في الأيام الأولى للانتفاضة المصرية – عندما كانت البلاد مهدّدة بالغرق في لجج العنف – كان سلوك الجيش مثيراً للإعجاب؛ إذ تمكّن من الحفاظ على النظام من دون اللجوء إلى العنف، وسهّل خروج حسني مبارك من السلطة. بعد عشرة أشهر، بات الجيش يشكّل التهديد الأخطر للانتقال إلى الديمقراطية. والتصريحات الأخيرة لا تترك مجالاً للشك بأن الجيش يحكم مصر، وينوي الإبقاء على سيطرته إلى ما لانهاية. 

لقد أعاد المجلس الأعلى للقوات المسلحة إحياء الفكرة التي تدعو إلى اعتماد مجموعة من المبادئ الحاكِمة للدستور التي تكون ملزمة للجنة المؤلّفة من مئة عضو التي ستعمل على وضع مسودة الدستور الجديد للبلاد. يشار إلى أن الاقتراح تقدّم به في البداية المرشح الرئاسي محمد البرادعي في مطلع الصيف، ودار حوله نقاش حاد لأشهر عدّة خلال الصيف قبل أن ينحسر لفترة.  

أما الإخوان المسلمون، فقد عارضوا مع الأحزاب العلمانية الأكثر ليبرالية مثل الغد والكرامة، هذا الترتيب معتبرين أنه غير ديمقراطي. غير أن معظم العلمانيين يدعمونه، على ما يبدو، مفترضين بسذاجة أنه من شأن المبادئ الحاكِمة للدستور أن تحول دون قيام الإسلاميين بإعلان جمهورية إسلامية حتى لو حقّقوا فوزاً كاسحاً في الانتخابات التشريعية. 

لقد اتّخذ نائب رئيس الوزراء علي السلمي خطوة منفردة باصدار مسوّدة لهذه المبادئ الحاكمة للدستور، وذلك بدعم واضح من المجلس الأعلى للقوات المسلحة،  وفي تجاهل تام لمحاولات بناء إجماع حقيقي حول القيم المشتركة. كذلك، تُبيِّن الوثيقة أن الجيش يفرض ببساطة نسخته الخاصة عن الديمقراطية التي تغلب عليها السيطرة العسكرية، إذ أنَّ أحد المبادئ الملزمة هو عدم خضوع المؤسسة العسكرية (والموازنة العسكرية)  للإشراف المدني. وتنص المبادئ أيضاً على أنه في حال لم تقرّ اللجنة الدستورية دستوراً جديداً في غضون ستّة أشهر، يعيّن المجلس الأعلى للقوات المسلحة لجنة جديدة من اختياره. وللحصول على ضمانة إضافية، أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة قواعد جديدة تتعلق بتركيبة اللجنة: بحيث تتألّف من عشرين نائباً منتخباً فقط، أما الأعضاء الآخرون فيجري اختيارهم (ليس واضحاً من سيختارهم) من صفوف القضاة والأساتذة الجامعيين والكنيسة القبطية وجامعة الأزهر والنقابات العمّالية ومجموعة من المؤسسات الأخرى الخاضعة في معظمها إلى سيطرة الحكومة. وإذا تضمّن الدستور المقترح موادّ تتعارض مع المقترحات الدستورية للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، سوف يترتّب على اللجنة مراجعتها أو تصدر المحكمة الدستورية العليا حكماً ملزماً في هذا الإطار.

 وبالتالي، نخلص إلى استنتاج وحيد هو أن الجيش ينوي أن تكون له الكلمة الأولى والأخيرة في موضوع الدستور.

عمليّاً، ساهمت عوامل عدّة في انزلاق مصر نحو الحكم العسكري. العامل الأول هو الخوف القديم من تحقيق الأحزاب الإسلامية نتائج جيدة في الانتخابات التي من المقرّر أن تبدأ في 28 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري. وعلى الأرجح أن هذا ما سيحصل، كما في تونس حيث فاز حزب النهضة الإسلامي بنحو 40 في المئة من الأصوات، والسبب هو أن جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة التابع لها شديدا التنظيم والانضباط، في حين أن الأحزاب العلمانية مجزّأة وفشلت في الاستثمار في التنظيم. وفي الواقع، ثمة احتمال كبير بأن يكون فوز النهضة قد زاد من تصميم الجيش المصري على عدم السماح لهيئة منتخبة بممارسة أي تأثير على الدستور.  

لكن العامل الثاني، والأكثر إثارة للقلق من جوانب عدّة، هو التواطؤ بين عدد كبير مما يُعرَف بالأحزاب الليبرالية ومن الأشخاص الذين ينصّبون أنفسهم مدافعين عن الديمقراطية من جهة، والجيش من جهة ثانية. فقد رحّب هؤلاء بكل ماصدر مؤخراً عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، كما وافق حزب الوفد على ما أعلنه المجلس، مع الاكتفاء بإبداء تحفّظات مكتومة حول مسألة الإشراف المدني على الجيش. وأعلن حزب المصريين الأحرار موافقته على السواد الأعظم من المقترحات. وهذا ما فعلته كل الأحزاب الليبرالية تقريباً ما عدا الغد والكرامة اللذين يحافظان على تحالفهما مع الإخوان المسلمين وفي الواقع، يعتبر الليبراليون أن النقطة الخلافية الوحيدة في اقتراح السلمي هي تضمين المبادئ الحاكمة للدستور بنداً ينص على عدم الإشراف المدني على الجيش وموازنته. وقد ردّ السلمي بالإعلان عن أنه سيتم إلغاء ذلك البند المخالف للقوانين، لكنه لم يقترح العكس، أي إدراج الإشراف المدني على الجيش وموازنته ضمن المبادئ الحاكمة للدستور. اللافت هو أن الأصوات الوحيدة التي تنتقد بصورة واضحة لالبس فيها المقترحات الجديدة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة هي أصوات الأحزاب الإسلامية وحركة السادس من أبريل والمرشح الرئاسي محمد البرادعي.  

لاشك في أن مصر تعود إلى الوراء نحو نظام من طراز نظام مبارك، أي جيش قوي يؤازره ويحرّضه سياسيون علمانيون فكرتهم عن الديمقراطية هي أن يكون الحكم في يدهم. ليس الخيار في مصر بين ديكتاتورية عسكرية وبين نظام شبيه بحكم طالبان، كما يدّعي بعض الليبراليين المزعومين، بل بين نظام شبيه بحكم مبارك و بين المبادئ التي ناضل الناس من أجلها في الشوارع المصرية.

مارينا أوتاوي كبيرة الباحثين في مركز كارنيغي للسلام الدولي.