك عن اقتناع أيديولوجي أو بدافع الخوف من غرق سوريا في حالة من عدم الاستقرار والفوضى المذهبية، كما حصل في العراق بعد الاجتياح الذي قادته الولايات المتحدة. يعي المجلس الوطني السوري الذي تأسّس في اسطنبول في أواخر سبتمبر/أيلول الماضي ويضم أطيافاً واسعة من المعارضة، أبعاد وحيثيات الجدل الذي تثيره مسألة التدخّل الخارجي، ولذلك يتردّد في الدعوة إلى مثل هذا التدخّل ويطالب بدلاً من ذلك بـ"حماية دولية". لكن يبقى السؤال: كيف يمكن توفير "حماية" فاعلة في غياب خيار جدّي باللجوء إلى القوّة ضد نظام يُستبعَد كثيراً أن تردعه مثل هذه الحماية؟

من هنا، سيكون على أي دولة أو ائتلاف من الدول يخطّط لعمل عسكري ضد سوريا أن يُحضِّرا الرأي العام لديهما للكلفة الهائلة وعدد الضحايا الكبير الذي يمكن أن تسفر عنه عمليّة برّية ضد جيش عالي التجهيزات لايزال يحظى بدعم شريحة واسعة من السكّان. ناهيك عن السيناريو الكابوسي الذي قد يؤدّي إلى الغرق في مستنقع آخر من النزاعات المذهبية عندما تنهار السلطة المركزية في وجه الجيوش الغازية، وتنقسم قوى القمع حول خطوط مذهبية فتشكّل ميليشيات تنخرط في تصفية حسابات دموية وتنافسٍ على المغانم.

النفاق الواضح للموقف الروسي-الصيني سمح لبعض البلدان التي أظهرت حماسة مستجِدّة في دعم الديمقراطية العربية، بأن تُقدِّم نفسها، بمكر نوعاً ما، في دور المدافِعة الشجاعة عن الجماهير العربية المظلومة. بيد أن الخطاب الوعظي والجهود الحثيثة لتنظيم المعارضة السورية في المنفى والتحضير للتغيير المنشود لاتستطيع أن تحجب واقع أن الخيارات المتاحة لتحقيق ذلك التغيير محدودة. لا نخدعنّ الشعب الشجاع في سوريا الذي يستبسل في النضال والتضحية بحياته أملاً في التخلّص من نير نظام البعث. إنهم متروكون لوحدهم. 

هايكو ڤيمن زميل دكتوراه في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية.
 
تُرجمت هذه المقالة من اللغة الإنكليزية.