انعقد مجلس النواب العراقي من جديد هذا الأسبوع ( يوم الثلاثاء، في 31 كانون الثاني/يناير 2012)، بعدما أنهت "كتلة العراقية" مقاطعتها البرلمانية، التي استمرّت شهرَين، احتجاجاً على ما اعتبرته اضطهاداً للمسؤولين السنّة وعلى مذكّرة التوقيف الصادرة بحق نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، وذلك على خلفية توجيه اتّهامات إليه بضلوعه في أعمال إرهابية. وفي الوقت الذي تتجه فيه الأزمة السياسية نحو الانحسار فيما يستأنف مجلس النواب نشاطه، سوف تتحوّل الأنظار كلها نحو مناقشات الموازنة السنوية وما ستكشفه عن فدرالية الدولة والتشنّجات الاقتصادية الراهنة في العراق.

بعد نحو عقد على تغيير النظام، لايزال الاقتصاد العراقي متقلّباً. فحتّى الآن، لم تُتَّخذ التدابير الاقتصادية الضرورية لتدعيم الاتفاقات السياسية، ولاسيما من خلال تطبيق سياسات إلغاء المركزية الإدارية بهدف معالجة التأثيرات السلبية التي خلّفتها برامج صدام حسين الاقتصادية في المحافظات، وكذلك بث الحيوية في الاقتصادات النائمة لهذه المناطق المضطربة. بيد أن الإجراءات التي طُبِّقَت حتى الآن كانت إما غير كاملة وإما أُهمِلت لاحقاً ولم تَجرِ متابعتها.

طوال ما يزيد عن أربعة عقود، انتهجت الحكومات العراقية سياسات اقتصادية تستند إلى استراتيجية الإدارة المركزية الحصرية وسيطرة القطاع العام، ما أدّى إلى إفقار باقي المناطق لمصلحة بغداد. وتشير خطة التنمية الوطنية للسنوات 2010-2014، إلى أن تحليل شامل لواقع الاقتصاد العراقي على المستوى العام وكذلك على الصعيدَين القطاعي والمكاني خلال الأعوام الأربعين المنصرمة، يكشف عن تفاوتات كبيرة بين العاصمة وبين باقي البلاد في المدارس، والرعاية الصحية، والبطالة، والإلمام بالقراءة والكتابة، والتنمية. لقد عمد النظام البعثي، من خلال تأميم المصارف وتجارة الجملة في ستّينيات القرن العشرين، إلى إجراء نقل منهجي للأرباح التجارية والأموال الاستثمارية من المحافظات إلى العاصمة. وبما أن العراق يستورد معظم المنتجات غير الزراعية – نظراً إلى أن نسبة الربح التجاري في هذه السلع لاتقلّ عادةً عن 15 في المئة – تمكّنت الحكومة المركزية من حصر الأرباح التجارية بالعاصمة، فحرمت المناطق من مصدر هام للادّخار والاستثمار كان يمكن توفيره في المحافظات. وتفاقم إضعاف المناطق أكثر فأكثر عندما غادرها روّاد الأعمال والعمّال الماهرون إلى بغداد بحثاً عن رواتب أعلى وفرص أفضل.

تعي الحكومة العراقية الحالية التفاوت بين العاصمة والمناطق والحاجة إلى نزع المركزية عن الإدارة الاقتصادية. وتدرك أنه من أجل اجتثاث جذور التململ السياسي في المحافظات، يجب بثّ النشاط والحيوية في اقتصاداتها. لقد أُحرِز تقدّم أساسي إلى حد ما على الورق: فإلى جانب إطلاق اقتصاد السوق الحرّة وإلغاء سيطرة القطاع العام على الاقتصاد، نصّ دستور العام 2005 على توزيع العائدات النفطية – أكثر من 48% من إجمالي الناتج المحلي و96% من إيرادات الحكومة – على المحافظات وفقاً لعدد السكّان، وإشراك حكوماتها في تخطيط موارد النفط والغاز في البلاد وإدارتها.

لكن على الرغم من أن الدستور حدّد الاختصاصات في السياسات، إلا أنه لايزال من الضروري توضيح آلية تطبيقها وإدارتها. فالدستور يذكر بوضوح الهدف من نقل السلطة إلى هيكليات حكومية فرعية، لكن الموازنات التشغيلية تخضع حالياً إلى سيطرة الحكومة المركزية، ولايزال تمويل إدارة الخدمات يمرّ عبر الوزارات المعنيّة. فضلاً عن ذلك، لم تحتفظ المنظومة المركزية بشكلها السابق وحسب (وهو كان يخدم النظام الديكتاتوري)، بل ازداد تأثيرها أيضاً: فقد ارتفع عدد الوزارات في الحكومة مثلاً من 20 إلى 38، حتى عندما كانت العاصمة تستقطب قدراً كبيراً من الإرهاب والعنف، وكان العمّال الماهرون والمتمرّسون يغادرون بغداد إلى المحافظات.

والأسوأ من ذلك هو أن الوزارات المركزية تبعت النموذج الخليجي عبر التعاقد مع جهات خارجية لتنفيذ المشاريع الاستثمارية، متجاهلةً بالكامل أن عدد السكّان في بلدان الخليج صغير مقارنةً بمواردها المالية الكبيرة، وأن هذه الدول مضطرّة إلى التعاقد مع الخارج بسبب أعدادها السكّانية المحدودة. أما العراق فيملك يداً عاملة كبيرة نسبياً، ناهيك عن أنها (في معظمها) إما مدرَّبة وإما يسهل تدريبها لتحقيق إنتاجية أكبر.

كما أن المنحى السلبي الذي سلكته السياسة ملموس في التغييرات بين خطّتَي التنمية الوطنية الأولى والثانية. لقد عبّرت خطة التنمية الوطنية الأولى (2005-2007) بصراحة عن عدد كبير من الحاجات الإنمائية الماسّة في البلاد، وأقرّت أن المركزية الاقتصادية تطرح إشكالية، فشجّعت بدلاً من ذلك على إنشاء خمسة مراكز إنمائية في المناطق لتحديد الأولويات الاستثمارية، والإشراف على تطبيق الموازنات الاستثمارية على مستوى المحافظات. لكن أُغفِلت النقاط التي تتعلّق بالمناطق، ولم تتشكّل المراكز الخمسة التي جرى تكريسها في وثيقة الخطة ووافق عليها مجلس الوزراء.

أما الخطة الوطنية الثانية (2010-2014)، فتخصّص أموالاً إضافية (12.5 مليار دولار أميركي) لمعالجة أوجه التفاوت بين المناطق، إلا أنها أسقطت فكرة إنشاء مراكز للتنمية وأسندت مسؤولياتها إلى مجالس المحافظات. لكن هذه المجالس تتألّف في غالبيتها من سياسيين ومحامين، وتفتقر إلى المهارات الفنّية والإدارية للاضطلاع بمهمّات استثمارية. علاوةً على ذلك، معظم المشاكل الإنمائية في المحافظات متعدّدة الأوجه، والسبيل الوحيد لمعالجتها بفاعلية هو اعتماد مقاربة شاملة، لكن التواصل محدود بين الوزارات المختلفة على الرغم من مركزية المنظومة الاقتصادية. حتى وزارة التخطيط، التي تشرف على التقيّد بمخصّصات الموازنة في الوزارات الأخرى، منظَّمة حول القطاعات.

خلاصة القول أنه كي تتمكّن كل منطقة من التعامل مع مشاكلها بصورة شاملة، عليها أن تحدّد أولوياتها التنموية وتقوم بمطابقتها مع استراتيجيتها الاستثمارية. ولذلك، من الضروري إنشاء المراكز الإنمائية التي نصّت خطّة التنمية الوطنية الأولى على إقامتها في المناطق.

زكي فتاح مستشار دولي في التنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط. عمل مستشاراً اقتصادياً لرئيس وزراء حكومة إقليم كردستان ومديراً لبرنامج التنمية الاقتصادية في منظّمة الإسكوا.