في الثالث من شباط/فبراير 2012، استقالت شهيرة أمين مذيعة الأخبار البارزة ونائب الرئيس السابق في تلفزيون النيل، معلِّلةً استقالتها برفض القناة تغطية الاحتجاجات في ميدان التحرير، متَّهِمةً إيّاها بالوقوف إلى جانب حكومة مبارك. ومنذ انتقاد أمين علناً للجهة التي كانت تعمل لديها، حذا حذوها صحافيون آخرون يعملون في التلفزيون الرسمي. فمقدِّمة البرامج التلفزيونية هالة حلمي لم تظهر على الهواء منذ 25 كانون الثاني/يناير 2011، وقد شاركت في تأسيس "جبهة ثوّار الإعلام"، وهي واحدة من مجموعات عدّة ناشئة تحتجّ على تواطؤ الصحافة مع السياسات الإعلامية للدولة. في شباط/فبراير الماضي، ساعدت هذه المجموعات على تنظيم احتجاج نفّذه عشرات الصحافيين والمنتجين في الإعلام الرسمي خارج مكتب وزير الإعلام، اللواء أحمد أنيس، وقد هتفوا بشعارات مثل "شالو أنس وجابو أنيس..نفس الكذب والتدليس!" و"يا وزير إعلام العسكر..ارحل بره على المعسكر!"

ركّز النقّاد على إصلاح التلفزيون الرسمي ولم يولوا اهتماماً كبيراً لإصلاح الصحافة المكتوبة التابعة للدولة. لكن الإعلام المكتوب يتغيّر أيضاً من دون الحاجة إلى كلام طنّان مثل تصريحات حلمي وأمين؛ فنقابة الصحافيين (التي تتألف من صحافيين ينتمون إلى الإعلام المكتوب) تزداد انتقاداً للنظام منذ انتخاباتها الأخيرة، وتغطية الصحف الرسمية لأخبار المجلس الأعلى للقوات المسلحة تصبح أكثر انتقاداً ولو بحذر. صحيح أنه لايزال من المبكر جداً افتراض روابط مباشرة بين تصريحات النقابة والتغييرات في التغطية في الصحف الرسمية، إلا أنه من الهام النظر إلى الأمرين  كجزء من عملية أوسع نطاقاً لإصلاح جهاز الإعلام الرسمي.

قبل الانتفاضة المصرية، كان انتماء الإعلام الرسمي واضحاً. كتب إيساندر العمراني في العام 2005 أن الصحف الرسمية الثلاث الأساسية - الأهرام (أقدم صحيفة باللغة العربية في مصر)، والجمهورية (التي أسّستها حكومة عبد الناصر)، والأخبار - لاتتمتّع بالكثير من الحرية التحريرية، و"تُدار مثل أدوات للتعبئة العامة، هدفها الأساسي تبرير سياسات النظام وشرحها وتأييدها". خلال الانتفاضة، تحوّلت الصحف الحكومية الثلاث من دعم مبارك إلى دعم الانتفاضة. لكن في الأشهر اللاحقة، تخوّفت الصحف الرسمية من أن يؤدّي نشر روايات عن دور الجيش في مقتل المتظاهرين، إلى عمليات انتقامية من المجلس الأعلى للقوات المسلحة. واكتسبت هذه المسألة أهمية خاصة على ضوء التغطية الواسعة لحادثتين خطرتين أثارتا غضب الجماهير من الحكومة العسكرية: أعمال العنف في ماسبيرو في تشرين الأول/أكتوبر 2011، وأعمال الشغب التي وقعت خلال مباراة كرة القدم في بور سعيد في شباط/فبراير الماضي. تُظهر تغطية الصحافة الرسمية لهاتين الحادثتين اللتين تفصل بينهما أربعة أشهر تقريباً، تحوّلاً طفيفاً في سياسة التحرير للصحف المدعومة من الحكومة، وتقدّم التغطية في صحيفة الأخبار مثلاً واضحاً وذي مغزى عن التحوّل في مشهد الانتقادات التي يُسمَح بتوجيهها إلى قيادة البلاد، والتي اقتربت كثيراً من تبنّي رواية توجّه أصابع الاتهام والمسؤولية إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة في الأشهر الأخيرة.

وعقب أعمال العنف في ماسبيرو، أوردت صحيفة الأخبار في عددها الصادر في 10 تشرين الأول/أكتوبر أن المتظاهرين، وليس الجنود، هم الذين قادوا آليات عسكرية ودهسوا بها الحشود؛ وأن المدنيين "هاجموا الشرطة العسكرية بالمناجل وقنابل المولوتوف"، حتى أنها وصلت إلى حدّ الاستشهاد بالبيانات العسكرية التي وصفت المحتجّين بأنهم "عصابات تحاول القضاء على الثورة". إلا أن الشهادات الخاصة ومقاطع الفيديو التي نُشِرَت على موقع "يوتيوب" الإلكتروني تبرّئ إلى حدّ كبير المحتجّين من التحريض على العنف. وبعد يومين من الحادثة، قال اللواء عادل عمارة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة للمراسلين في مؤتمر صحافي أن الجنود هم مَن قادوا الآليات العسكرية، مع أنه أضاف أنه يعتقد أن الضحايا سقطوا بسبب محاولة الجنود الفرار، وليس بفعل خطة مُعَدّة عن سابق تصوّر وتصميم. إذن، هبّت صحيفة الأخبار فوراً للدفاع عن القادة العسكريين مع العلم بأن هؤلاء لفّقوا بدورهم قصّة مختلفة كلياً عن تلك التي نشرتها الصحيفة.

وفي اليوم الذي تلا أعمال الشغب في بور سعيد، كانت رواية الصحيفة للأحداث أكثر تروّياً بكثير، فقد استخدمت عنواناً رئيساً محايداً باتّزان، هو "كارثة في ملعب بور سعيد". فالصحيفة التي تمسّك محرّروها بنشر رواية تعفي الجيش من المسؤولية في تشرين الأول/أكتوبر بعد حادثة ماسبيرو - حتى تحت طائلة نشر روايات مناقضة للتصريحات التي صدرت عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعد بضعة أيام - ذهبت بعد حادثة بور سعيد إلى حدّ الاستشهاد بكلام سمير زاهر، رئيس اتحاد كرة القدم المصري، الذي اتّهم المجلس الأعلى للقوات المسلحة بالتواطؤ: "رأيت جنوداً مسمّرين في أماكنهم، لايتحرّكون، ولايتدخّلون، ولايرون ولايسمعون شيئاً. أين كانت القوات المسلحة التي تكون عادةً حاضرة في مثل هذه الأحداث؟" ولم تبدأ "الأخبار" بتأييد الروايات التي روّجت لها صحيفتا "الأهرام" و"الجمهورية" إلا يوم الأحد، أي بعد أيام من الحادثة، والتي أوردت أن أشخاصاً مسجونين كانوا ينتمون إلى النظام السابق هم الذين خطّطوا لأحداث بور سعيد، حيث جاء في العناوين الرئيسة: "نائبان وضابط شرطة وصديق لجمال مبارك متورّطون في بور سعيد".

ما الذي حصل بين حادثتَي ماسبيرو وبور سعيد، والذي قد يفسّر هذا التحوّل؟ في البيروقراطية الكبيرة والمعقَّدة لمنظومة الصحف الرسمية، يصعب تحديد أسباب ونتائج مباشرة، لكن من الصعب أيضاً تجاهل انتخابات نقابة الصحافيين المصريين التي تؤدّي دوراً أساسياً في هذا المجال. بعد وقت قصير من حادثة ماسبيرو، حصلت تعبئة في النقابة في 26 تشرين الأول/أكتوبر لتنظيم أول انتخابات لها منذ استقالة مكرم محمد أحمد، رئيسها في عهد مبارك، في أواخر شباط/فبراير - وكانت هذه أول انتخابات تجريها خارج نفوذ الحزب الوطني الديمقراطي. يقول خالد الداود من صحيفة "الأهرام ويكلي" إن حكومة مبارك كانت تدعم في معظم الأحيان مرشّحاً واحداً وتلجأ إلى "الغش القانوني"، فتعلّق التصويت وتعمد إلى زيادة رواتب الصحافيين من أجل وصول مرشّحها المفضّل إلى الرئاسة. لكن المرشّحَين الأساسيين في الانتخابات الأخيرة كانا يحيى قلاش (الذي حصل على الدعم من الليبراليين والناصريين)، وممدوح الولي، نائب رئيس تحرير الصفحة الاقتصادية في صحيفة "الأهرام". وقد اعتقد كثر أن الأخير مرتبط بالإخوان المسلمين، لكنه نفى مراراً وتكراراً أن يكون مرشّح الجماعة. أما الإخوان المسلمون فقد وصفوه بـ"الحليف"، وأيّدوا فوزه علناً في بيان عبر الإنترنت.

شدّد كل من قلاش والولي على "حرية التعبير" في تصاريحهما قبل الانتخابات، وقد رحّب المدوّنون والصحافيون بانتخاب الولي رئيساً لنقابة الصحافيين، معتبرين أنه يشكّل محطّة أساسية في تاريخ الصحافة في البلاد، ولفت كثرٌ إلى أن الصحف المملوكة من الدولة قد تنأى بنفسها عن رغبات النظام الحاكم في ظل نقابة أكثر استقلالية. وبعدما أقرّ الإخوان المسلمون بخسارة الانتخابات (قدّموا خمسة مرشّحين، ولم يَفُز سوى واحد منهم)، أصبح واضحاً أن الولي ليس مديناً بالفضل للجماعة على الرغم من أنها اعتبرته حليفاً لها.

بعد الانتخابات مباشرةً، بدأت نقابة الصحافيين تصدر بيانات تتعارض مع التزاماتها السياسية السابقة حيال النظام؛ ففي 16 تشرين الثاني/نوفمبر، شجبت المحاكمات العسكرية للمدنيين، وفي 21 تشرين الثاني/نوفمبر، سلّطت الضوء على حوادث شملت اعتقال صحافيين مستقلّين ومدعومين من الدولة على السواء، والاعتداء عليهم في الإسكندرية. ولاحقاً في 13 ديسمبر/كانون الأول، استنكرت النقابة اعتقال مراسلتَين في صحيفة "الفجر" (اليومية المستقلّة) بتهمة "انتهاك خصوصية" رجل دين مسلم. قال الولي "لن نؤدّي دور المتفرّجين على اعتقال الصحافيين"؛ ودعا إلى إقرار قوانين جديدة تجيز للنقابة - عوض النائب العام - أن تكون مسؤولة عن تأنيب الصحافيين الذين ينتهكون آداب المهنة مضيفاً "ليس منطقياً أن يُسجَن الصحافيون بعد الثورة التي جاءت للمطالبة بالحريات في المقام الأول".

وقد تمكّن الولي، من خلال مثل هذه التصريحات، من التأثير في النقاش العام على الرغم من أنه لايُعرَف بعد ما هو حجم التأثير الذي ستمتلكه نقابة الصحافيين في حال تصادمت مع رغبات الإخوان المسلمين، الذين يشكّلون حالياً الغالبية في مجلس الشعب وفي قيادة النقابات المهنية الأخرى (نقابة المحامين، والمهندسين، والأطبّاء، إلخ.). فضلاً عن ذلك، وعلى الرغم من أنه لم يَعُد بالإمكان الافتراض بأن الصحافيين العاملين في الإعلام الرسمي سوف يتقيّدون بالرواية الحكومية بحذافيرها، إلا أن مراسلي الصحف الرسمية أمضوا عقوداً في ممارسة نوع من الصحافة يدعم سياسات قادة البلاد ويعيد تأكيدها. بيد أن نشاط صحيفة "الأخبار" مؤخراً والثقة الجديدة بالنقابة يؤشّران إلى بدايات صغيرة - إنما هامة - للتغيير في الصحافة الرسمية.

موريس شماع كاتب مقيم في القاهرة وحائز على منحة فولبرايت الأمريكية للعام 2011-2012. يعمل شماع أيضاً مراسلاً في صحيفة "ديلي نيوز المصرية"، وله مدوّنة تحت اسم Adrift on the Nile. 

* تُرجمت هذه المقالة من اللغة الإنكليزية.