فور إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية المصرية، أسرف المهنئون في تعداد المكاسب التي حصدتها جماعة الإخوان المسلمين من فوز مرشحها الدكتور محمد مرسي في هذه الانتخابات. لكن في ظل نشوة الفوز، لم يذكر أي من هؤلاء خسائر "الإخوان" في هذه الانتخابات، وهي كثيرة، وهذا مايثبته تحليل اتجاهات التصويت في الانتخابات بجولتيها.

في البداية، لابد من الإشارة إلى أن أي قراءة دقيقة لاتجاهات التصويت في الانتخابات الرئاسية يجب أن تستند إلى نتائج الجولة الأولى التي تبدو أكثر مصداقية في قياس المزاج الشعبي تجاه مرشحي الرئاسة من الجولة الثانية. فالجولة الأولى شهدت عدداً كبيراً من المرشحين المنتمين إلى ألوان الطيف السياسي كافة، في حين أن الجولة الثانية كانت محصورة بمرشّحَين لايعبّران بشكل كافٍ عن الاتجاهات السائدة كلها، بل إن كلا منهما حصل على عدد يعتدّ به من الأصوات نكاية في الطرف الآخر أو تخوّفاً من فوزه، وهو مايُعرَف بـ"التصويت العقابي". وبالتالي، إن نتائج الجولة الأولى أكثر مصداقية لتبيان ما أصاب الأوزان النسبية للقوى السياسية كافة من تغيير جرّاء ممارستها السياسية عقب الثورة. 

وأولى القوى السياسية التي كشفت هذه النتائج عن تراجع شعبيتها بشكل ملفت كانت جماعة الإخوان المسلمين، بعد أن حصل مرشحها محمد مرسى على نحو 5.7 ملايين صوت، مايناهز 25% من أصوات المشاركين في الجولة الأولى، مع فارق ضئيل من الأصوات (259 ألف صوت) يفصله عمّن يليه. وهذا يدل على تراجع ضخم مقارنة بحجم ماحصلت عليه الجماعة في الانتخابات التشريعية، والذي بلغ حوالى 10.5 ملايين صوت، أي نحو 33% من مجموع المشاركين، مايعني أن الجماعة خسرت تقريباً نصف كتلتها التصويتية بين جولتين انتخابيتين لايتجاوز الفاصل الزمني بينهما 5 أشهر. 

ولم يختلف الأمر كثيراً في جولة الإعادة التي كشفت بدورها عن تراجع ملحوظ في شعبية الإخوان المسلمين. فبالكاد تجاوز مرشحهم حاجز الفوز بـ1.7% فقط من أصوات الناخبين بعد حصوله على 51.7% من مجموع الأصوات الصحيحة، وبهامش ربح بلغ فقط نحو 882 ألف صوت عن منافسه، مع أن منافسيهم في الإنتخابات البرلمانية، وفي الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، أصبحوا داعمين لهم في جولة الإعادة، خوفاً منهم على مسار الثورة لو فاز أحمد شفيق. ويُذكَر أن عدد الأصوات الباطلة عادل تقريباً فارق الأصوات بين المرشحين، إذ بلغ 843 ألف صوت.

إضافة إلى هذا التراجع في نسبة التأييد داخل عموم القطر المصري، سُجِّل تراجع أكثر دلالة، وهو تراجع نوعي تمثّلَ في تدهور شعبية جماعة الإخوان المسلمين داخل معاقلها التقليدية. فإذا نظرنا الى الأرقام في كل محافظة، لاحظنا مثلاً أن مرسي حلّ ثانياً أو ثالثاً في محافظات ومناطق عُرِفَت تقليدياً بأنها تمثّل معاقل الفكر الإخواني والسلفي في منطقة الدلتا والوجه البحري، مثل محافظات الشرقية، والغربية، والدقهلية، والقليوبية، والمنوفية، والإسكندرية، والإسماعيلية، وهي محافظات اكتسحتها جماعة الإخوان في الانتخابات البرلمانية. ففي محافظة الإسكندرية، حلّ مرسي ثالثاً في الجولة الأولى، وبفارق ضخم من الأصوات يقترب من الضعف عن حمدين صباحي صاحب المركز الأول (571.7 آلاف مقابل 299.4 آلاف)، على الرغم من فوز حزب الحرية والعدالة بنصف مقاعد هذه المحافظة في الانتخابات البرلمانية (10 من أصل 24 مقعداً)، وفي ظل منافسة ضارية ضد السلفيين الذين يتركزون بدورهم في هذه المحافظة. كما حل محمد مرسي ثانياً في مسقط رأسه، محافظة الشرقية، بعد أن حصل على 32% فقط من الأصوات، مع أن حزب الحرية والعدالة حصد 18 مقعداً من أصل 30، بنسبة 60% من إجمالي مقاعد هذه المحافظة في الانتخابات البرلمانية. ولم يحصل محمد مرسي سوى على29 % من أصوات محافظة البحيرة، وهي مسقط رأس مؤسس الجماعة ومرشدها الأول الإمام حسن البنا، وحصل فيها حزب الحرية والعدالة على 12 مقعداً من أصل 30 الانتخابات البرلمانية. وفي محافظة الغربية، فاز "الحرية والعدالة" بـ13 مقعداً من أصل 30، بنحو 48% في الانتخابات البرلمانية؛ لكن هذه النسبة انخفضت إلى 17% في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية.

وفي جولة الإعادة، استمر تقدّم أحمد شفيق في المعاقل التقليدية للإخوان. ففي محافظة الغربية، على سبيل المثال، حصل شفيق على 63% من أصوات الناخبين، فيما حصد مرسي 37% فقط. وفي محافظة الشرقية، حصل مرسي على45.7% فقط من أصوات الناخبين، مقابل 54.3% لمنافسه. أما في محافظة القليوبية، فحصد مرسي 41.7% فقط، مقابل 58.3% لمنافسه، على الرغم من اكتساح حزب الحرية والعدالة نتائج هذه المحافظة في انتخابات مجلس الشعب، بحصوله على 10 مقاعد من أصل 17 مقعداً مخصصا لها بما يناهز 59%. وفي محافظة الدقهلية، حيث فاز حزب الحرية والعدالة بنحو 47% من المقاعد المخصصة لها في البرلمان، حصل مرسي على 44.45% مقابل 55.6% لشفيق، الذي حصل بدروه على 71.5% من أصوات محافظة المنوفية، مقابل 28.5% فقط لمرسي الذي حصل على 45.8% فقط من أصوات محافظة بورسعيد، فيما ذهبت النسبة الباقية إلى منافسه.

هذه النسب والأرقام تدل على أن الجماعة بدأت تفقد نفوذها في معاقلها التقليدية في محافظات الدلتا والساحل والوجه البحري، وهي محافظات ذات كتل تصويتية ضخمة. كذلك الحال في المحافظات المدنية ذات الكثافة السكانية العالية، مثل محافظة القاهرة التي حصل فيها محمد مرسي على 44% فقط في الجولة الثانية، مقابل 55.7% لأحمد شفيق، بعد أن كان قد حل ثالثاً في الجولة الأولى عند حصوله على 17% فقط من أصوات هذه المحافظة.

وبالكاد حافظت الجماعة على نفوذها، وبفارق ضئيل، في محافظات الصعيد والوجه القبلي، حيث تستغرق عملية التغيير وقتاً أطول وجهداً أكبر نظراً إلى طبيعة الثقافة السياسية القبلية والعشائرية السائدة في تلك المناطق، إذ حلّ مرسي أولاً في كلا الجولتين في محافظات الفيوم، وأسيوط، والمنيا، وسوهاج، وبني سويف، وقنا، وأسوان.

لاشك أن هذا التراجع في شعبية الإخوان هو نتاج شهور قليلة من الممارسة البرلمانية الصادمة لتوقعات وآمال النخب والجماهير، ونتاج محاولتهم الاستحواذ على كل مايتاح لهم من سلطات ومناصب تنفيذية وتشريعية، بما فيها منصب رئيس الدولة، مايعكس رغبة جامحة في السلطة والسيطرة على كل مفاصل الدولة. لكن خطيئتهم الكبرى كانت محاولاتهم الدؤوبة السيطرة على تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور، وإقصاء تيارات وفئات وطوائف فاعلة في المجتمع، ما دفع بقية القوى الفاعلة في المجتمع إلى إحباط مخططاتهم. هذه المحاولات وغيرها أثارت المخاوف من استبداد الأغلبية، وأعادت إلى الأذهان الممارسات الاحتكارية والإقصائية للحزب الوطني المنحلّ، والخوف من إعادة إنتاج هذا الحزب في إطار جديد لايقل استبداداً. 

ولعل مايدعم هذه الفرضية هو اعتراف المرشد العام السابق للجماعة، محمد مهدي عاكف نفسه، في حوار مع قناة العربية في 27 أيار/مايو الماضي، بأن حصول مرشح الإخوان على 5.7 ملايين صوت في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية، مقابل 10.5 ملايين صوت في انتخابات مجلس الشعب، يعني أن الإخوان خسروا كثيراً من قاعدتهم الجماهيرية، مُرجِعاً ذلك أساساً إلى أخطاء الإخوان في البرلمان. ويبدو هذا منطقياً إلى حد بعيد، نظراً إلى أن البرلمان كان الساحة الأولى والوحيدة التي اختُبِر فيها الأداء السياسي لجماعة الإخوان المسلمين. ولايبدو منطقياً تفسير هذا التراجع بأسبابٍ من قبيل انخفاض شعبية مرسي مقارنةً بخيرت الشاطر. فمرسي لم يكن مرشحاً مستقلاً بل مرشحاً حزبياً يمثّل حزباً له قواعد جماهيرية واسعة، وكتلة تصويتية مضمونة تصوّت للحزب ومبادئه بغض النظر عن شخصية مرشحه؛ فمَن صوّت لمرسي في الجولة الأولى، صوّت في الحقيقة للإخوان. 

وأثبتت نتائج الانتخابات توق الشارع إلى بديل سياسي مدني، مايفسّر كمية الأصوات التي حصل عليها أحمد شفيق. فعلى الرغم من انتمائه إلى نظام مبارك، وجد كثيرون في فوزه حمايةً للدولة المدنية. وهذا ما انعكس أيضاً في المفاجأة التي حقّقها المرشح ذو الميول اليسارية، حمدين صباحي، في الجولة الأولى من الانتخابات، بحلوله ثالثاً وبفارق ضئيل عن صاحبَي المركزين الأول والثاني، وفي حجم الأصوات التي حصل عليها (نحو 21% من الأصوات)، والتي جاء أغلبها من المناطق المدينية مثل القاهرة والجيزة والإسكندرية، وذلك على الرغم من ضعف الإمكانيات المادية لحملته الانتخابية مقارنة ببقية المرشحين. كما يجب ألا تفوتنا حقيقة أخرى وهي أن نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية لم تتجاوز الـ50%، ولو حسبنا عدد الأصوات التي حصل عليها مرشح الإخوان في الجولة الأولى (5.7 مليون صوت) من العدد الإجمالي للمقيَّدين في الجداول الانتخابية (حوالى 50 مليون ناخب)، لاكتشفنا أن الشعبية الحقيقة للإخوان المسلمين في صفوف الناخبين لاتتجاوز الـ11%. 

هذا التراجع في شعبية الإخوان مرشح لمزيد من التفاقم مع توليهم السلطة التنفيذية واصطدامهم بمشاكل الناس ومتطلباتهم اليومية، في ظل رقابة شعبية وسياسية وإعلامية واسعة ومتوقّعة لأداء مؤسسة الرئاسة.

عاطف السعداوي مدير تحرير مجلة الديمقراطية في مؤسسة الأهرام.

مصدر نتائج الانتخابات الرئاسية.

مصدر نتائج انتخابات مجلس الشعب