يتأثّر لبنان غالباً بعدم الاستقرار الإقليمي الأوسع، لكنه حافظ على استقراره منذ اندلاع الانتفاضات العربية. وفي حال وصلت تداعيات الإضطرابات الشعبية المتواصلة في المشرق إلى لبنان، يتوقّع معظم اللبنانيين من الجيش تأدية دور مثبِّت للاستقرار بعدما أظهر ميلاً واضحاً وراسخاً إلى تقليص واحتواء تأثيرات الاضطرابات الإقليمية التي من شأنها أن تزعزع النظام السياسي الهش للبلاد الذي برز بعد الحرب الأهليّة. وعلى عكس معظم المؤسّسات الحكومية، يتصرّف الجيش بصورة مستقلّة نسبياً عن السياسة الطائفيّة منذ نهاية الحرب الأهلية. بيد أن القوى السياسية تحاول بوتيرة متزايدة اختراق المؤسسة العسكريّة، وتعمل جاهدة من أجل "الاستيلاء" على جزء منها، على الأقل، بهدف إثباط المحاولات التي يبذلها الجيش لكبح الاستقلال الذاتي للسلطة المدنية.

للبنان تاريخ طويل مع الديناميكيات المدنية-العسكرية الهشّة التي انبثقت مباشرة عن النظام الطائفي في البلاد. 

إذ أنّه بعد الاستقلال، شكّلت الطوائف تقليدياً مراكز النفوذ السياسي الأهم في البلاد. وما عدا استثناءات قليلة، تُستخدَم مؤسسات الدولة الضعيفة كساحاتٍ للنزاع بين القوى الطائفية والسياسية المتنافسة. وليس الجيش اللبناني باستثناء. فعلى الرغم من أنه عرف مراحل أطول من الاستقلال الذاتي النسبي، وذلك خلافاً لمعظم المؤسّسات الحكومية اللبنانية فهو أدّى لفترة وجيزة دوراً أساسياً في السياسة الوطنية في أواخر الخمسينيّات وفي الستّينيّات. وخلال رئاسة اللواء فؤاد شهاب، الذي كان أوّل قائد للجيش اللبناني بعد الاستقلال، حاولت المؤسّسة العسكرية واستخباراتها التي كانت تُعرَف بـ"المكتب الثاني" تنظيم الحياة السياسية في لبنان، ما أثار ردّ فعل عكسياً دعمه عدد كبير من القوى السياسية في البلاد في عهد الرئيس فرنجية بين العام 1970 والعام 1976. وقد شكّل استبدال كبار الضبّاط في المكتب الثاني وتهميش الضباط "الشهابيين" بداية انحسار دور الجيش في السياسة اللبنانية.

ألحقت الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرّت خمسة عشر عاماً انتكاسة إضافيّة كبرى بالمؤسّسة العسكرية. والواقع أنَّه خلال النزاع، تعرّض الجيش اللبناني إلى ضغوط داخلية أدّت في نهاية المطاف إلى انقسام جزئي في صفوفه. كذلك، لعبت القوى الطائفية وميليشياتها دوراً أساسيّاً في صوغ السياسة الداخلية والأمنية في لبنان. وعقب الحرب الأهلية، تحكّمت الهيمنة السورية بديناميكيّات العلاقة بين الدولة والمجتمع وكذلك بالديناميكيّات المدنية-العسكرية: كانت الأجهزة العسكرية والاستخباراتية السورية تدقّق في التعيينات الإدارية في مناصب الدرجة الأولى، وتحدّد توجّهات السياسة الخارجية اللبنانية، وتفرض سيطرتها على القوى السياسية الطائفية في البلاد، وتُبقي على الشبكات الوراثيّة المتجددة التي تخدم مصالحها. وبعد انسحاب القوات السورية من لبنان العام 2005، تمكّنت السياسة الطائفية اللبنانية من إعادة تأكيد أدوارها في رسم العلاقات بين الدولة والمجتمع والعلاقات المدنية-العسكرية. صحيح أن الجيش اللبناني لم يعد قوّة سياسية يُحسَب لها حساب بعد الحرب الأهليّة، لكن الطوائف المسيطرة في البلاد لا تثق بالمؤسّسات الحكومية التي لم تتمكّن من الاستيلاء عليها بالكامل عقب الانسحاب السوري.

لقد عمل الأفرقاء المختلفون جاهدين لاختراق الجيش والتأثير في توجّهاته، فبُذِلَت محاولات من هذا القبيل من جانب فريق 14 آذار/ مارس الموالي للغرب من 2005 إلى 2009، ثم من فريق 8 آذار/ مارس الموالي لسوريا وإيران منذ 2009. ففي المرحلة الأولى، هُمِّش الضباط الذين تدرّبوا في سوريا أو تجمعهم روابط بالقوى السياسية الموالية لسوريا أو شُجِّعوا على التقاعد. أما في المرحلة الثانية، فقد جرى تهميش الضباط الذين تلقّوا تحصيلاً علمياً عسكرياً في الولايات المتحدة (أو اشتُبِه بأنهم يدعمون واشنطن عقائدياً). وفي كلتا المرحلتَين، كان يتم استدعاء الضباط الذين يُعتبَرون من الخط العقائدي نفسه للحصول منهم على معلومات حول الديناميكيّات الداخلية للجيش، وكانت تُبذَل جهود حثيثة لترقيتهم على الصعيد المهني.

إزاء المشاحنات السياسية المستمرّة منذ العام 2005، يحاول الجيش جاهداً الحفاظ على معنوياته. هذا في حين تتفشّى المحسوبيات أكثر فأكثر، فيما يسعى الضباط الأقل كفاءة أو الذين لايتمتّعون بالمهارات الكافية للحصول على دعم النخب المتخاصمة من أجل تمديد مسيرتهم المهنية وضمان مستقبلهم. 

كذلك، يزداد الضباط المسيحيون (الذين يعتبرون أنفسهم العمود الفقري العقائدي والنوعي لسلك الضباط) إحباطاً: فبسبب الانقسامات بين القوى السياسية المسيحية، ليست لهؤلاء الضباط ارتباطات واضحة بنخب سياسية إقطاعية محدّدة، على النقيض من بعض نظرائهم السنّة أو الشيعة أو الدروز. فكما جاء على لسان ضابط مسيحي كبير: "ليس لدى هؤلاء مكان يقصدونه" مشيراً إلى إضعاف دور المسيحيين السياسي بعد الطائف، واستيائهم الواسع من السياسة المسيحية بعد الحرب، ورغبتهم في تعزيز دور الدولة. وبعيداً من الانقسامات الطائفية، يريد بعض الضباط أن يُعزَل الجيش بصورة أفضل عن السياسة وأن يؤدّي دوراً أكبر في نشر الاستقرار.

تولّد هذه الديناميكيّات مخاوف لدى مختلف الأطراف السياسية في لبنان من الدور الذي قد يؤدّيه في المستقبل جيشٌ لا تسيطر عليه طائفة واحدة، ويمكن أن يُستخدَم ذات يوم لكبح الاستقلال السياسي لهؤلاء الأفرقاء. نتيجة لذلك، انحسرت الجهود المدنية-العسكرية المشتركة بعدما فُقِد عامل الثقة، وخصوصاً في غياب التنسيق أو الدعم العابر للطوائف من أجل تطوير الجيش أو تعزيز موازنته أو تلبية حاجاته الدفاعية في المستقبل. وعلى الرغم من الطلبات المتكرّرة، لم يستطع الجيش اللبناني الحصول على تمويل ولو متواضع في الموازنة الوطنية لتطوير إمكاناته وشراء المعدّات اللازمة. كذلك، منعت القوى السياسيّة الجيش من تأدية دور ولو استشاري في النقاشات الرسمية حول الإستراتيجيّة الدفاعيّة الوطنية في سياق جلسات الحوار الوطني. وغالب الظن أن التحدّيات بعيدة المدى ستبقى معلَّقة في معظمها، بما في ذلك عسكرة الرعاية الاجتماعية ، وعدم امتلاك رؤية واضحة حول السبيل لمعالجة مشكلة التضخّم في سلك كبار الضباط، وغياب احتكار الدولة اللبنانية للسلطة العسكرية قياساً بحزب الله (أحد أسباب عدم القدرة على احتكار السلطة العسكرية هو النقص في التمويل).

وفي يومنا هذا، تفاقم الصراع على السلطة السياسية بين الشيعة والسنّة في لبنان، وخطر اندلاع نزاع مذهبي في سوريا، يزيد من هشاشة النظام اللبناني الذي يعاني أصلاً من الضعف، ويطرح تحدّيات أساسية تُهدّد الأمن الداخلي. وبالنظر إلى طغيان السياسة الطائفيّة، وطبيعة الجيش الذي يضم طوائف متعدّدة، وغياب الثقة بقوى الأمن الداخلي لدى الناس، لا بديل أمام الجيش اللبناني سوى العمل على بلوغ القاسم المشترك "الأقل سوءاً" ويقوم في شكل أساسي على حفظ السلم والحد من خطر التصعيد، ومن احتواء خطوط التصدّع الآخذة في الاتّساع بين الطوائف المختلفة عبر اكتفائه حصراً نشر وحدات عسكرية في الأماكن التي تشهد توترات، أي المناطق الساخنة التي تدور فيها مواجهات بين العلويين والسنّة في الشمال، والمجتمعات السنّية-الشيعية المكتظّة المتجاورة والمختلطة في بيروت، إلى جانب الاضطرابات بين أبناء الطائفة الواحدة كما هو حال القوى المسيحية المتناحرة.

لم يتمكّن لبنان، منذ نيله الاستقلال العام 1943 وماأعقبه من تفاقم للنزاع العربي-الإسرائيلي، من عزل نفسه عن النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، والتنافس غير المتكافئ بين إسرائيل وسوريا، ومؤخراً التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإيران. وفي مسألة عدم الاستقرار الذي تواجهه سوريا والتوغّلات العسكرية السورية في وادي البقاع، لا مفرّ أمام الجيش اللبناني من العمل جنباً إلى جنب مع الجيش السوري. وفي الواقع، معظم التقارير عن التوغّلات السورية في لبنان لم تشدّد بما يكفي على أنه لايزال يتعيّن على لبنان وسوريا الاتّفاق على ترسيم حدودهما النهائية. أما في الجنوب، فسوف يستمرّ الجيش اللبناني في المشاركة في مناقشات ثلاثية مع الجيش الإسرائيلي والأمم المتحدة. وعلى الرغم من بعض التحسينات العسكرية النوعية في القيادة والسيطرة، وكذلك القدرة على الإبقاء على أربعة ألوية أو أكثر جنوب نهر الليطاني، لايعدو الجيش اللبناني كونه مجرّد قوّة تدخّل سريع في بلاده. فإزاء إمكاناته الهجومية والدفاعية المحدودة والغياب المستمر للبنى التحتية الضرورية (الثكنات والمنشآت التدريبية)، يبقى الإطار الثلاثي الخيار الوحيد المتاح للحد من خطر اندلاع مواجهة جديدة بين إسرائيل وحزب الله على طول الخط الأزرق.

ثمة خطر حقيقي بأن تؤدّي الاضطرابات الإقليمية والانتفاضات الشعبية إلى تداعيات طويلة الأمد على الأمن وعدم الاستقرار في لبنان. فالتحدّي الذي يتعرّض إليه نظام بشار الأسد، الذي يسيطر عليه العلويون، وصعود قوى سياسية ذات غالبية سنّية كبرى في سوريا قد يمنحان زخماً للسنّة في لبنان ويزيدان من خطر سوء التقدير السياسي والعنف بين السنّة والشيعة. كما أن عدم الاستقرار السياسي في سوريا يؤدّي إلى تعاظم خطر اندلاع حرب بين إسرائيل وحزب الله. وتحمل التجربة اللبنانية دروساً صارخة لبلدان أخرى تشهد ضموراً في هيكليات الدولة وانقساماً بين قوى سياسية كبرى حول خطوط فئوية أو قبلية أو دينية خارج الدولة، ومنها العراق وفلسطين واليمن وأفغانستان.

آرام نركيزيان باحث مقيم لدى كرسي أرليه أيه بورك للشؤون الاستراتيجية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية حيث يتمحور عمله حول الشؤون العسكرية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يستند هذا المقال إلى مقابلات أجراها الكاتب مع كبار العسكريين اللبنانيين، وآخرها في أكتوبر/تشرين الأول 2011.

تُرجمت هذه المقالة من اللغة الإنكليزية.