يتوقّف نجاح خطة كوفي أنان للسلام في سورية على الحصول على الدعم من موسكو. لكن في الوقت الذي تزيد فيه الولايات المتحدة، وأوروبا، والخليج العربي، وتركيا الضغوط على دمشق، ترفض روسيا أن تناقش علناً مسألة إطاحة الرئيس الأسد. وفي خضم التقارير التي تتحدّث عن قيام وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي أي) بنقل الأسلحة إلى المعارضة، يواصل تجار الأسلحة الروس تزويد قوات الأسد بالعتاد بصورة مطّردة. هذا الوضع لايبشّر بالخير بالنسبة إلى سورية: فدمشق والمعارضة لاتزالان تريان الحل في الإلغاء الكامل للطرف الآخر، ولم يبذل حتى الآن أصدقاؤهما في الخارج مجهوداً فعلياً لدفع الأطراف المتنازعة نحو تسوية ما. لكن مالَم يحصل تحوّل كبير في الديناميكيات الداخلية للنزاع، من غير المرجّح أن تغيّر روسيا موقفها.

لاتربط موسكو النزاع السوري بالجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط بشكل أساسي، ولابتحالفات حقبة الحرب الباردة، ولابمبيعات الأسلحة. ولاتربطه حتى بمصالحها الخاصة مثل منشأة طرطوس لإعادة تموين البحرية الروسية التي تخضع حاليّاً إلى الترميم، والتي تمنح روسيا بعض القدرة على تنفيذ عمليات في البحر الأبيض المتوسّط. فالجغرافية السياسية الإقليمية والتحالفات مهمّة، لكنها شأن إيراني وليست شأناً روسياً؛ أما عقود الأسلحة وقاعدة طرطوس، فهي بالتأكيد مهمّة، لكنها تأتي في المرتبة الثانية.

واقع الحال هو أن السياسة الروسية تعتبر أن الوضع في سورية - كما في ليبيا أو العراق أو يوغوسلافيا بالأمس - يرتبط في شكل أساسي بالنظام العالمي؛ وبمَن يقرّر ما إذا كان يجب استخدام القوّة العسكرية؛ ومَن يقرّر مَن هم اللاعبون الذين سيستخدمون تلك القوة؛ ومَن يقرّر ما القواعد والشروط وأساليب الإشراف التي ستُستخدَم هذه القوّة على أساسها. 

بالطبع، مبادئ روسيا المعلَنة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمصالحها الوطنية، وهو واقع ينطبق على السياسة الخارجية لبلدان أخرى. فموسكو تخشى أن يؤدّي السماح للولايات المتحدة باستخدام القوة ساعة تشاء ومن دون أي قيود خارجية، إلى تدخّلات أجنبية على مقربة من الحدود الروسية، أو حتى داخل تلك الحدود، ولاسيما في شمال القوقاز. لذلك، لطالما عارضت موسكو استخدام القوة من دون تفويض واضح من مجلس الأمن الدولي. وإصرارها على الحصول على الضوء الأخضر من مجلس الأمن ينطلق من عضويتها الدائمة فيه مقرونةً بحق النقض (الفيتو).

لايكتفي الروس برفض التدخّل العسكري الخارجي من دون تفويض من مجلس الأمن الدولي وحسب، بل يرفضون أيضاً مفهوم تغيير النظام تحت ضغوط خارجية. وهذا الدعم لعدم التدخّل ليس مفاجئاً نظراً إلى أن كل الأنظمة - ماعدا الديمقراطيات الراسخة - يمكن أن تُعتبَر نظرياً بأنها تفتقر إلى الشرعية. لكن اللافت هو أن موسكو التزمت هذا المبدأ في علاقاتها الخارجية، فهي لم تشن انقلاباً واحداً في الدول التي استقلّت عن الاتحاد السوفياتي السابق. وحتى بعد هزيمة الجيش الجورجي في العام 2008، قاومت روسيا إغراء تغيير النظام في تبيليسي. وماعدا استثناءات قليلة جداً (مثل نظام طالبان في أفغانستان)، أبدت استعداداً للتعامل مع السلطة القائمة في كل مكان، من كوريا الشمالية مروراً بإيران وصولاً إلى غزة. واقع الحال أن في عهد فلاديمير بوتين، أصبح مبدأ احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها عقيدة ثابتة في السياسة الخارجية الروسية.

لاشك في أن ليبيا هي الاستثناء الأحدث لهذه النظرة. لكن لابد من الإشارة إلى أن روسيا امتنعت عن التصويت حول التدخّل في ليبيا في العام 2011، لترى لاحقاً أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) أساء استخدام تفويض الأمم المتحدة - كعملية إنسانية لإنقاذ الأرواح في بنغازي - فبدأت تتشدّد في موقفها.

كذلك، ترتبط سياسة موسكو بتقييمها للنتيجة المحتملة في سورية. فمنذ انطلاقة الصحوة العربية، كان موقف مراقبي الشرق الأوسط في روسيا أقل تفاؤلاً من غيرهم، حيث وصف فيتالي نومكين، وهو على الأرجح الخبير الروسي الأبرز حول شؤون المنطقة، الربيعَ العربي بأنه "الثورة الإسلامية الكبرى". وفيما رأى الآخرون فيها تكراراً للثورات الديمقراطية التي شهدتها أوروبا في العام 1848 أو 1989، قارنها الروس بثورتهم في العام 1917؛ وكان السؤال الوحيد: أي شهر سيكون شهر "أكتوبر الأحمر"؟ منذ البداية، تخوّف صانعو السياسات الروس، ومنهم وزير الخارجية سيرغي لافروف، من ربيع إسلامي، واعتبروا أن الليبراليين الموالين للغرب يمهّدون الطريق أمام المتشدّدين الدينيين أو حلفاء تنظيم القاعدة. وبعد ثمانية عشر شهراً، ثبتت صحّة هذه التوقّعات: ففي الفوضى التي تعم ليبيا بعد القذافي، ثمة تقارير عن وجود لتنظيم القاعدة في البلاد، وهناك انتشار للأسلحة، وتأثير مزعزع للاستقرار في مالي المجاورة؛ وفي مصر، انتصاراتٌ انتخابية لجماعة الإخوان المسلمين التي لاتزال موسكو تصنّفها رسمياً في خانة التنظيمات الإرهابية.

ولاشك في أن هذه المخاوف الروسية تّتخذ طابعاً أقوى في الموضوع السوري، لأن من شأن إطاحة الأسد عن طريق العنف أن تؤدّي أولاً إلى الفوضى، مع حصول المجموعات المتشدّدة والتنظيمات الشبيهة بتنظيم القاعدة على موطئ قدم على بعد بضعة مئات الأميال من شمال القوقاز المضطرب. ومع أن المسائل المطروحة في شمال القوقاز محلية الطابع، يستمدّ الجهاديون هناك الإلهام والدعم من الشرق الأوسط. وعلى مشارف الألعاب الأولمبية التي ستُنظَّم في سوتشي بعد أقل من عامَين، تسعى روسيا إلى الحؤول دون وقوع، ماقد يتسبّب بزعزعة الاستقرار على حدوها الجنوبية.

لكل هذه الأسباب مجتمعةً، فضّلت موسكو نظاماً وحشيّاً على الفوضى في سورية. طوال العام 2011، اعتمدت روسيا في مناوراتها على قدرة الأسد على سحق المعارضة، على غرار مافعلت السعودية في البحرين. لكن النزاع طال، مع قيام ائتلاف غربي-عربي واسع بسحب اعترافه بنظام الأسد وشروع دول عدّة في تسليح المعارضة، وتتخوّف روسيا أكثر فأكثر من حرب أهلية طويلة الأمد ومن اشتداد العنف. لكن حتى الآن، لم يحدث مايُجبِر موسكو على إعادة النظر في حساباتها: فالجيش السوري لم ينقلب على آل الأسد باسم الإنقاذ الوطني؛ والتجّار في حلب ودمشق (الذين يُمسكون مصير النظام بأيديهم) لم يسحبوا دعمهم السلبي عن النظام. لن تُضطر روسيا إلى إجراء تغيير أساسي في حساباتها، إلا إذا تبدّلت هذه الديناميكيات وأدّت إلى تحويل دفّة الأمور بصورة حاسمة ضد الأسد.

بعيداً من هذه التغييرات الدراماتيكية، قد تبدي روسيا استعداداً للتعاون مع الولايات المتحدة وبلدان أخرى إذا أصبح الهدف إطلاق "مرحلة انتقالية" بدلاً من "تغيير النظام"، أي مايُعرَف بـ"النموذج اليمني". لاشك في أن سورية ليست اليمن، وإزاحة شخص واحد أو حتى الأسرة الحاكمة قد لاتوقف النزاع الأهلي. لكن جوهر النموذج اليمني ليس في تفاصيله، فالفكرة الأساسية تكمن في استبدال العنف بالعملية السياسية. يقتضي إطلاق مرحلة انتقالية بدلاً من تغيير النظام، من روسيا والولايات المتحدة تكييف مبادئهما من أجل حماية مصالحهما الأوسع - وقد يكون هذا الأمل الوحيد لنجاح التعاون الدولي في الموضوع السوري.

ديمتري ترينين مدير مركز كارنيغي في موسكو.