يولي الإعلام الدولي الإهتمام بالرقابة في لبنان، حيث يسلط الضؤ عادةً على أخبار حظر أفلام غربية مثل "شيفرة دافينشي" (The Da Vinci Code)، أو فيلم الرسوم المتحركة "برسيبوليس" (Persepolis) . لكن الضحايا الحقيقيين للرقابة المتشدّدة التي تمارسها المديرية العامة للأمن العام هم مخرجو الأفلام والمسرحيات اللبنانيون الذين غالباً ما يواجهون عملية شاقّة جداً للحصول على تراخيص لتصوير أو عرض أعمالهم الإبداعية. 

وفي إطار الأنظمة الداخلية التي تحكم عملها، تتبع المديرية العامة للأمن العام توجيهات ذات أفق واسع من الاجتهاد والتأويل: وتنص هذه التوجيهات على أنه يجب ألا تشكّل الأعمال الإبداعية "أي إساءة إلى لبنان"، أو "أي حساسية سياسية أو عسكرية"، أو تثير "نعرات طائفية أو فئوية". فضلاً عن ذلك، وخلافاً للرقابة على المطبوعات، تطبق الرقابة على الأفلام المحليّة والمسرح بكاملها خارج المحاكم. ففي حين أنه لايمكن حظر المطبوعات إلا عبر رفع دعوى قضائية (حيث يستطيع الكتّاب والصحافيون الدفاع عن أنفسهم أمام محكمة المطبوعات)، إلا أنه ليس بإمكان مخرجي الأفلام والمسرحيات الطعن في/ أو استئناف قرار الأمن العام لناحية حذف مقاطع من أعمالهم أو منع عرضها.

في الأعوام الأخيرة، بدأت منظمات المجتمع المدني المحلية ترفع الصوت أكثر ضد الرقابة. ولاتسعى هذه الأصوات فقط إلى كبح الرقابة، إنما وعلى نطاق أكبر، إلى الحد من السلطات الواسعة للمديرية العامة للأمن العام التي تتمتّع بدرجة كبيرة من الاستقلال الذاتي وحرّية التصرّف، ما يجعلها متفلّتة حتى من سلطة وزراء الداخلية الذين يعجزون عن تثبيت سيطرتهم عليها، ولاسيما في شؤون الرقابة.

في العام الماضي، نظّم "مرصد الرقابة"، وهو ائتلاف من المنظمات الثقافية الكبرى في لبنان (مثل "متروبوليس دي سي" Metropolis DC و"أشكال ألوان" و Né à Beyrouth وسواها)، أوّل مجهود جماعي لوضع تقويم شامل (انقر هنا للاطلاع على التقرير كاملاً) عن الرقابة التي تمارسها مؤسّسات الدولة. وقد كشفت الأبحاث التي قادها المحامي البارز في مجال حقوق الإنسان نزار صاغية، درجة تورّط المسؤولين السياسيين والمرجعيات الدينية بصورة مباشرة في حالات الرقابة. كما وثّقت كيف دأب قسم الرقابة في الأمن العام على إرسال الأفلام والأعمال الإبداعية الأخرى التي يعتبر أنها ربما تثير حفيظة المؤسسات الدينية، إلى تلك الهيئات (مثل دار الفتوى أو المركز الكاثوليكي للإعلام)، وكيف يمتثل على الدوام تقريباً لرغباتها فيقوم بحذف مشاهد معيّنة أو يمنع عرض العمل بكامله. ففي أيار/مايو الماضي مثلاً، ونزولاً عند طلب المركز الكاثوليكي للإعلام، فرض الأمن العام حذف بعض المشاهد من فيلم "تنورة ماكسي" لجو بو عيد بحجّة أنها "مسيئة للمسيحية".

وكما في حالة المؤسّسات الدينية، يتم روتينياً استشارة السياسيين حول الأعمال الإبداعية التي تأتي على ذكرهم أو ذكر أحزابهم. فالرقابة على الأفلام التي تتطرّق إلى الحرب الأهلية أمرٌ رائج منذ التسعينيات على أساس أن الإشارة إلى الحرب الأهلية "تُهدّد السلم الأهلي". لكن الحقيقة هي أنها تقضّ مضجع أمراء الحرب الذين لايزالون في السلطة. فعلى سبيل المثال، شهدت رندة الشهّال؛ التي تمثّل الرعيل الأقدم من المخرجين اللبنانيين الذين تناولوا موضوع الحرب الأهلية في أعمالهم، تقطيع وحذف الكثير من أفلامها بشكل وحشيّ، لعلّ أشهرها هو فيلم "متحضّرات" (1999). كذلك، فُرِض على سيمون الهبر حذف ستّ دقائق من فيلمه الوثائقي للعام 2009 "سمعان بالضيعة" One Man Village (شاهد المقطع المحذوف هنا) لأنه أتى على ذكر دور الحزب التقدّمي الاشتراكي خلال الحرب الأهلية. وخلال العام الفائت، مُنِع عرض فيلم "بيروت بالليل" Beirut Hotel للمخرجة دانيال عربيد بسبب إشارته إلى اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في العام 2005.

 سار آخرون أيضاً على خطى الجهود التي يبذلها "مرصد الرقابة". فالناشطون الذين تمنحهم الانتفاضات في المنطقة زخماً، باتوا أقلّ تقبّلاً للسلطة الرقابيّة التي تمارسها القوى الأمنية على التعبير الإبداعي. وهكذا، وفي الأسبوع الماضي، أطلق مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية (سكايز) - الذي أنشأته مؤسّسة سمير قصير في العام 2007 لرصد والإعلان عن انتهاكات حرية الصحافة والتعبير الفنّي في لبنان وسوريا وفلسطين والأردن - مسلسلاً وثائقياً ساخراً بعنوان "ممنوع" يصوّر بطريقة تهكّمية ما يجري داخل قسم الرقابة في المديرية العامة للأمن العام. ففي أحد المقاطع، يبتسم ضابط في الأمن العام بتعجرف فيما يقوم بتنقيح نص مسرحي لمخرج شهير، وهو مسرور بإبداعه في تغيير النص ليناسب ما يُسمّى بـ "الآداب العامة". وقدّ ركّز مركز سكايز حملته عبر شبكة الإنترنت وشنّ حملة دعائية مكثّفة للترويج للشريط الوثائقي على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك بهدف تفادي الرقابة نظراً إلى عدم وجود تنظيمات للإنترنت في لبنان. وفي حين أنه لايزال من المبكر جداً تحديد ما إذا كان الشريط الوثائقي "ممنوع" سيثير غضب الأمن العام ويتسبّب برد فعل عنيف، حظيت الحملة حتى الآن بالكثير من الاهتمام الإعلامي، واستقطبت الحلقات الثلاث الأولى التي عُرِضَت عبر موقع "يوتيوب" نحو 11000 مشاهد في غضون أسبوع. ولاتزال هناك سبع حلقات. 

يدعو مركز سكايز ومرصد الرقابة إلى إنهاء إشراف الأمن العام على الأعمال الفنّية، وإنشاء هيئة ناظمة مستقلّة تتولّى تطبيق نظام لتصنيف الأفلام أو المسرحيات. ويطالبان أيضاً بوضع حدّ للإشراف على الأفلام والمسرحيات خلال عملية إعدادها؛ ويقترحان أن تتلقّى الهيئة الجديدة الشكاوى بعد عرض الأعمال على الشاشة أو المسرح، ثم تقرّر إذا كان يجب إخضاعها للرقابة أم لا.

لاشك في أن هذه الأهداف تواجه تحدّيات هائلة تتمثّل في الطبقة السياسية المتعنّتة، والقوى الأمنية المتشددة التي لاترغب في التخلّي عن سلطاتها التعسّفية، والحاجة إلى استمالة المواطنين المحافظين الذين يتخوّفون من الأعمال الإبداعية غير الخاضعة للرقابة. وسوف يكون على المنظمات الأهلية أيضاً أن تضع خلافاتها جانباً وتبذل مجهوداً أكبر لتنسيق جهودها، فتحذو بذلك حذو المدافعين عن الرقابة مع قيام المرجعيات الدينية برص صفوفها في مطلع القرن الحالي، وإنشاء "هيئة صون القيم" لمراقبة تقيّد وسائل الإعلام بالآداب والأخلاق. وقد تقدّمت اللجنة بشكاوى إلى مكتب المدّعي العام بشأن النساء اللواتي يظهرن بثياب تكشف جزءاً كبيراً من أجسادهن في البرامج التلفزيونية وعلى اللوحات الإعلانية، وطالبت الدولة بفرض رقابة على البرامج التلفزيونية والأفلام والمطبوعات حفاظاً على "كرامات الناس". ودعت في بيانها الأخير (23 أيار/مايو) وسائل الإعلام إلى ممارسة الرقابة الذاتية، والحكومة إلى مراقبة الإعلام للتأكّد من تقيّده بالمعايير الأخلاقية. وفي مؤشّر مهم، بدأ البيان بوصف المؤسّسة العسكرية بأنها "الحاضن الوحيد للبنان"، فربط بذلك بين الرقابة والقوى الأمنية.

لكن المعركة ضد الرقابة تحمل الكثير من الآمال أيضاً. أولاً، في العامَين الماضيين، وبفضل جهود مرصد الرقابة، أصبحت العملية غير الشفّافة التي كانت تُمارَس بها الرقابة على الأفلام والمسرحيات أكثر وضوحاً بكثير، والمعرفة هي نصف المعركة. فضلاً عن ذلك، قدّم بعض المسؤولين الحكوميين دعمهم للجهود التي تُبذَل لمكافحة الرقابة. فقد أدّت الضغوط التي مارسها وزير الثقافة السابق طارق متري إلى العودة عن قرار منع عرض فيلم Persepolis (الذي ذكرت تقارير إخبارية أنّه مُنِع من العرض لأنه لم يعجب مدير عام الأمن العام آنذالك، اللواء وفيق جزّيني الذي يُقال إنه مقرّب من "حزب الله"). وحاول وزير الداخلية السابق زياد بارود منع الأمن العام من اقتطاع المشهد المذكور آنفاً في وثائقي "سمعان بالضيعة". ومتري هو أيضاً داعم قوي لإلغاء الرقابة على الأعمال الفنّية قبل إنتاجها، وذلك من أجل السماح بتداول الأفلام وكل المنتجات الثقافية بحرّية تامة. أخيراً، ومثلما تُظهر حملة "ممنوع"، ينبض التعبير الإبداعي بالحياة والزخم في لبنان- وكذلك الوسائل المبتكرة للإلتفاف على رقابة السلطات.

دورين خوري مديرة برامج في مكتب الشرق الأوسط في مؤسسة هينرش بل في بيروت، تركّز أعمالها على الإصلاح الانتخابي، والرقابة، وشبكات التواصل الاجتماعي. في أيلول/سبتمبر، سوف تبدأ فترة زمالة في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين.