أطلقت كل الحكومات اللبنانية تقريباً في الأعوام الأخيرة، دعوات إلى إجراء إصلاح انتخابي شامل. وقبل عام واحد من موعد الانتخابات النيابية المقبلة، يحتلّ هذا الموضوع مجدداً صدارة الاهتمامات. فقد اقترح وزير الداخلية مروان شربل مشروع قانون جديداً يتضمّن تغييراً أساسياً: استبدال النظام الأكثري الحالي بالتمثيل النسبي. وفيما تشارف المهلة القانونية المعمول بها لتعديل القانون الانتخابي على الانتهاء في 7 يونيو/حزيران المقبل، يستعرض السياسيون مواقفهم. فما هو مصير اقتراح وزير الداخلية في الأسابيع المقبلة؟ وهل تنسجم مواقف القادة مع تفضيلات الناخبين؟ وما التأثير الذي ستتركه أعمال العنف الأخيرة على النقاش؟

لاتزال نقطتان تحولان دون إحراز تقدّم على هذا الصعيد: النظام الانتخابي وحجم الدوائر الانتخابية. فبما أن مقاعد مجلس النواب الـ128 مقسَّمة على دوائر انتخابية متعدّدة المقاعد تتنافس فيها لوائح تضم مرشّحين من مختلف الطوائف، يكون حجم الدائرة الانتخابية موضوعاً خلافياً لأنه يُحدّد التوزيع الديمغرافي الطائفي في كل دائرة. الدوائر الأصغر حجماً (مثل القضاء) أكثر تجانساً في هويتها الطائفية. والاقتراحات لاعتماد الدوائر الانتخابية الأكبر (على أساس المحافظة مثلاً) لن تغيّر في عدد النوّاب أو التوازن الطائفي في مجلس النواب، بيد أن عدداً كبيراً من السياسيين المنتمين إلى الأقليات اعترض على استخدام الدوائر الانتخابية الكبرى لأنها تتيح للأكثريات السكّانية في الدوائر الأكبر انتخاب نواب الأقلّيات. وهم يعتبرون أن النواب الذين يصلون إلى الندوة البرلمانية بأصوات ناخبين لاينتمون إلى طائفتهم لن يكونوا "ممثّلين حقيقيين" عن مجتمعاتهم، بل مجرد "ملحَقين" بالمذهب الأكثري.

النقطة الخلافية الثانية هي النظام الانتخابي في حدّ ذاته. فوفقاً لقاعدة الاقتراع الكتلوي المطبَّقة حالياً، يُصوّت الناخبون لعدد من المرشّحين مساوٍ لعدد المقاعد المخصّصة للدائرة الانتخابية؛ والمرشّحون الذين ينالون العدد الأكبر من الأصوات يفوزون. وبما أن لبنان لايعتمد أوراق الاقتراع المطبوعة مسبقاً، نجد أنفسنا أمام نظام شبيه بنظام الاقتراع للكتلة الحزبية حيث يضع الناخبون ورقة واحدة في صناديق الاقتراع يصوّتون فيها للائحة حزبية. ونتيجةً لذلك، غالباً ما تكتسح الكتل المقاعد في الدوائر الانتخابية بعد الفوز بأكثرية بسيطة. والاقتراح البديل الذي يُطرَح تكراراً هو نظام الانتخاب بالقائمة النسبية الذي تحصل الأحزاب بموجبه على عدد من المقاعد متكافئ مع عدد الأصوات التي نالتها (ما يضمن التمثيل للأحزاب الأقل شعبية).

في 2005، عيّن فؤاد السنيورة، الذي كان آنذاك رئيساً للوزراء، لجنة من 12 خبيراً عُرِفت بـ"لجنة بطرس". اقترحت هذه اللجنة في أيار/مايو 2006 نظاماً مختلطاً يقوم على اعتماد التمثيل النسبي على مستوى المحافظة والتصويت الأكثري على مستوى القضاء، ولكن علق الاقتراح لمدة عامين بسبب حرب يوليو الإسرائيلية والأزمة السياسية. في النهاية، إتفق السياسيون على العودة إلى القانون الإنتخابي لعام 1960: التصويت الأكثري على مستوى القضاء. لكن التعديلات التي أُقِرّت اقتصرت على بعض الإصلاحات الإدارية مثل التصويت في اليوم نفسه في مختلف أنحاء البلاد. وقد رفض السياسيون اعتماد أوراق الاقتراع المطبوعة مسبقاً - وهذا ليس بالأمر المفاجئ، نظراً إلى أنه يتم اللجوء إلى أساليب متعدّدة (الخط، ترتيب الأسماء) من أجل رصد الأصوات والضغط على الناخبين للتصويت للائحة "كما هي".

واليوم، يُطرَح التمثيل النسبي على طاولة البحث من جديد. يدعو مشروع القانون الذي اقترحه شربل في أيلول/سبتمبر 2011 إلى اعتماد التمثيل النسبي مع تقسيم الدوائر الانتخابية إلى ما بين 10 و14 دائرة متوسّطة الحجم، وعلى أساس اللوائح "المفتوحة" وليس "المغلقة"، أي إنه بدلاً من الاقتراع بصوت واحد للائحة كاملةً، يستطيع الناخب التصويت للائحة واحدة ويحق له الاقتراع بـ"تصويتين تفضيليين" لمرشحين من ضمن اللائحة التي يكون قد اختارها. وعبر توزيع المقاعد بين اللوائح والطوائف، يتم ترتيب أسماء المرشّحين في اللائحة الواحدة من الأعلى إلى الأدنى وفقاً لما ناله كل مرشّح من أصوات تفضيلية. وهكذا يمنح التصويت التفضيلي الأقليات قدرة أكبر على انتخاب ممثّليها.

لطالما سعى النوّاب الشيعة إلى إقرار التمثيل النسبي، قبل ظهور حزب الله في الثمانينيات، وحتى قبل تأسيس حركة أمل في السبعينيات. بيد أن هذا الدعم للتمثيل النسبي يضع الأحزاب السياسية الشيعية في مواجهة أفرقاء آخرين على الساحة اللبنانية. فقد رفض سعد الحريري، زعيم تيار المستقبل ذي الأغلبية السنّية، التمثيل النسبي ووضع عائقاً مستعصياً أمام النقاش رافضاً الدخول في مباحثات حول الموضوع قبل نزع سلاح حزب الله. ودعمُ الحريري لقانون 2008 ليس مفاجئاً نظراً إلى أن نظام الاقتراع الكتلوي في الدوائر الأصغر حجماً يتيح لتيّاره الفوز بالعدد الأكبر من المقاعد بحسب التوزيع السكّاني للسنّة. ولعل الصدامات في منطقة طريق الجديدة لفتت الانتباه أكثر إلى الديناميكيات داخل الطائفة السنّية، بيد أن تيار المستقبل يبقى الحزب المسيطر، وسوف يعمل دائماً من أجل الحفاظ على الواقع الراهن الانتخابي.

جوبه اقتراح شربل أيضاً بالرفض من وليد جنبلاط، زعيم الحزب التقدّمي الاشتراكي الدرزي، الذي يطالب باعتماد الدوائر الفردية (التي هي أكثرية بحكم التعريف)، مبتعِداً عن الموقف الذي كان الحزب قد عبّر عنه في العام 2005 عندما دعا إلى اعتماد نظام أكثري في دوائر متعدّدة المقاعد. ويدعم قادة آخرون ذوو قواعد انتخابية مركَّزة جغرافياً - مثل المستقلّين على غرار بطرس حرب - الدوائر الفردية.

خلافاً للأعوام السابقة عندما توحّد الزعماء حول اعتماد القضاء دائرة انتخابية، ليس هناك إجماع مسيحي حتى الآن. فقد أبدى التيار الوطني الحر بزعامة ميشال عون دعمه للتمثيل النسبي، في خطوة ربما تهدف إلى ردّ الجميل لحزب الله لموافقته على نظام القضاء في العام 2009. لكنها قد تعكس أيضاً ثقة عون بأنه من شأن التصويت التفضيلي في اللوائح المفتوحة أن يتيح للمسيحيين السيطرة على المقاعد المخصّصة لهم. بيد أن التيار الوطني الحر أبدى أيضاً دعمه لمشروع آخر، فمن خلال "لجنة بكركي" المارونية، انضمّ التيار إلى الأحزاب في المقلب الآخر من الانقسام السياسي للتعبير عن الدعم للاقتراع الأكثري في دوائر انتخابية أصغر حجماً (نائبان إلى ثلاثة نوّاب في كل دائرة)، مايشير إلى أن المسيحيين يلتفّون ربما حول هذا المشروع.

أما الحملة المدنية للإصلاح الانتخابي التي تعمل على تثقيف الناخبين حول العملية الانتخابية منذ العام 2006، فتطالب بتطبيق التمثيل النسبي إلى جانب إصلاحات أخرى مثل خفض سن الاقتراع إلى 18 سنة، وتحديد كوتا نسائية، واعتماد أوراق الاقتراع المطبوعة مسبقاً.

مع أن الأهمية  التي يرتديها هذا الموضوع كبيرة - أو ربما بسبب ذلك - لم تُبذَل محاولات فعلية للوقوف عند رأي الناخب اللبناني. ولذلك قد يكون من المفيد في هذا الإطار التوقّف عند استطلاع للرأي أجري في تشرين الأول/أكتوبر 2011 (1)، وأظهر أن الدعم الشعبي للإصلاح الانتخابي مرتفع جداً. فقد أجاب 82 في المئة بـ"نعم" و12 في المئة بـ"كلا" رداً على السؤال "هل تعتقد أن لبنان بحاجة إلى قانون انتخابي جديد؟"، وأجاب ستة في المئة فقط "غير واثق".

ورداً على السؤال "هل يعاني القانون الانتخابي المطبَّق حالياً في لبنان من مشاكل، وما هي المشكلة الأكبر بنظرك؟" أجاب 45 في المئة إن المشكلة الأكبر هي "النظام الانتخابي (الأكثري، النسبي)"، و10 في المئة "الدائرة الانتخابية (المحافظة، القضاء)"، و27 في المئة "إدارة العملية الانتخابية (غياب أوراق الاقتراع المطبوعة مسبقاً)".(2) وهذه النسب متقاربة لدى مختلف الطوائف.

نظراً إلى أهمية إصلاح المنظومة، ما هو النظام الانتخابي المفضّل؟ أبدى 64 في المئة من الشيعة الذين شملهم الاستطلاع دعمهم للتمثيل النسبي، وهذا غير مفاجئ. لكن المفاجأة هي أن أغلبية الروم الأرثوذكس المستطلَعين (53 في المئة) ونسبة عالية من الموارنة (47 في المئة) أيّدوا التمثيل النسبي. يبدو أن هذه النسب تلتقي مع اتّجاه بعض الزعماء المسيحيين مؤخراً إلى تأييد التمثيل النسبي. إلا أنه لايجب أيضاً التقليل من شأن الدعم لنظام الاقتراع الأكثري الذي بلغ 26 في المئة لدى المجيبين الأرثوذكس كما لدى الموارنة.

المشهد لدى السنّة والدروز أقل وضوحاً. 38 في المئة فقط من السنّة يعتبرون أن إصلاح النظام الانتخابي هو أولوية (مع الإشارة إلى أن 29 في المئة من المجيبين السنّة ذكروا أن القانون الانتخابي الحالي لايعاني من أي مشاكل، في حين اعتبر 26 في المئة أن المشكلة الأكبر إدارية). ليس مستغرباً ألا يولي السنّة أولوية كبيرة لتغيير النظام الانتخابي الحالي نظراً إلى أنه يتيح لهم ترجمة توزيعهم الديمغرافي سلطةً سياسية. لكن لدى سؤال المستطلَعين السنّة عن النظام الانتخابي الذين يفضّلونه، أجابت نسبة كبيرة (45 في المئة) أنها تفضّل التمثيل النسبي، و18 في المئة النظام الأكثري، و18 في المئة نظاماً آخر/نظاماً مختلطاً، وقال 14 في المئة إنه ليست لديهم أي تفضيلات، وأجاب 5 في المئة "غير واثق".

في المقابل، سجّل المجيبون الدروز أعلى نسبة في إعطاء الأولوية لإصلاح النظام الانتخابي، مع 59 في المئة، لكنهم لم يؤيّدوا التمثيل النسبي. فقد أجابت النسبة الأكبر من الدروز (37 في المئة) أنها تفضّل نظاماً آخر/نظاماً مختلطاً، واختار 33 في المئة النظام الأكثري. تشير هذه النسب إلى أن اقتراح جنبلاط اعتماد الدوائر الفردية قد يلقى استحساناً في أوساط الطائفة الدرزية.

على الرغم من التأييد الساحق لإصلاح النظام الانتخابي، نظراً إلى التباين في الآراء، من المستبعد أن يجد القانون الجديد طريقه إلى الإقرار حتى في أفضل الظروف. وغالب الظن، قبل أقل من أسبوعَين على انقضاء المهلة القانونية، أن الصراع السياسي المحتدم - ولاسيما على ضوء الصدامات في الطريق الجديدة يوم الأحد الماضي - سوف يُعطّل الإصلاح الانتخابي من جديد، فيصبح مؤيّدو النظام الانتخابي الحالي منتصرين بحكم الأمر الواقع. لكن وفي حين أنه من غير المرجّح إجراء تغييرات في النظام الانتخابي أو حجم الدائرة الانتخابية، يمكن تطبيق إصلاحات إدارية أخرى اعتبرها المستطلَعون من الأولويات (مثل أوراق الاقتراع المطبوعة مسبقاً). فعبر التخلّص من سطوة اللوائح الانتخابية وحماية سرّية الاقتراع، يمكن أن يشكّل الإصلاح الإداري التدريجي خطوة مهمّة في الإصلاح الانتخابي الشامل. 

مرن مليغان أستاذة مساعدة زائرة في جامعة أوبرلين في ولاية أوهايو.

* تًرجمت هذه المقالة من اللغة الإنكليزية.

--

[1] أعدّ الاستطلاع الدكتور شبلي تلحمي، أستاذ كرسي أنور السادات للسلام والتنمية في جامعة ميريلاند، بالتعاون مع مؤسسة زغبي الدولية التي اهتمّت بالجانب الميداني. بلغ عدد المجيبين 500 شخص في بيروت (220)، وبعبدا (54)، وعاليه (57)، والشوف (20)، والمتن (85)، وطرابس (54)، وينتمون إلى المذاهب الآتية: السنّة والشيعة والدروز والموارنة والروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك والأرمن الأرثوذكس والأرمن الكاثوليك والبروتستانت والأقليات. بحسب قانون الأعداد الكبيرة، يمكن الوثوق بالخلاصات التي تم التوصّل إليها في العيّنات المذهبية التي يزيد عدد المجيبين فيها عن 30، وهم السنّة والشيعة والموارنة والروم الأرثوذكس. أما الدروز الذين بلغ عددهم 27 شخصاً في العيّنة الاستطلاعية فقد أُدرِجوا في الاستطلاع، إلا أنه يجب التحقّق أكثر من النتائج. وعدد المجيبين الأرمن هو 19، ولذلك فإن أي استنتاجات بشأن الطائفة الأرمنية تبقى عند حدود التخمين في أفضل الأحوال. أما البروتستانت والأقليات فقد أُسقِطوا من التعداد نظراً إلى ضآلة عدد المستطلَعين من المجموعتين.

 [2] وبما أن الاستطلاع كان جزءاً من مسح إقليمي، ورد في السؤال المتعلّق بالمذهب: "كيف تصف نفسك؟ 1-مسلم شيعي 2- مسلم سنّي 3- مسيحي 4- درزي 5- غير ذلك (حدّد من فضلك) 6- أرفض الإجابة". وهكذا في الوصف الذاتي (حيث رفض الإجابة هو أحد الخيارات المطروحة)، عرّف كل المجيبين عن أنفسهم بحسب الفئات الطائفية ما يشير إلى أهمية الطائفة في الموقف السياسي من المسائل البرلمانية. وتبيّن أيضاً أن الطائفة مؤشّر مهم إحصائياً (عند مستوى .005) في ما يتعلّق بالنظام الانتخابي المفضّل بالنسبة إلى الشخص لدى إجراء تحليل اللوجت logit analysis المتعدّد الحدود عبر رصد السن ومحل الإقامة (داخل أو خارج المدينة)، والمستوى التعليمي، والدخل، والجنس، والموقع.