تلجأ القبائل في سيناء إلى المقاومة القتالية الأكثر علنية في ظلّ الانتفاضة المصرية. ما هي أسباب النزاع والحلول الممكنة؟ عقب انهيار نظام مبارك، تم إيلاء اهتمام متزايد للوضع الأمني الهشّ في سيناء. غير أنّ أعمال العنف الأخيرة بين القوات التابعة للدولة والسكّان البدو ليست بجديدة؛ فالهجمات على البنى التحتية الحكومية وعمليات خطف المسؤولين الأمنيين تحدث منذ ثمانينيات القرن الماضي، ردّاً على سياسات الدولة من القمع والتهميش. بيد أن الانتفاضة المصرية أضعفت إلى حدّ كبير قدرة الدولة - أو ربما استعدادها - على مواصلة سياسة القمع. ففي ظلّ الفراغ الذي خلّفتهُ السلطة، يلجأ البدو إلى أشكال من المقاومة القتالية تزداد جرأةً وعلنية. فما هي الدوافع الكامنة خلف هذا العنف وما هي الحلول الممكنة؟

تركّزت أعمال العنف في شكلٍ أساسي في محافظة شمال سيناء. نظراً إلى أن التقسيم الإداري بين الشمال والجنوب يستند إلى التقسيمات القبلية - فحدود الجنوب تلتقي إلى حدّ كبير مع الحدود التقليدية لقبيلة الطورة، وحدود الشمال مع حدود قبيلتَي التياها والترابين - اعتبر كثرٌ أن الاختلاف في درجات العنف مرتبط بالانقسامات القبلية. لكن الاقتصاد وليس الانشقاقات على أساس الهوية، هو الذي يقف خلف المتغيّرات في درجات العنف.

واقع الأمر أن بعد انسحاب اسرائيل من شبه جزيرة سيناء، استهدفت المشاريع الإنمائية (التي أطلقها المسؤولون المصريون والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في إطار رزمة المساعدات المالية الأمريكية عقب اتفاق كمب ديفيد) السياحة في الجنوب، والعمل الزراعي والصناعي في الشمال، بالاستناد إلى الموارد ونقاط القوة الجغرافية التي تتمتّع بها كل منطقة، أي الأراضي الخصبة في الشمال، والنفط والترسّبات المعدنية في الغرب، والشعاب المرجانية والمعالم البيئية في الجنوب الشرقي. وفي كل الحالات، لم تَجْرِ استشارة السكّان البدو.

في الشمال، لطالما اشتكى البدو من إقصائهم عن المشاريع الزراعية والصناعية، وقد ألحق تطوير قطاعَي الزراعة والصناعة، بتمويل من الدولة، أضراراً شديدة بالمحاولات التي يبذلها أبناء القبائل للحفاظ على اكتفاء ذاتي اقتصادي. كما يشتكي البدو باستمرار من تعرّضهم إلى الضرب والتوقيف اعتباطياً، ويعلّلون لجوءهم إلى العنف بأنه السبيل الوحيد لمواجهة سياسة القهر التي تمارسها الدولة بحقّهم. وغالباً ما يردّ أبناء القبائل على الاعتقالات في صفوفهم باقتحام المنشآت الأمنية، وخطف مسؤولين أمنيين، ثم الإفراج عنهم مقابل إخلاء سبيل أفراد عائلاتهم الموقوفين. وكذلك، يردّ البدو على تدمير الدولة لممتلكاتهم بشنّ هجمات على البنى التحتية، ولعل تفجير خط أنابيب الغاز المصري-الإسرائيلي مؤخراً يندرج في هذا الإطار (إلى جانب اعتبارات أخرى).

وفي الجنوب، ترفض الحكومة باستمرار مطالب البدو التقليدية في ما يتعلّق بحصّتهم من الأراضي والموارد وحقوق الاستفادة، في محاولة لإبعادهم عن الأراضي المربحة التي يسعى المتعهّدون في الصناعة السياحية إلى الاستيلاء عليها. لكن نظراً إلى طبيعة هذه الصناعة، من النادر أن يتحوّل النزاع في الجنوب إلى عنف مفتوح. فقد تمكّن البدو في جنوب سيناء من اقتطاع حصّة لهم داخل هذا القطاع، إذ أتاحت لهم قدرتهم على تشغيل الاقتصادات السياحية غير النظامية، تجاوزَ الضوابط المعتادة التي تفرضها الدولة والمنتجعات متعدّدة الجنسيات. فضلاً عن ذلك، تعتمد السياحة في سيناء إلى حدّ كبير على الاستقرار السياسي، ولذلك من شأن أي اضطرابات يتسبّب بها البدو أو الدولة أن تضرّ بالمصالح الاقتصادية للطرفَين. فالنزاع لم يظهر قط إلى العلن ما دامت السياحة مستقرّة.

وقد تمكّن البدو في الجنوب أيضاً من الإفادة من التهريب - ولاسيما نقل المخدّرات إلى وادي النيل الذي لطالما كان نشاطاً موثّقاً في الاقتصاد المحلّي. فمنذ فرض حدود بين غزة والعريش في مطلع القرن العشرين، يمرّ التهريب في شكل أساسي عبر الجنوب. ونظراً إلى أن البدو في الجنوب يتمتّعون الآن بفرص اقتصادية أكبر نسبياً، يسهل أن نفهم بعض الدوافع وراء تواطؤ بدو الشمال في عمليات التفجير التي استهدفت منتجعات سياحية في الجنوب في مطلع القرن الحالي.

إلاّ أن مظاهر العنف الأحدث في محافظة جنوب سيناء لم تَعُد مدفوعةً بالاستياء الشمالي من الازدهار الذي تشهده المنطقة. فقد أبدت القبائل الجنوبية منذ الانتفاضة - التي أدّت إلى تعطيل السياحة في مختلف أنحاء البلاد - دعماً متزايداً لأساليب المقاومة الأكثر دراماتيكية. والأمثلة الأحدث عن هذه المقاومة - خطف سياح أمريكيين وكوريين، وسيطرة مسلّحين من القبائل على منتجع "أكوا صن" الساحلي - هدفت إلى تحدّي سلطة الدولة بصورة علنية ومحرجة أكثر منه إلى التسبّب بالدمار. وسرعان ما عبّر أبناء القبائل عن مظالمهم ومطالبهم ولمسوا تجاوباً؛ فقد صوّروا الهجمات بأنها ردّ على اعتقال أفراد من عائلاتهم بهدف "تبادل الرهائن" إلى جانب الاحتجاج على إبعادهم عن الأراضي التي يعتبرون أنها جزء من حوزتهم. وفي مراعاة للقيم القبلية، لم تهدف هذه الهجمات إلى التسبّب بأذى جسدي (تفرض قيم الشرف والضيافة التي يتقيّد بها البدو تقليدياً معاملةَ الغرباء بعدل وإنصاف)، كما أن عدم سقوط ضحايا (أُطلِق سراح الرهائن بسرعة من دون أن يصابوا بأي أذى) يدحض الاتّهامات التي تناقلتها وسائل الإعلام على نطاق واسع بأن الهجمات من تنفيذ متمرّدين على صلة بتنظيم القاعدة، فالعمليات التي ينفّذها هذا التنظيم تنتهي على الدوام تقريباً بحمام دماء.

يقودنا هذا إلى إعادة النظر في التفجيرات التي شهدتها مناطق طابا ودهب وشرم الشيخ على ضوء الاضطرابات الحالية. فقد ذكرت التقارير أن هذه الهجمات هي من تنفيذ بدو من شمال سيناء بالتعاون مع مقاتلين إسلاميين يتحرّكون في شبه الجزيرة، إلا أننا نلاحظ أن نمطها شبيه بالعنف الإسلامي في الداخل المصري، ولا سيما مجزرة الأقصر في العام 1997 (حيث لقي 65 سائحاً مصرعهم)، وتفجير سوق خان الخليلي السياحي في القاهرة في العام 2009. فقد استهدف التفجيران رموزاً للتعاون مع الغرب (معالم سياحية ومركز للتسوّق) ونُفِّذا بطريقة تهدف إلى التسبّب بسقوط أكبر عدد من الضحايا في صفوف المدنيين. كما تبدو الاختلافات في الأساليب والأضرار واضحة جداً بالمقارنة مع مظاهر المقاومة الأخيرة، وتسلّط الضوء على الفارق بين أشكال المقاومة القبلية والعنف الإسلامي. فعمليات الخطف والسيطرة على المنتجعات في سيناء تهدف إلى التعبير عن مظالم اقتصادية، وهذه الأنواع من الهجمات في الشمال والجنوب هي ردّ على سياسات التهميش التي تتّبعها الدولة، فهم يستخدمون "المفاوضات على الرهائن" وصورة الدولة في الخارج من أجل الإفراج عن أبناء القبيلة.

بيد أن الخط الفاصل بين المقاومة القبلية والإرهاب الإسلامي ينهار بسرعة في الشمال. وإخفاق الدولة في التمييز بين الأمرين يؤدّي إلى عقوبات جماعية تفرض أنواع العقاب نفسها على مختلف أشكال العنف - سواء كانت أعمالاً إرهابية أم مجرد حوادث إجرامية معزولة - ما يؤدّي إلى تعاظم الاستياء القبلي ويدفعهم نحو أشكال من العنف أكثر دموية من التمرّد القبلي التقليدي مما يزيد من تأجيج هذه المشكلة.

فضلاً عن ذلك، إن التقدّم (الملحوظ) الذي سُجِّل في أعقاب الربيع العربي نحو تحقيق اندماج أكبر (ولو ضعيف) في دلتا النيل، لا نجد له أي أثر في سيناء. وقد جاءت الاتّهامات بممارسة التزوير الانتخابي على نطاق واسع وعدم احتساب أصوات البدو، إثر هزيمة المرشّحين القبليين في الانتخابات الأخيرة - ولاسيما المرشّحين التابعين لقبيلتَي القراشة والمزينة في الطور، عاصمة جنوب سيناء - لتعزّز شعور البدو بالإقصاء. وبلغت التشنّجات ذروتها في كانون الثاني/يناير الماضي مع إضرام النيران في مركز الانتخابات وحرقه، وفي تطوّر نادر، اندلعت صدامات مفتوحة بين أبناء القبائل ورجال الأمن في الجنوب.

لكن الأحداث الأخيرة تشير إلى أن الجيش قد يكون مستعدّاً لمعالجة هذه المظالم بصورة مباشرة. ففي الأشهر القليلة الماضية، عفت الإدارة العسكرية عن عدد من أبناء القبائل المُدانين بجرائم مختلفة في شمال سيناء، وذلك في محاولة واضحة لتبديد مشاعر الغضب لدى البدو. لكننا لانعلم إذا كان الهدف من هذه الخطوة الحؤول دون وقوع هجمات في المستقبل ونزع فتيل الصراع، أو إذا كانت الإدارة العسكريّة قادرة فعلاً على منع حدوث هجمات في المستقبل. لكن في مختلف الأحوال، إنّ إبداء الجيش استعداده للنظر في مقاربة مختلفة للأمور، بعدما ثبتت عدم فعالية العمل العسكري، يُعتَبَرُ مؤشّراً مشجّعاً.

لكن في ظلّ غياب الخطط لتحسين الظروف الاقتصادية، تبقى شكوى البدو الأساسية من الدولة قائمة.  أمام مصر فرصة هامة جداً كي تعيد تعريف حدود الدولة، وتجعل المجموعات التي كانت مهمَّشة في السابق تنخرط من جديد في الحياة الوطنية. لكن يبقى أن نرى ما إذا كان المسؤولون سيعالجون هذا النزاع أم سيستمرّون في استخدام قبضتهم الحديديّة، التي هي في الواقع قبضة فارغة.

جوشوا غودمان طالب دكتوراه في كلية العلوم السياسية في جامعة ييل، يبدي اهتماماً في أبحاثه وكتاباته بالصراع الاجتماعي والمدني في الشرق الأوسط. غودمان حائز على شهادة ماجستير في التاريخ من جامعة تل أبيب حيث درس العلاقات بين القبائل والدولة، والهويات القبلية في جنوب سيناء.