تحتفل ليبيا هذا الأسبوع بالذكرى الأولى لانطلاقة الانتفاضة في أجواء من الهدوء النسبي. بيد أن الصدامات العنيفة بين الميليشيات في الأسابيع القليلة الماضية كشفت عن الصعوبات التي تعترض الحكومة الانتقالية في سعيها إلى بسط سيطرتها على كامل أراضيها. في الواقع، رفضُ الثوّار تسليم أسلحتهم يزيد من تأزّم الأوضاع في ظلّ التحدّي الهائل الذي تواجهه البلاد، فهم يستخدمون حيازتهم للأسلحة تكتيكاً تفاوضياً للحصول على حصّة أكبر في عملية صنع القرارات في المرحلة الانتقالية، كما يستعملونها كوسائل عملية في الدفاع ضد المجموعات المنافسة. 

تخوض الميليشيات منافسة حامية في ما بينها. ويدور التنافس الأكبر بين الفصيلَين اللذين حرّرا طرابلس: سرايا سعدون السويحلي المؤلّفة من أبناء مصراتة، وكتائب الزنتان الخمس المنضوية في المجلس العسكري في غرب ليبيا. فالأولى تدّعي أن مساهماتها أكبر، كونها ضحّت بالآلاف من عناصرها إلى جانب إلقاء القبض على القذافي وإعدامه، في حين أن كتائب الزنتان – التي حرّرت النصف الغربي من المدينة – تملك كمّية أكبر من الأدوات الملموسة وتحتل بنى تحتية استراتيجية (مثل مرفأ طرابلس)، ما يتيح لها التفاوض على النفوذ. وقد وجد المجلس الوطني الانتقالي نفسه مضطراً إلى إرساء توازن بين المجموعتين الميليشياويتين إقراراً بمساهماتهما، فمنح وزارة الداخلية لقائد سرايا مصراتة، ووزارة الدفاع لقائد كتائب الزنتان.

ولايزال عشرات الآلاف من عناصر الميليشيات غير مقتنعين في هذه المرحلة بأن المصالح الفضلى للسلطات الوطنية تلتقي أيضاً مع مصالحهم، لاسيما وأن الشبهات تزداد حول شرعية المجلس الوطني الانتقالي وشفافيته. الثوّار قلقون من عودة أزلام القذافي، فقد أثار تعيين يوسف المنقوش رئيساً لأركان الجيش الوطني الليبي انتقادات لأنه كان ضابطاً برتبة عقيد ركن في ظل النظام القديم قبل تقاعده في العام 1999 وأيضاً لأن تم تعيينه دون اشتشار الميليشيات. وقد وجّهت الحكومة الانتقالية دعوات متكرّرة إلى نحو اثنتَي عشرة ميليشيا لإخلاء الأجزاء التي لاتزال تحتلّها في طرابلس. كما عاد عدد كبير من أبناء مصراتة إلى منازلهم، لكن أهالي الزنتان المدركين تماماً موقعهم التفاوضي، يرفضون العودة بشدّة. كذلك، نسّقت الميليشيات في ما بينها لتشكيل لجان بديلة عن المجلس الانتقالي، حيث أعلن هذا الأسبوع ممثّلون عن مئة ميليشيا في غرب ليبيا عن تشكيل اتّحاد فدرالي جديد.

لكن ثمة أيضاً العديد من المؤشّرات الإيجابية. فمعظم الخصومات بين الميليشيات ليست بهذه الحدّة، ويتوقّع كثرٌ أن تتبدّد التشنّجات بين المجموعات الميليشياوية عقب انتخاب مجلس تأسيسي وسلطة مركزية يعترف بها الجميع. كما أن وجود السلاح لايعني بالضرورة أنه لدى الميليشيات حاجة إلى استخدامه؛ فنظراً إلى أن الميليشيات موزَّعة في فصائل عدّة، لاتستطيع أي مجموعة إلحاق هزيمة حاسمة بالمجموعات الأخرى، ما يدفعها في شكل عام إلى النأي بنفسها عن العنف بدلاً من التحريض عليه. فقد سعت الميليشيات في شكل خاص (ما عدا الخلافات المعزولة حول مناطق النفوذ التي يبدو أنه لاعلاقة لها بالانتماءات القبلية) إلى توفير الأمن لمناطقها وعدم الإخلال به.

فضلاً عن ذلك، وعلى الرغم من أنه يجب تطوير استراتيجية شاملة وطويلة الأمد لنزع السلاح وإعادة الدمج، إلا أن هذه الاستراتيجية هي في طور التحقّق، ولو ضمن نطاق محدود وفي غياب التنسيق. وقد أثبتت محاولات المجلس الانتقالي الوطني جمع السلاح عدم جدواها، مع العلم بأنه نجح بحلول كانون الأول / ديسمبر2011 في نزع المدافع الكبيرة من المدن الرئيسة، مثل قاذفات الصواريخ الموضوعة في شاحنات "بيك أب" والتي احتلّت صورُها شاشات التلفزة. وتعمل مجموعات أهلية – لم يكن لها وجود قبل بضعة أشهر – على ردم الهوّة بين السلطة الانتقالية والميليشيات التي لاتثق بها. ففي طرابلس مثلاً، سجّلت إحدى المنظّمات ("ليبيا الحرة") ذات التمويل الخاص 1400 مقاتل من أصل نحو 17000 في العاصمة في شهر كانون الثاني/ يناير 2012 فقط.

كما أنَّ الوضع الإجمالي يتحسّن بدوره، إذ يتوافر المال بسهولة أكبر، وتُعِدّ السلطة الانتقالية العدّة لإجراء انتخابات تعتبرها غالبية الليبيين (بما في ذلك عناصر الميليشيات) بأنها الخطوة المقبلة نحو دولة موحَّدة. كما من شأن إقرار دستور أن يضفي شرعية على الدعوات إلى نزع السلاح. وفي حين لاتستطيع الحكومة في هذه المرحلة إجراء دمج فوري لعناصر الميليشيات الذين يُقدّر عددهم بين 120000 و200000 عنصر، في القوى العاملة الوطنية، سوف تتعزّز قدرة السلطات على تأمين وظائف للثوّار في القطاع المدني أو الأمني مع توقّف تجميد أصول الدولة، فضلاً عن توفير التدريب الوظيفي والتعليم لهم.

وتبقى تحدّيات ثلاثة أمام الحؤول دون وقوع فتنة داخلية: أولاً، يتعيّن على الحكومة إعداد استراتيجية وطنية واضحة وطويلة الأمد من أجل نزع شامل للسلاح. ثانياً، يجب أن تضبط حدودها الصحراوية الطويلة لمنع دخول السلاح. ثالثاً، يجب إقامة سلطة قضائية فاعلة لمحاكمة مَن يحتفظون بالسلاح بعد انتهاء المهلة المحدّدة لتسليمه.

وللنجاح في تحقيق هذه المهمة الأساسيّة، يجب وضع جداول زمنية واقعية ومرنة لنزع السلاح في المدى الطويل وتقويم الإمكانات المادّية لتنفيذها. إذا حدّدت الحكومة مهلة زمنية غير منطقية لتسجيل سلاح الميليشيات، فسوف تهتزّ سلطتها ولن تجد الميليشيات حافزاً لتسيلم سلاحها. ومهما بلغت فاعلية خطة نزع السلاح وتسريح العناصر الميليشياوية على مستوى المدن والبلدات، تبقى الحدود السائبة خطرًا قد يقضي على أي نجاح قد يتحقّق. فالحدود الكبيرة وغير المضبوطة أمنياً التي تملكها ليبيا مع بلدان الساحل الأفريقي، وتحديداً تشاد ونيجيريا والجزائر، أدّت إلى ظهور طرق لتهريب السلاح وسواه من البضائع غير قانونية، كما ورد في تقرير صادر عن بعثة تابعة للأمم المتحدة في ديسمبر 2011 وإذا بقيت الحدود خارج السيطرة لفترة طويلة، فسوف تتدفّق الأسلحة بحريّة تامة، والأسلحة التي يتم تسليمها في إطار برنامج نزع السلاح سوف يعاد شراؤها في السوق السوداء.

علاوةً على ذلك، ينبغي على الحكومة الليبية الجديدة أن ترسي أيضاً نظاماً قضائياً وقانونياً محترماً قادراً على تطبيق خطة للحد من حيازة الأسلحة. صحيح أن المجتمع الدولي يشارك في جهود نزع السلاح، إلا أنه يلفت في هذا السياق غياب أي انخراط مباشر من جانب الأمم المتحدة أو حلف شمال الأطلسي (الناتو) من خلال مهمة رسمية لحفظ السلام تتم في إطار بعثة الأمم المتحدة لدعم ليبيا (أونسميل). لكن من دون تفويضٍ تفرضه هيئات قانونية وأمنية، سوف يتعذّر مساءلة الحكومة والميليشيات على السواء إذا أخلّ أي من الطرفَين بتعهّداته بعد تسليم السلاح. فبما أن دور الـ"أونسميل" يقتصر على الدعم، قد لاتتقيّد الإجراءات الحكومية بالمعايير الدولية، وما يزيد من حدّة المشكلة هو أن ليبيا تفتقر إلى محاكم فاعلة.

نزع السلاح في أي سياق كان لا يقتصر على خفض انتشار الأسلحة، بل إنه عقد اجتماعي بين الشعب وحكومته. الاختبار الحقيقي لليبيا سيكون بعد الانتخابات في حزيران /يونيو عندما تُضطرّ الحكومة إلى الإقرار بالمجموعة الكبيرة من التحدّيات المطروحة أمام الاستقرار الطويل الأمد في ليبيا، ولعل أقلّها هو تفجّر الأوضاع العسكرية من حين لآخر. لكن الإدراك واسع الانتشار بأن التحريض على العنف يكبّد الميليشيات خسائر أكبر من تلك التي يتسبّب بها الابتعاد عنه، يجعل ليبيا حتى الآن دولة مستقرّة إلى حد ما في خضم المرحلة الانتقالية التي تشهدها.

يستند هذا المقال إلى بحث أجرته أماندا كادليك في ليبيا في ديسمبر/ كانون الاول كباحثة مساعدة في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت.

* ترجمت هذه المقالة من اللغة الإنكليزية.