بعد تبدّد الزخم الذي عرفته حركة 20 شباط/فبراير في بداياتها، تمكّن النظام الملكي في المغرب من الصمود في وجه الاضطرابات التي تعصف بالمنطقة منذ عام ونصف العام، وذلك من خلال استغلال سلطة رموزه في شكل أساسي. فمع أن معظم التحليلات تركّز على العوامل المؤسّسية التي تعطّل الإصلاح في المغرب، يجدر بنا التوقّف عند الجهود الهائلة التي توظّفها الملَكية في الرأسمال الرمزي، فالتفاعل بين التقليدي والحديث حاضر أكثر من أي وقت مضى في هذه الممارسات، والمغاربة يتابعون تجلّياتها باهتمام شديد.

تسيطر السلالة العلوية على النظام السياسي المغربي منذ منتصف القرن السابع عشر، مع انقطاع عن الحكم في النصف الأول من القرن العشرين بسبب الاستعمار الفرنسي. عقب نيل البلاد استقلالها، نجحت الملَكية في ترسيم حدود الخطاب المقبول، لا من خلال أساليب الإكراه وحسب، بل أيضاً عبر فرض طقوس محدّدة للسلطة في الخطاب العام. والأبرز بينها أربعة رموز تمنح الملك سلطة دينية واسعة: دور الملك كأمير المؤمنين، وبركته، ونسبه الشريف (المتحدِّر من النبي محمد)، وفروض البيعة (قسم الولاء السنوي). وكل واحد من هذه الرموز ممأسَس عن طريق وزارة الدار الملكية والبروتوكول والمستشارية الناشطة جداً، وخاضع إلى الأصول البيروقراطية ومنظَّم في القوانين ضمن نطاق وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

يُبقي الدستور الجديد الذي نال نسبة 98 في المئة من الأصوات في الاستفتاء الوطني الذي أجري في تموز/يوليو 2011، على الرأسمال الرمزي التقليدي. صحيح أنه لم يَعُد يشير إلى الملك بأنه "مقدّس" (الفصل 23 من الدستور القديم)، إلا أنه لايزال ينصّ على الآتي: "شخص الملك لاتُنتهَك حرمته، وللملك واجب التوقير والاحترام" (الفصل 46). فضلاً على ذلك، لايزال الملك "أميرَ المؤمنينوحامي حمى الملة والدين"، بحسب ما جاء في الفصل 41، الذي يمنحه أيضاً رئاسة المجلس العلمي الأعلى، وهي الجهة الوحيدة التي يُجاز لها إصدار الفتاوى. وينص أيضاً على أن "الملك يمارس الصلاحيات الدينية المتعلقة بإمارة المؤمنين، والمخوَّلة له حصرياً، بمقتضى هذا الفصل، بواسطة ظهائر [أي رسوم ملكية]".

 يشار إلى أن هذه المراسيم الملكية هي بمثابة نصوص مقدَّسة بالنسبة إلى الهيئة التشريعية والحكومة. تُعتبَر الظهائر فوق المنظومة السياسية والدستور، ولايزال عدد كبير منها يحكم مؤسّسات الدولة المغربية. فعلى سبيل المثال، الصلاحيات الإدارية الأساسية التي يتمتّع بها رئيس الوزراء منحه إياها الملك بموجب ظهائر صادرة في 28 نيسان/أبريل و17 آب/أغسطس 1971. وبموجب ظهير صادر في العام 1977، يتمتّع الملك حصرياً بالسلطة الكاملة لتعيين حكّام الأقاليم الذين يحتلّون موقعاً مهماً جداً في البلاد. وعلى الرغم من أن الدستور الجديد يعِد بمنح استقلالية أكبر لرئيس الوزراء، إلا أنه ليست هناك مؤشّرات حتى الآن بأن النظام الملكي تخلّى عن أي سلطات تنفيذية فعلية، لا سيما في ما يتعلّق بالسلطة الاستنسابية للظهائر الملَكية.

وفيما أدخل العاهل المغربي عدداً من المفاهيم الجديدة في اللغة السياسية المغربية مثل "الملَكية المواطنة" و"الملك المواطن"، ليست هذه العبارات واضحة في الممارسة، وقد يتبيّن أنها مجرّد شكليّات لاتعبّر عن حقيقة الأمور.

بعد انقضاء شهر على اعتماد الدستور المغربي الجديد، أقام الملك محمد السادس، في 31 تموز/يوليو 2011، حفل البيعة والولاء السنوي الذي يُعتبَر الأضخم والأكثر استعراضية بين المراسم التقليدية التي يحييها النظام الملكي. وتّتسم فروض البيعة التي تحتفي بتنصيب الملك ومبايعته، بالأبّهة التي كانت ترافق مراسم إعلان عهود الولاء في القرون الوسطى؛ فكل المسؤولين الحكوميين (إلى جانب ممثّلي الدولة والمندوبين المحليين) يصطفّون أمام أبواب البلاط الملكي. تُفتَح الأبواب، ويظهر العاهل المغربي مرتدياً الجلباب الأبيض التقليدي، ويمرّ وسط حشود المسؤولين وكبار الشخصيات الذين ينحنون جميعهم ثلاث مرات أمامه تعبيراً عن ولائهم له، ويهتفون "الله يبارك في عمر سيديك".

واقع الحال هو أن الرموز الدينية (التي يحافظ عليها الدستور الجديد، والتي تحوّلت فرائض بفعل الممارسة المتكرّرة) تجعل الملك "وصياً على الإسلام"، مايُترجَم بصلاحيات استنسابية واسعة ويمنح النظام الملكي حصانة ضد التحدّيات من قوى المعارضة. ولذلك، ليس مفاجئاً أنه منذ انطلاقة حركة 20 شباط/فبراير، لم يطالب المحتجّون بتغيير النظام، بل بإصلاح منظومة الحكم والانتقال من الملَكية المطلقة إلى نظام دستوري.

كان لرأسمال الملكية الديني وأسلوبها في الإدارة تأثيرٌ ترويضي واضح على المعارضة الإسلامية في المغرب. لطالما انتقد حزب العدالة والتنمية الأداء الاقتصادي البطيء للحكومة والفساد المستشري في مؤسّساتها. لكنه أدرك أنه من أجل الحصول على موقع في تركيبة الدولة المغربية، يجب القبول أولاً بسلطة الملكية الدينية، ماسمح للحزب بتحقيق منافع جمّة: فلأول مرّة في تاريخ المغرب، يتولّى حزب إسلامي رئاسة الحكومة. لكن في المقابل، لايزال على حزب العدالة والتنمية أن يكون على قدر الوعود التي أطلقها في حملته الانتخابية متعهّداً مكافحة الفساد والكليبتوقراطية.

حتى إن رئيس الوزراء عبد الإله بن كيران نفسه يؤيّد رأسمال الملَكية الديني كسِمة أساسية في الهوية السياسية المغربية. لايُعرَف بعد إذا كان سيحاول أن يمارس بالكامل الصلاحيات التنفيذية التي يمنحها الدستور الجديد لرئيس الوزراء أم أنه سيبقى مطيعاً وسهل الانقياد على رأس الحكومة. لكن التوقّعات تبدو متشائمة، إذ يدرك بن كيران أنه من أجل مزاولة الحكم في المغرب، لابد من إظهار الولاء للملَكية لأنه من شأن أيّ مواجهة مع النظام الملكي أن تضعه أمام صعوبات جمّة في ممارسته للسلطة. ويبدو أن حزب العدالة والتنمية يتّجه نحو الانصهار في المنظومة التي أرساها المخزن أي النخبة الحاكمة في المغرب، وتحوُّله بيدقاً آخر في يدها.

أما حزب العدل والإحسان المحظور فهو الحركة الوحيدة التي تحدّت سلطة الملك الدينية علناً معتبرةً أنها لاتتوافق مع الشريعة الإسلامية. يشتهر زعيمه الروحي، الشيخ عبد السلام ياسين، بالرسالة المفتوحة التي وجّهها في العام 1974 إلى الملك الراحل حسن الثاني، والتي انتقده فيها على غياب القيم الإسلامية. وفي العام 2000، وجّه مذكّرة من 35 صفحة إلى العاهل المغربي الحالي محمد السادس، حضّه فيها على التخلّي عن ثروته للمغرب، لكن في الأعوام الأخيرة، غيّر حزب العدل والإحسان مساره. فهو لم يعد يشكّك (على الأقل علناً) بالهوية الدينية للملك، ويركّز بدلاً من ذلك على المسائل الاجتماعية مثل الفقر والتعليم والحاكمية الرشيدة. في الواقع، قد يكون هذا التحوّل تكتيكاً استراتيجياً: فبعد سنوات من المواجهة، فشل التنظيم إلى حد كبير في تحدّي الأسس الدينية للملَكية، وعانى من التهميش جرّاء موقفه هذا.

أثناء حلقة عمل أدرتُها في المغرب في أيار/مايو الماضي عن الإعلام الاجتماعي والمجتمع المدني، وشارك فيها 25 ناشطاً اجتماعياً، طرحت سؤالاً عن الرأسمال الديني للملَكية، وإذا كانوا يتوقّعون أي تغييرات عميقة في مقاربة النظام الملكي لرأسماله الديني في أعقاب إقرار الدستور الجديد. فأجاب أحد الناشطين ممازحاً: "يتوقّف هذا على ما إذا كان الملك سيرتدي جلباباً أو بذلة على الطراز الغربي في جلسة افتتاح الدورة البرلمانية المقبلة". يرتدي العاهل المغربي الجلباب دائماً في الاحتفالات الدينية، بما في ذلك جلسة افتتاح الدورة البرلمانية، فيما يحتفظ ببذلاته الغربية للمناسبات الرسمية عصرية الطابع. تداخُل الأسلوب التقليدي مع تركيبة الدولة الحديثة هو من الثوابت إذاً، كما يقع في صلب السلطة السياسية في المغرب. بعبارة أخرى، ليس التنقّل بين الجلباب والبذلة غربية الطراز أمراً عشوائياً أو غير ذي أهمّية، بل يجسّد تركيبة أوسع تجمع بين الحداثة والتقليد وتتّسم بها سلطة المخزن.

تقديري أن الملك سيستمر في ارتداء الجلباب لتثبيت هيمنته التقليدية.

محمد الدعدوي أستاذ مساعد في العلوم السياسية في جامعة أوكلاهوما سيتي. مؤلّف "الملَكية المغربية والتحدّي الإسلامي: الحفاظ على سلطة المخزن" (بالغريف 2011). يدوّن على Maghreb Blog.

* تُرجمت هذه المقالة من اللغة الإنكليزية.