يجب أن تتذكّر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كيف بدأت الصحوة العربية، وأن يتخلّصا من القواعد القديمة التي كانا يطبّقانها قبل العام 2011، حتى في البلدان التي لاتزال بعد الغياب الواضح لحركات احتجاجية واسعة النطاق في الجزائر، ها هي نتائج الانتخابات النيابية التي جرت الخميس الماضي تشير إلى انتصار الوضع القائم. ففي حين فازت الأحزاب الإسلامية بالأكثرية البرلمانية في الانتخابات الأخيرة في تونس ومصر والمغرب، تحافظ جبهة التحرير الوطني في الجزائر على الموقع الأول، بهامش أكبر بكثير مما توقّعه معظم المراقبين، مع فوزها بـ221 مقعداً من أصل 462. كما حقّق الحزب الأساسي الآخر المتحالف مع الرئاسة، التجمّع الوطني الديمقراطي، نتائج جيدة أيضاً بحصوله على 70 صوتاً.

وتعتبر الولايات المتحدة وأوروبا أن تعزيز جبهة التحرير الوطني موقعها والأداء السيء نسبياً للإسلاميين هو خبر سار، و تنفّستا الصعداء إزاء الوضع "المستقرّ" في خضم الانتفاضات في مصر وليبيا وتونس. هنأت وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلارى كلينتون، الجزائر بعد الانتخابات وأشادت بعدد النساء المنتخبات فى البرلمان الجديد، وقالت كلينتون فى بيان لها إن "هذه الانتخابات والعدد الكبير للنساء المنتخبات تشكل تقدما نرحب به على طريق إصلاحات ديمقراطية فى الجزائر". وأكد خوسيه إنناثيو سالافرانكا رئيس بعثة مراقبي الاتحاد الأوروبي فى الجزائر أن "هذه الانتخابات تعد الخطوة الأولى على طريق تحقيق الإصلاحات والتي من شأنها تعزيز العملية الديمقراطية وحقوق الإنسان فى البلاد".

لكن من الأجدى بالولايات المتحدة وأوروبا أن يتنبّها للتحذير الذي توجّهه هذه الانتخابات، بدلاً من أن يعتبراها تطميناً بأن الجزائريين يحبّذون الوضع القائم.

أولاً، كانت النتائج موضع تشكيك كبير في الداخل. فقد اتّهم "تكتل الجزائر الخضراء" الحكومة بارتكاب تزوير واسع النطاق في الانتخابات. وهذه الكتلة الإسلامية مؤلّفة من ثلاثة أحزاب هي "حركة مجتمع السلم" (أو حماس)، وحركة النهضة الإسلامية، وحركة الإصلاح الوطني. كما أعلن حزب "التجمّع من أجل الثقافة والديمقراطية" و"جبهة القوى الاشتراكية" المعارضة، أن انتخابات الخميس "شابتها مخالفات كثيرة". وقالت "الجبهة الوطنية الجزائرية" إنها سوف تطعن في النتائج أمام المحكمة الدستورية.

وتشكّل نسبة الاقتراع إحدى المسائل الأكثر خلافية: فقد أعلنت وزارة الداخلية أنها بلغت 43 في المئة، وهي نسبة أعلى مما أشارت إليه معظم التوقّعات. لكن حتى الآن، لم يثر المراقبون الدوليون أي شبهات حول العملية الانتخابية. فقد منحت بعثة المراقبين التابعة للاتحاد الأوروبي، والتي سُمِح لها بمراقبة الانتخابات الجزائرية لأول مرة، الانتخابات مصادقةً موصوفة. فأشار سالافرانكا إلى أنه "كان هناك بعض القصور فى بعض النواحي التقنية للانتخابات، غير أنه كان هناك العديد من النقاط الإيجابية". إلا أنه يجب انتظار صدور التقارير النهائية من أجل تقويم كامل لنزاهة العملية الانتخابية.

ثانياً، حتى لو ثبت أن الانتخابات كانت نزيهة، ثمة أمر واضح: حتى بحسب تعداد وزارة الداخلية، قاطع أكثر من نصف الناخبين المسجّلين الانتخابات على الرغم من الدعوات التي وجّهها بوتفليقة إلى المشاركة الكثيفة في الاقتراع.

ثالثاً، ليس الأداء الضعيف للإسلاميين – وهو الخبر الأساسي في الصحافة الدولية - مؤشّراً على أن السكان راضون. لقد شكّل فوز تحالف الجزائر الخضراء بـ47 مقعداً فقط، أي أقل بـ13 مقعداً من العام 2007، صدمة لكثرٍ ممَّن توقّعوا تحقيق الإسلاميين أداء أفضل، ولاسيما أن مجلس الأمة وُسِّع بإضافة 73 مقعداً جديداً إليه (من 398 إلى 462 مقعداً). لكن مع أن هذه النتيجة تبدو مفاجئة عند النظر إلى الجزائر من خلال العدسة الإقليمية، يزول عنصر المفاجأة عندما نحصر المسألة بالسياق الجزائري. فالنتائج قد تشير الى أن العنف الذي طبع تاريخ البلاد عقب فوز الإسلاميين في التسعينيات لايزال عبأً ثقيلاً للغاية، كما أن هذا التاريخ يمنح النظام قدرة أكبر من الأنظمة الأخرى في المنطقة على استغلال المشاعر المناهضة للإسلاميين.

فضلاً عن ذلك، تدفعنا النتائج إلى الإقرار بحقيقة واضحة، وهي أن الأحزاب الإسلامية لاتتشابه كلّها، وأن عدداً كبيراً من قادتها في الجزائر ليس جديداً على المشهد السياسي ولا خارج السلطة. فحركة مجتمع السلم التي تسيطر في الكتلة الإسلامية كانت متحالفة مع جبهة التحرير الوطني الحاكمة، ولم تنتقل الى  صفوف المعارضة حتى اللحظة الأخيرة". وبدا هذا القرار كأنه خطوة سياسية تهكّمية واستراتيجية، ولاينطلق من التزام فعلي بالترشّح ضد الحزب الحاكم. في هذا الاطار، ليس الأداء الضعيف للإسلاميين مقياساً جيداً لرضى الناخبين.

تقتضي الحكمة من الولايات المتحدة وأوروبا أن تأخذا هذه العوامل في الاعتبار عند تحليل الانتخابات والتعليق عليها. ولكن يبدو أن شركاء الجزائر لايزالون يفضّلون اتّباع قواعد اللعبة المألوفة، فهذا السيناريو يتيح لهم الحفاظ على شروط انخراطهم مع النظام والجيش: الإفساح في المجال أمامهم للولوج إلى الموارد الطبيعية الغنيّة، والتعاون في سياسات مكافحة الإرهاب، والإجراءات المشتركة ضد الهجرة غير الشرعية.

بيد أن مستقبل البلاد لايزال خطراً وملتبساً، ولاسيما نظراً إلى القيود الشديدة المفروضة على المجتمع المدني، ناهيك عن أن الخوف من الانتقام الحكومي لم يَحُل دون حدوث تظاهرات متفرّقة. لذا، تحتاج البلاد إلى تحوّل جذري من شأنه أن يقود إلى فصل واضح للسلطات، وتعزيز المساحة المدنية، وامتثال الجيش إلى قرارات حكومة مُنتخَبة تخضع ممارساتها إلى الرقابة من برلمان مُنتخَب، والسماح بتنظيم تظاهرات سلمية، واحترام حقوق الإنسان.

يجب أن تتذكّر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كيف بدأت الصحوة العربية، وأن يتخلّصا من القواعد القديمة التي كانا يطبّقانها قبل العام 2011، حتى في البلدان التي لاتزال "مستقرّة".

براء ميكائيل باحث متخصّص في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في مؤسسة العلاقات الدولية والحوار الخارجي FRIDE في مدريد.

* تُرجمت هذه المقالة من اللغة الإنكليزية.