يسود التناقض في تعامل المخيّلة المصرية مع الطائفة القبطية الأرثوذكسية. فالنخبتان المسلمة والمسيحية تصرّان على أن الأقباط ليسوا مجرد أقلّية، بل "مكوّن أساسي في النسيج الوطني". لكن عدداً كبيراً من المسيحيين - ولا سيما الأقباط الذين ينتمون إلى الطبقة العاملة ويقيمون في الأرياف- يواجهون تمييزاً موثّقاً وممأسساً. خلال العقود القليلة الماضية، حاولت الكنيسة معالجة هذه التناقضات عبر جعل التعبير عن الشجون السياسية للطائفة محصوراً بالبابوية وهرميتها - وقد أتيح هذا الاحتكار بفعل الروابط الوثيقة للكنيسة مع نظام مبارك، ومناشدتها أتباعها النأي بأنفسهم عن معارضة النظام. لكن منذ إطاحة مبارك، يعمل ناشطون أقباط شباب على إحداث تغيير جوهري في انخراط الطائفة على المستوى السياسي.

لم يكن التحالف بين الكنيسة والنظام بالأمر السهل. فقبل وصول مبارك إلى سدّة الحكم في العام 1981 مباشرة، وضع الرئيس السابق أنور السادات البابا شنودة في الإقامة الجبرية عقاباً له على تعبئة المشاعر القبطية ضدّه. ولم يصبح البابا داعماً أساسياً لنظام مبارك إلا في العام 1985 عندما "عفا" الأخير عنه. 

وإذ أراد مبارك الإيحاء بأن ثمة انسجاماً بين الأديان، منح الأقباط استقلالاً في إدارة شؤون الطائفة واعترف بشنودة ناطقاً باسم الكنيسة في الشؤون السياسية. وقد سُمِح لشنودة والأساقفة دون سواهم بأن يُقارِبوا النظام في سلسلة من المسائل الحسّاسة منها العنف المذهبي وبناء الكنائس والخلافات العائلية. وكانت تتم أيضاً استشارة البابا في أسماء الأقباط الذين يُعيَّنون في المناصب الحكومية والبيروقراطية.

وفي مقابل هذا الاستقلال الذاتي، منحت الهرمية القبطية دعمها للنظام، وشنّت حملات قوية لثني الناشطين الأقباط عن ممارسة ضغوط بصورة مستقلّة على النظام، وصولاً إلى تعليق الكهنة الناشطين عن ممارسة العمل السياسي، مثل الأب فيلوباتير، وهو كاهن من محافظة شبرا التي يقطنها أبناء الطبقة العاملة، بسبب الحملة التي شنّها لصالح حزب الغد المعارض في الانتخابات الرئاسية في العام 2005. إلى ذلك، بدا أن البابا والرئيس يُجمِعان على أنه من الأفضل معالجة المسائل القبطية خلف الأبواب الموصدة وبين النظام والنخب الكنسية.

لكن احتكار الهرمية للنشاط السياسي القبطي بدأ يتراجع خلال السنتين الأخيرتين من حكم مبارك، لاسيما بسبب تزايد أعمال العنف ضد الأقباط في العام 2009. في ذلك العام، شكّل ناشطون شباب مجموعة سياسية مستقلّة أطلقوا عليها اسم "أقباط من أجل مصر"، وتألّفت من شباب أقباط ينتمون إلى الطبقة العاملة. وقد دعت المجموعة إلى إضراب عام في رأس السنة القبطية، في 11 أيلول/سبتمبر العام 2009، احتجاجاً على عدم استعداد النظام لكبح العنف المذهبي، وعلى القوانين المجحفة التي تنظّم بناء الكنائس.

وعلى الرغم من أن الإضراب فشل في حشد دعم واسع، إلا أن اتهام النظام بالتساهل حيال أعمال العنف لقي أصداء لدى عدد كبير من أبناء الطائفة. 

كما أن عجز نظام مبارك عن حفظ التوازن في العلاقات المذهبية بما يحول دون وقوع أعمال عنف لاحقاً (مثل حادثة إطلاق النار في نجع حمادي في العام 2010، والتفجير الذي استهدف كنيسة القدّيسَين في الإسكندرية في العام 2011)، أقنع عدداً كبيراً من الأقباط بأن الأجهزة الأمنية متواطئة في العنف. واستمرّوا على موقفهم هذا على الرغم من أن الكنيسة القبطية كرّرت بعد تفجير الإسكندرية المعزوفة التي ردّدها النظام بأن الهجوم من صنع قوى خارجية تسعى إلى "زعزعة الاستقرار في البلاد". اعترض كثر من أبناء الطائفة على موقف الكنيسة الضعيف، وبعد تفجير الإسكندرية، هتف ناشطون في حركة "أقباط من أجل مصر"، إلى جانب متظاهرين أقباط مستقلّين، بشعارات مناهضة لمبارك في القاهرة والإسكندرية. وقد انتقدهم البابا علناً ونبّههم إلى وجوب التخفيف من لهجتهم لأن "الشعارات التي يستخدمها البعض تُخِلّ بكل القيم والأعراف السلوكية".

حافظت الكنيسة على دعمها لمبارك خلال الانتفاضة التي استمرّت 18 يوماً. فقد عارضت الاحتجاجات علناً، وبحسب عدد من الناشطين، كان المسؤولون الكنسيون يتحدّثون شخصياً مع المواطنين ويأمرونهم بملازمة منازلهم. يروي رامي كمال، أحد منظّمي حركة "أقباط من أجل مصر"، أن عدداً من قادة الكنيسة طلبوا منه شخصياً إبقاء مجموعته خارج ميدان التحرير. وفي الخامس من شباط/فبراير، دعا شنودة في مقابلة عبر التلفزيون الرسمي إلى "إنهاء الاحتجاجات"، وجدّد دعمه لنظام مبارك. لم تلقَ هذه النداءات آذاناً صاغية، وقد قال كمال وناشطون آخرون أنه على الرغم من "التقدير الشديد" الذي يكنّونه للبابا، إلا أنهم لايعتبرونه قائداً سياسياً؛ وأضاف كمال: "سأحتجّ ساعة أشاء. البابا هو زعيمي الروحي، وليس رجل سياسة".

أتاحت أزمة السلطة السياسية التي تسبّب بها سقوط مبارك (الذي شكّل مفاجأة حقيقية لقادة الكنيسة) مجالاً جديداً أمام الناشطين الأقباط للعمل خارج إطار الهرميات التقليدية. وبعد إحراق العديد من الكنائس القبطية في حي إمبابة في القاهرة في أيار/مايو العام 2011، أنشأت مجموعات قبطية ناشطة (بينها "أقباط من أجل مصر") "اتحاد شباب ماسبيرو"، الذي شكّل التحدّي الأساسي الأول لهيمنة الكنيسة السياسية منذ الانتفاضة. ولقيت رسالتهم أصداء لدى أعداد كبيرة من الشباب الذين شعروا بأن الهرمية الكنسية المتقدِّمة في السن لا تمثّل المصالح السياسية للأقباط كما يجب، وفي غضون شهر، فتح الاتحاد مكاتب في مختلف أنحاء مصر بما في ذلك في الإسكندرية وقنا. وفي أوّل تحرّك له، نظّم الاتحاد اعتصاماً أمام مبنى تلفزيون الدولة في ماسبيرو احتجاجاً على عدم استعداد الحكومة لمنع العنف ضد الأقباط.

لم تعارض الكنيسة الاعتصام في البداية، لكن في مطلع أيار/مايو، عقد سكرتير البابا، الأنبا يؤانس، خلوة مع اللواء عادل عمارة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة في كنيسة القديس مرقس واتّفق معه على إنهاء الاعتصام. يقول ناشطون إن الكنيسة طلبت من اتحاد شباب ماسبيرو فضّ الاعتصام والسماح للأساقفة بالتفاوض على تسوية مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة خلف الأبواب المغلقة. لكن بما أن عدداً كبيراً من أعضاء الاتحاد لم يكونوا يثقون بجنرالات مبارك، استمرّوا في الاعتصام ولم يفضّوه إلا بعدما اجتمع رئيس الوزراء عصام شرف بالمحتجّين وأكّد لهم أنه سيتم إقرار قوانين جديدة لمكافحة التمييز.

وقد شكّلت مقاومة الاتحاد لهيمنة الكنيسة السياسية التقليدية، تحدّياً جديداً ومباشراً للهرمية الكنسية.

لكن مع استمرار العنف المناهض للأقباط وتصاعد وتيرته بعد إطاحة مبارك، بات الاحتجاج القبطي العلني أمراً شائعاً. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2011، بعد إغلاق كنيسة عنوةً في صعيد مصر، نظّم ائتلاف من المجموعات القبطية الناشطة (بينها اتحاد شباب ماسبيرو) مسيرة من محافظة شبرا التي تسكنها الطبقة العاملة إلى مبنى التلفزيون الرسمي في ماسبيرو، حيث لقي 27 متظاهراً مصرعهم في المسيرة التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة. لكن على الرغم من المشاهد المصوَّرة التي ظهرت فيها الآليات العسكرية تدهس المتظاهرين المسالمين، أنكر الجيش أي مسؤولية عن الهجوم، لا بل حمّل الأقباط أنفسهم مسؤولية مهاجمة الجنود، وسرقة الشاحنات ودهس رفاقهم. قدّمت حادثة ماسبيرو فرصة مشروعة للكنيسة القبطية كي تعلن القطيعة مع المجلس الأعلى للقوات المسلّحة، لكن قادتها رفضوا تحميل الجيش "المسؤولية المباشرة" عن أعمال العنف، وألقوا اللوم على "المتسلّلين".

وقد أثار هذا الموقف - على الرغم من وجود أدلّة دامغة - سخط عدد كبير من أبناء الطائفة القبطية، وأدّى إلى تأجيج الحراك القبطي. وعندما حضر قادة عسكريون قداس عيد الميلاد في الكاتدرائية بدعوة من البابا شنودة، قاطع محتجّون الاحتفال بهتافات "فليسقط الحكم العسكري". وفي 11 شباط/فبراير، تحدّى اتحاد شباب ماسبيرو تصريحات البابا العلنية، وشارك في إضراب عام للمطالبة بتنحّي المجلس الأعلى للقوات المسلّحة. وقبل الانتخابات التشريعية، أسّس الناشط القبطي مايكل منير (الذي انتقد رفض الكنيسة دعم الاحتجاجات في ميدان التحرير) حزب الحياة السياسي الموجّه خصيصاً نحو الأقباط. وعلى الرغم من فشل الحزب في الفوز بمقاعد في مجلس الشعب، شكّل تأسيسه تحدّياً كبيراً لموقف الكنيسة المعارض لإنشاء أحزاب سياسية قبطية. 

والأهم هو أن حادثة ماسبيرو أظهرت أن الهرمية الكنسية ليست مستعدّة بعد للقطيعة مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، على الرغم من أعمال العنف الواضحة للعيان. في الواقع، يتنافس عدد كبير من الأساقفة للحلول مكان شنودة الذي تقدّمت به السنون (ويقال إنه مريض جداً)، وقلّة منهم مستعدّون للمجازفة بخسارة دعم الجيش فيما يطمحون إلى الفوز بالبابوية.

بيد أن الكنيسة لا تقدّر تماماً حجم الأضرار التي تلحقها هذه الروابط مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعلاقتها مع الشباب. ففيما يرفع الناشطون الأقباط التحدّي، قد تجد الكنيسة أنه يتعذّر عليها احتواء أتباعها. في هذا السياق، يقول رامي كمال إن السبيل الأفضل للمضي قدماً هو في أن تدع الكنيسة المناورات السياسية جانباً وتنقذ دورها الروحي. أو كما قال لي، "يجب أن ننقذ الكنيسة من نفسها".

آفي أشر-شابيرو صحافي مقيم في القاهرة وحائز على منحة فولبرايت الأمريكية للعام 2011-2012، وصحافي مقيم في القاهرة.