يأتي مؤتمر حزب العدالة والتنمية السابع، الذي سينعقد يومي 14 و15 تموز/يوليو المقبلين، في ظروف استثنائية، حيث يجد الحزب نفسه، ولأول مرة في تاريخه، في موقع إدارة الحكومة والمطالب بإيجاد أجوبة حول التسيير الداخلي للحزب. فالأمين العام للحزب عبد الإله بنكيران هو أيضاً رئيس الحكومة، كما أن عدداً من الوزراء هم أعضاء في الأمانة العامة ولديهم ملفات داخل الحزب يعملون عليها. وقد انطلقت نقاشات خافتة في صفوف بعض الأعضاء حول إمكانية الفصل بين العمل الحكومي وبين العمل الحزبي، كما هو معمول في عدد من الدول. وبالتالي، سيلقي هذا النقاش بظلاله على أعمال المؤتمر المقبل، وستدور مناقشات مستفيضة حوله. 

إلى ذلك، سيُعقد هذا المؤتمر في ظلّ وضع اقتصادي صعب، وفي وقت يأمل فيه المواطنون أن تؤدي مشاركة الحزب في الحكومة إلى تحسين وضعهم المادي، وفي ظلّ ترقب دولي حول أجندة الإسلاميين السياسية بعد الربيع العربي. فهل ستؤثر سخونة حرارة الطقس الجوي والاجتماعي والإقليمي خلال هذه الأيام على نتائج المؤتمر؟

يبدو أن المؤتمر سيتجه، أوّلاً، إلى إعادة انتخاب أمينه العام الحالي مرة ثانية؛ ثانياً، ستُضاف تعديلات جديدة على الصعيد التنظيمي، خصوصاً على مستوى الأمانة العامة والمجلس الوطني، للتكيف مع التحول المؤسساتي بعد الانتقال إلى التسيير الحكومي؛ ثالثاً، سيُجرى تغيير على مستوى الخطاب السياسي، والانتقال من خطاب المعارضة إلى خطاب تدبير شؤون الدولة؛ أخيراً، سيحدث تغيير على مستوى طبيعة العلاقة مع الفاعلين والشركاء، مع مزيد من التمايز عن حركة التوحيد والإصلاح، والانفتاح أكثر فأكثر على المؤسسة الملكية وطبقة رجال الأعمال.

من هنا، تبدو مؤشرات إعادة انتخاب بنكيران واضحة منذ الآن، فقد نجح في إيصال حزبه إلى رئاسة الحكومة، وفي إدخال 10 وزراء في تحالف حكومي مع 3 أحزاب أخرى، وتمكن من التفوق على خصومه السياسيين، خصوصاً حزب الأصالة والمعاصرة الذي أسسه فؤاد عالي الهمة، صديق الملك منذ أيام الدراسة وخصم الإسلاميين الأول آنذاك. هذا الأخير أعلن مرات عدة أن مشروعه السياسي متناقض مع حزب الإخوان، وقد اتهمه حزب العدالة والتنمية بأنه قاد حملة لتفكيك تحالفاته في انتخابات المجالس البلدية التي جرت سنة 2009. وكان بنكيران من أشد المعارضين لهذا الحزب، ماجعل منه زعيماً بدون منازع في أعين مناضلي الحزب. فلا يظهر حالياً أي منافس بارز له؛ ربما يكون لسعد الدين العثماني بعض الحظوظ لمنافسته، إلا أنها محدودة.

مع ذلك، لاينبغي المغالاة في كون إعادة انتخاب بنكيران أمراً محسوماً مسبقاً، خصوصاً إذا استُحضِرَت تجربة المؤتمر السابق، حيث راهن الجميع على إعادة انتخاب سعد الدين العثماني، وهو ما لم يحصل نظراً إلى المعايير المعقدة لانتخاب الأمين العام، والتي تقتضي أن يمر المرشح عبر مسطرة محاسبة دقيقة وقاسية تسمى مسطرة الجرح والتعديل وتقضي بمناقشة أداء الأمين العام خلال ولايته في كل جوانبه من طرف قيادات الحزب وأعضائه بشكل مفتوح داخل المؤتمر، حيث يمكن أن تتغيير آراء المؤتمرين في التصويت للأمين العام مرة أخرى، وهو ماحصل للعثماني ومايمكن أن يحصل لبنكيران أيضاً، وهو مايمكن أن يخلق مفاجئة في آخر لحظة. 

وحتى إذا انتخب بنكيران، فلن تكون مهمته سهلة، إذ يحتاج إلى إقناع قواعد حزبه ومئات الآلاف من المواطنين الذين صوتوا له، بقدرته على ممارسة صلاحياته كرئيس لحكومة منتخبة، وبنجاحه في تسيير فريقه الحكومي. كما عليه إقناعهم بسلامة خياراته في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، ولاسيما تدبير صندوق المقاصة الذي يمتص أكثر من 50 مليار درهم ويستفيد منه الأغنياء أكثر من الفقراء، وذلك في ظل الانتقادات التي صاحبت ارتفاع أسعار المحروقات، وماترتب عن هذا الارتفاع من طفرة في أسعار بعض السلع والمواد الأساسية. كما يعمل أيضاً على بناء الثقة مع المؤسسة الملكية، فالرجل مؤمن فعلاً بأن نجاح عمله كرئيس للحكومة لن يتحقّق إلا بالتعاون مع الملك. وبما أنه لن يدخل في صراع معه، وإذا وجد نفسه عاجزاً عن الإصلاح، "فسيعيد إليه المفاتيح"، في إشارة إلى تقديم استقالته، كما ادّعى في مناسبات عدة. 

ويبدو من المؤكد أن بعض التعديلات ستجرى على المستوى التنيظيمي ورؤية العمل للتكيف مع الواقع السياسي الجديد. فعلى المستوى التنظيمي، طُرِحَت أربعة مقترحات لتعديل النظام الأساسي ومشروع مسطرة انتخاب الأمين العام وأعضاء الأمانة العامة وأعضاء المجلس الوطني في المؤتمر السابع. كما يتم تداول صيغتين لشكل الأمانة العامة: الأولى تعتمد صيغة "أمانة عامة موسعة" تضم، إضافة إلى 15 عضواً يختارهم الأمين العام ويصادق عليهم المؤتمر، وزراء ومسؤولين كبار في الحزب، مايعني توسيع دائرة الاستشارة والقرار. إلا أن ذلك يمكن أن يجعل عملية صناعة القرار أكثر تعقيداً وأقل فعالية إذا لم تدعم بجهاز تنفيذي ناجح. أما الصيغة الثانية فهي "أمانة عامة سياسية" مكونة فقط من 15 عضواً، تتخذ القرارات السياسية، وهي مدعومة بجهاز تنفيذي فعال يرأسه أحد أعضاء الأمانة العامة يكلف بمهمة مساعد الأمين العام وتنفيذ القرارات، مايجعل صناعة القرار أكثر سرعة وفعالية، ويُحدِث فصلاً واضحاً بين العمل الحكومي وبين التدبير الداخلي للحزب. إلا أنه من الضروري إنتظار نتائج ماسيسفر عنه النقاش داخل المؤتمر لحسم الصيغة التنظيمية الجديدة.

تبنّى المؤتمر الوطني السادس للعام 2008 أطروحة "النضال الديمقراطي مدخلنا للإصلاح"، التي بُنيَت على فرضية النكوص والتراجع السياسي، وهو ماكان يمليه السياق السياسي لتلك المرحلة، مع التراجعات التي عرفها المغرب منذ انتخابات 2007، والتي تمثلت في خروج فؤاد عالي الهمة من وزارة الداخلية، وترشحه للبرلمان، وحصده ثلاثة مقاعد في دائرته، ثم تأسيسه حزب الأصالة والمعاصرة في العام 2008، وتمكنه من تكوين أكبر فريق نيابي جمعه من شتات البرلمانيين الفارين من أحزاب أخرى، عبر ظاهرة "الترحال السياسي" التي عاشها المغرب في تلك الفترة، مع أنه لم يشارك في انتخابات 2007، بالإضافة إلى حل حزب البديل الحضاري في العام 2007 وحزب الأمة في العام 2008 بشكل لاقانوني. 

إلا أن دخول الحكومة دفعهم إلى تغيير موقفهم وتبني شعار "شراكة فعالة من أجل البناء الديمقراطي"  المبني على فرضية أخرى تقتضي استبعاد المسلسل التراجعي، وهي كانت الفرضية الأساسية الناظمة لأطروحة المؤتمر السابق قد أدّت إليه. وهو ماتفسره أرضية حول التوجهات الكبرى لأطروحة المؤتمر الوطني السابع لاعتبارين: أولاً، تواري منطق التحكم الفاضح وتراجعه نتيجة مقاومة الحزب من جهة، ونتيجة معطيات الربيع العربي، من دون أن يعني ذلك اندحاره النهائي؛ وثانياً، الوضع الجديد للحزب في موقع التدبير الحكومي. 

ومع أن مسألة الاعتزاز بالمرجعية الإسلامية ستبقى مستمرة عند حزب العدالة والتنمية، سيكون المؤتمر فرصة أخرى لإبراز مزيد من التمايز بينه وبين حركة التوحيد والإصلاح. فهذه الأخيرة تُعتَبَر المحضن الدعوي الذي أطلق منه الحزب مساره السياسي، إلا أن أحداث 16 مايو الإرهابية في الدار البيضاء دفعت به إلى إعلان انفصاله عن الحركة والتمايز عنها نتيجة الضغط الخارجي وكخيار ذاتي للتمايز الوظيفي بين الحركة التي تعمل في مجال الدعوة، وبين الحزب الذي يضطلع في مجال تدبير الشأن العام. و قد صرح رئيس الحركة، محمد الحمداوي، بأن حركته "لن تبرح مواقعها الدعوية، ولن تصبح خلية تابعة للحكومة، تتماهى معها وتنخرط كليّاً في أجندتها"، وذلك رداً على اتهامات الحزب بازداوجية الخطاب بين الدعوة والسياسة. واعتبر أن الحركة "اختارت خيار التمايز على الحزب وعلى العمل الحكومي، وانصرفت نحو التدافع المؤسساتي والمجتمعي خصوصاً في قضايا الهوية والقيم، ورفضت خيار التماهي مع التجربة الحكومية، والسعي إلى إنجاحها، والدفاع عنها، والانخراط الكلي في استحقاقاتها".

من جهة أخرى، يفرض الوضع الجديد للحزب الانفتاح على طبقة رجال الأعمال وإدماجهم في مشروع الحزب. فمنذ تأسيسه إلى اليوم، عُرِف الحزب بأنه حزب الطبقة الوسطى المتعلمة من مهندسين وأطباء ومحامين وأساتذة، في حين أن وجود طبقة رجال الأعمال وأصحاب المال المتوسطين والكبار فيه ضعيف. وقد بدأت مؤشرات انفراج نسبي في العلاقة بينهما، حيث بادر الحزب أثناء الحملات الانتخابية، إلى لقاء محمد حوراني، مدير الاتحاد العام لمقاولات المغرب CGEM، وهي أكبر جمعية رجال أعمال، وذلك قبل باقي الأحزاب الأخرى. كما سافر هذا الأخير مع رئيس الحكومة ضمن الوفد الرسمي الذي زار منتدى دافوس الإقتصادي. في المقابل، قدمت مؤسسته دعما للحكومة بقيمة مليار و200 مليون درهم (150 مليون دولار)، لإطلاق مشروع دعم اجتماعي يهمّ الأسر الفقيرة. كما أن بعض رجال الأعمال أعلنوا دعمهم فعلاً لحزب العدالة والتنمية أثناء الانتخابات النيابية الأخيرة، مثل رجل الأعمال اليساري الشهير كريم تازي، الذي صوت للحزب على الرغم من اختلافه الإديولوجي معه. هذا الانفتاح يعود في الأساس إلى إحساس طبقة من رجال الأعمال في المغرب بأن أي انفتاح اقتصادي ستقوم به الحكومة الجديدة سيكون لصالحهم، في ظل نظام اقتصادي غير تنافسي تهيمن فيه شركات قريبة من مراكز النفوذ. لذلك، ليس من المفاجئ أن يكون ثمة تمثيل مهم لطبقة رجال الأعمال في المؤتمر، وربما يُعطى لبعضهم كلمة شرفية في الجلسة الافتتاحية.

محمد مصباح طالب دكتوراه في علم الإجتماع بجامعة محمد الخامس بالرباط وباحث في المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة. عمل مؤخرا زميلا زائرا في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في واشنطن.