ثلاث قراءات لتفسير ترشيح خيرت الشاطر لانتخابات الرئاسة المصريّة:

الأولى تعتبر أنها صفقة قد تتضمن خيرت الشاطر كمرشح توافقي؛ والثانية ترى أنها مناورة من الإخوان وتبادل مصالح مع العسكر من دون وجود رهان رئاسي حقيقي على الشاط؛ فيما بحسب القراءة الثالثة، يأتي ترشيح خيرت الشاطر كتعبير عن توتر وتصعيد حقيقيَّين نتيجة لتأزم مسار التفاوض بين الإخوان المسلمين وبين المجلس العسكري، ونتيجة لأسباب داخلية لدى الإخوان. 

أنا أميل إلى القراءة الثالثة.

القبول بفرضية الصفقة أو المناورة، فيه قدر كبير من السذاجة والسطحية وعدم الإلمام بطبيعة خيرت الشاطر ومايمثّله داخل الإخوان كمركز ثقل مركزي وقوة تنظيمية وتحكّمية كبيرة، قامت بضبط تنظيم الجماعة عبر شبكات متقاطعة من الولاءات الجهوية والعائلية والتمويلية. فهو ليس كرئيس مجلس الشعب المصري محمد الكتاتني أو كرئيس حزب الحرية والعدالة وعضو مكتب الإرشاد في جماعة الإخوان المسلمين سابقاً محمد مرسي، حتى يقبل الإخوان بحرقه والتضحية به في مناورة لتحقيق مكاسب جزئية مثل تفتيت أصوات الإسلاميين لصالح العسكري، كما يقول البعض.

والمرشح التوافقي بالنسبة إلى العسكر هو إما رجل من داخل الدولة العميقة (عمر سليمان نموذجاً) أو على الأقل رجل دولة غير مرتبط بعالم الإسلاميين (عمرو موسى نموذجاً). وبالفعل خيرت الشاطر رجل براغماتي ومحافظ وله حيثيّته داخل شبكة المصالح الإقليمية والمحلية، لكنه يبقى في إطار التحليل الأخير - من وجهة نظر الدولة العميقة - قادماً من خارجها. وبالرغم من كل التماهيات والتفاهمات بين العسكر وبين الإخوان، يجب ألا نقلل من أهمية الاختلافات النابعة من تباين طبيعة التنظيم والموقع من جهاز الدولة والتصورات بخصوص علاقة الدولة والمجتمع وطبيعة الإصلاحات الاقتصادية المرجوّة. قد يقبل العسكر بحليف إخواني داخل التركيبة السياسية الجديدة، لكنه لن يقبلوا به على رأسها. واقع الأمر أنَّ الرئيس الذي يريده العسكر هو رئيس موالٍ بشكل واضح، وإذا تعذّر ذلك، فالخيار الثاني هو القبول بأي رئيس فائز (مع استثناء حازم أبو إسماعيل تحديداً)، لكن على أساس التعامل معه كرئيس شبح لايمتلك سلطات حقيقية وقدرة على التأثير والتحكم، فيمارس العسكر سلطتهم من وراء الستار. وخيرت الشاطر لايصلح لأي من الوظيفتين.

ماحدث مؤخراً بين الإخوان وبين العسكر هو تعبير عن تأزّم مسار التفاهمات السابقة بخصوص الحدود التي يجري رسمها بين دولة العسكر العميقة وبين وجود الإخوان داخل التركيبة السياسية الجديدة. 

ثلاث مسائل رئيسة يمكن أن تُطرَح:

أولاً، موضوع الوصاية العسكرية على شؤون الأمن القومي، عبر مايُسمّى بمجلس الأمن الوطني؛ وثانياً سلطات الرئيس في الدستور، ثم هيكل السلطة التنفيذية، حيث يصرّ العسكر على أن تكون السلطة التنفيذية الحقيقية للرئيس؛ وأخيراً هوية هذا الرئيس "العسكري التوافقي الموالي" القادم. الإخوان قد يتنازلون في المسألة الأولى، لكنهم يمانعون في الثانية والثالثة، خاصة بعد أنباء ترشّح عمر سليمان، الذي لن يقبلوا به طوعاً أبداً نظراً إلى تاريخ انعدام الثقة بينه وبينهم. وعلى عكس مايتصوّره الكثيرون، جاء ترشّح خيرت الشاطر كردّ فعل استباقي لترشيح اللواء عمر سليمان، الذي تردّدت الأقاويل شبه المؤكّدة عن حتمية ترشّحه؛ وما ساعد على هذا اليقين بترشّح سليمان، تزايد نشاط حملته الانتخابية غير الرسمية في جمع التوكيلات الشعبية له والدعاية الإعلامية قبل ترشّحه رسمياً. ناهيك عن أن إعلان سليمان في بيان 30 آذار/مارس انه قد يوافق على الترشّح تزامن مع إعلان منصور حسن انسحابه من السباق. وحسن هو المرشح الذي كان يُنظَر إليه على أنه مرشح المجلس العسكري غير المُعلَن. هذا التزامن عجّل بقرار الإخوان ترشيح خيرت الشاطر في اليوم التالي مباشرة.

 أما إصرارهم على إقالة حكومة الجنزوري، فهو نابع من تخوّفهم من قيام هذه الحكومة بتزوير الانتخابات (ولاسيما مع إصرار العسكر على وجود المادة 28 في قانون انتخابات الرئاسة)، ورغبة الجماعة في إدارة انتخابات الرئاسة من موقع تنفيذي. ويخشى الإخوان ألا يتمكّنوا من وضع الدستور قبل انتهاء انتخابات الرئاسة، وهو الاحتمال الأرجح في ضوء الأزمة التي أثارها رفض القوى السياسية المختلفة والعديد من مؤسسات الدولة لهيمنة الإسلاميين على اللجنة التأسيسية المكلّفة بوضع الدستور (وقد تأكّد هذا مؤخراً بعد حكم محكمة القضاء الإداري بإبطال عمل هذه اللجنة وإعادة تشكيلها على أسس مختلفة). كما أنهم لايضمنون وصول رئيس موالٍ للعسكر، قد يقوم باستخدام السلطات الواسعة للرئيس في الإعلان الدستوري المؤقت للقيام لحلّ البرلمان وتشكيل لجنة وضع الدستور الجديد بمعزل عن الإسلاميين. وهذا يعني تهميش دور الإخوان في تحديد شكل النظام السياسي الجديد وتوزيع السلطات.

لم يكن ثمة حلّ أمام الإخوان إلا التصعيد وعض الأصابع، إما للضغط على المجلس العسكري لإرغامه على سحب عمر سليمان والقبول بعمرو موسى كأهون التوافقيين بالنسبة إلى الإخوان، أو خوض معركة حقيقية مع المجلس، يراهن من خلالها خيرت الشاطر على قدرته على النجاح اعتماداً على قدرة الحشد الإخوانية والسلفية (حزب النور والدعوة السلفية والهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح سيدعمون الشاطر).

النقطة الثانية هي مسألة تماسك التنظيم الداخلي وهي قدس الأقداس عند الإخوان. هذا التنظيم يتعرّض إلى اختبار حقيقي إسمه عبد المنعم أبو الفتوح وحازم صلاح أبو إسماعيل. لقد ارتكب الإخوان خطأً تكتيكياً فادحاً عندما رفضوا منذ البداية فكرة ترشيح مرشح رئاسي بحجة التوافق الوطني. وفي إطار التفاهم غير المعلن مع العسكر، يفترض أن يكون البرلمان للإسلاميين والرئاسة للعسكر. والخطأ هنا يكمن في استحالة تسويق هذا الأمر لدى قواعدهم المؤدلجة، إذ كيف يمكن تسويق فكرة تأييد مرشح غير إسلامي أمام 3 مرشحين إسلاميين (منهم إخواني سابق) لصالح المشروع الإسلامي، خصوصاً بعد الحشد على أرضية المرشح الإسلامي والمشروع الإسلامي طوال انتخابات البرلمان؟ وكانت النتيجة أن أطيافاً متعددة داخل الإخوان بدأت في التعلق بمرشحي الرئاسة الإسلاميين، بصرف النظر عن قرار الجماعة. فمَن كان أكثر تحرّراً مالَ نحو أبو الفتوح، ومًن كان أكثر محافظةً مالَ نحو أبو إسماعيل؛ ومن ثم نجد كيف أنَّ معركة انتخابات الرئاسة جعلت الإخوان مهدّدين بخسارة هيمنتهم التاريخية على الحركة الإسلامية السياسية المعتدلة لصالح فعاليات أُخرى إسلامية مستقلة على يمين الإخوان ويسارهم.

لم يكن أمام خيرت الشاطر إلا خيار وحيد، وهو أن ينزل بكامل ثقله لتوحيد الصف الإخواني مرة أخرى، وخوض معركة انتخابات الرئاسة بالرغم من أن الإخوان، وخلال عام كامل، لم يعتبروها معركتهم أبداً. هذا التحوّل التاريخي في التنازع الداخلي يبدو أن له تأثيرات داخلية لم نعطها حق قدرها. فالصعوبة البالغة التي وجدها خيرت الشاطر في نيل موافقة مجلس شورى الجماعة على ترشحه، تشي بأن الموضوع كان إشكالياً للغاية. وخيرت الشاطر أقدم على مقامرة عمره بترشيح سيخسر فيه إن فاز وسيخسر فيه إن خسر، إذ أنه لن يخسر كشخص وقيادة وحسب، بل أيضاً كفكر ومنهج وطبيعة تنظيم ومؤسسة. إن فرصة فوزه ضعيفة في تقديري لأسباب كثيرة، منها تفضيلات العسكر والسلوك التصويتي للمصريين في الرئاسة.

في النهاية، يبقى خيرت الشاطر شخصية غير معروفة للشعب المصري خارج شبكات الإخوان، ولاتمتلك شهرة أو سمعة رجل الدولة التي يتمتع بها آخرون مثل عمرو موسي؛ كما أنَّ تفتت الأصوات الإسلامية التي سيذهب الكثير منها إلى أبو إسماعيل وأبو الفتوح، ستكون هزيمة تاريخية لمشروع خيرت الشاطر الإخواني إن خسر، لأنها ستقلل من مصداقيته أمام جماهيره وثقة الناس فيه. أما إذا فاز، فسيكون قد تورّط في تحمّل مسؤوليات الحكم بأكملها في مهمة شبه مستحيلة في حلّ الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المستفحلة. لقد قام خيرت الشاطر بمقامرة عمره بترشيح سيخسر فيه إن فاز وسيخسر فيه إن خسر.

ثمة خسائر أخرى، أقلّها المصداقية بخصوص الإخلال بالتعهدات السابقة وماشابه، لكن أخطرها هي النتائج المترتبة على خوض معركة سياسية انتخابية حقيقية مع مرشح العسكر، وماقد يستتبعها من تكلفة باهظة وتجذير للساحة السياسية لايريده الإخوان، بعدما راكموا العديد من المكاسب عبر عام كامل ولايتحملون إمكانية خسارتها أمام أي تجذير للصراع السياسي والإجتماعي سيتجاوز بالتأكيد سقف الإصلاحية الإخوانية المنخفض. ومن ناحية أخرى، ارتكب الإخوان خطأً تكتيكياً فادحاً آخر بالتخلّي عن الكتلة الثورية منذ استفتاء آذار/مارس 2011، وبالتالي لن يجدوا الظهير الجماهيري الثوري المطلوب لتحويل معركتهم مع العسكر إلى معركة الثورة مع العسكر. خيرت الشاطر في تقديري اتخذ مقامرة غير محسوبة وغير معهودة من رجل براغماتي يهتم بتقليل المخاطرة لاتعظيمها. لكن نتائج هذه المخاطرة تعتمد على ردود فعل المجلس العسكري، فالكرة في ملعبه الآن. الميزة الوحيدة لما يحدث الآن هي أن صراعات ماوراء الأبواب المغلقة تدخل إلى الساحة العلنية رويداً رويداً.

أشرف الشريف أستاذ في الجامعة الأميريكية في القاهرة متخصص في الإسلام السياسي.