تشريع عمل الأحزاب السلفية ومشاركتها في العملية الديمقراطية هو من الاتجاهات الحديثة التي انبثقت عن الانتفاضات العربية. فعلى غرار مصر التي عمدت إلى إعطاء تراخيص لثلاثة أحزاب سلفية قبل الانتخابات، واليمن التي قوننت مؤخراً أول حزب سلفي في البلاد، رخّصت تونس في 29 مارس/آذار لحزبها السلفي الأول، حزب جبهة الإصلاح الإسلامية التونسية، المعروف اختصاراً بـ"جبهة الإصلاح".

كانت الحكومة الانتقالية بقيادة رئيس الوزراء السابق الباجي قائد السبسي قد رفضت مرّتَين طلبات جبهة الإصلاح للحصول على الترخيص القانوني، وذلك بسبب وجود أسماء عدد من مؤسسيه ضمن من حوكموا في قضايا أمنية. أما حزب النهضة الحاكم حالياً فيؤيّد تقنين الأحزاب السلفية نظراً إلى تاريخه في المعارضة (حيث تعرّض إلى قمع شديد)، وإلى الاعتبارات العملية التي تترتّب على حكم بلد يشهد استقطاباً إيديولوجياً. ويبدو أن حزب النهضة يعتقد أنه عبر ضمّ مجموعات مثل جبهة الإصلاح إلى المنظومة، يمكن توجيه إشارة واضحة: مَن يريد المشاركة في رسم مستقبل تونس عليه الانضمام إلى العملية الديمقراطية.

من الواضح أن جبهة الإصلاح تحاول أن تشقّ طريقها في هذا المناخ الجديد، وأن تضبط القيم السلفية بما يتطابق مع المعايير الجديدة. وعلى الرغم من امتلاكها جذوراً قيادية مشابهة لجبهة أخرى هي الجبهة الإسلامية التونسية - التي كانت تنادي بالإرهاب - لاتحض جبهة الإصلاح الشبابَ على شنّ حروب جهاد في الخارج، كما أنها لاتعارض المشاركة في الانتخابات الديمقراطية. في الواقع، ترشّح أعضاء في الجبهة لانتخابات المجلس التأسيسي في تشرين الأول/أكتوبر 2011، بصفة مستقلّين وأعضاء في جبهة العمل والإصلاح التونسية. وقد علّق رئيس الجبهة، محمد خوجة، الذي كان أستاذاً في جامعة تونس: "ان حزبه يلتزم بالقيم المدنية للدولة ويحترم خصوصيات التجرية الديمقراطية في اطار سلمي بعيد عن كل اشكال العن".

وأصدرت جبهة الإصلاح برنامجاً رسمياً قد يُغضِب الكثير من الليبراليين التونسيين، لكن تبويبه يعكس إدراكاً شديداً لدى الحزب للسياق وواقع البلاد. صحيح أن البرنامج مبهم مقارنةً ببرنامج حزب النور المصري، إلا أنه يشكّل نافذة إلى المستقبل المثالي الذي يتصوّره الحزب لتونس - في محاولة منه للتفاوض على السياق العام لمجتمعٍ ديمقراطي مع الإبقاء على أولوية قيمه الإسلامية.

وفي هذا الإطار، لاشك في أن هناك نقاطاً كثيرة في برنامج الحزب لايزال يجب توضيحها والتوسّع فيها أكثر. فعلى سبيل المثال، تذكر جبهة الإصلاح أهمّية السيادة التونسية في أهدافها العامة - ثم تدعو لاحقاً إلى إلغاء "الحدود المصطنعة" في برنامجها السياسي (في تلميح على الأرجح إلى إعادة إحياء دولة الخلافة لتحلّ مكان السيادة المحلية، مع العلم بأن تحقيقها مستبعد). فضلاً عن ذلك، وفيما تدعو الجبهة إلى تطبيق الشريعة على مختلف جوانب الحياة، تلفت أيضاً إلى أن هناك جوانب مفيدة في القانون المدني تكمِّل الشريعة الإسلامية.

إضافةً إلى ذلك، يركّز البرنامج على نقاط تنسجم مع تقليد ليبرالي-ديمقراطي تقليدي، ولاسيما أهمية فصل السلطات بين فروع الحكومة المختلفة، وكذلك تناوب السلطة وعدم المسّ بنتائج الانتخابات. ويدعو أيضاً إلى توفير ضمانات لحرية الفكر والتعبير والعمل السياسي والمعتقد، علماً أنه يصفها بأنها تتطابق مع المبادئ الإسلامية، ماينذر من جديد بحدوث تشنّجات في أي مفاوضات قد تحصل داخل الجبهة في المستقبل، أو يشير إلى انقسام في صفوفها.

لايتطرّق برنامج جبهة الإصلاح بالتحديد إلى صون حقوق الجماعات الصغيرة من بربر ويهود ومسيحيين ومسلمين إباضيين، لكن خلال المؤتمر الأول للحزب في الثامن من تموز/يوليو، قال الناطق باسمه، صلاح البوعزيزي: "سوف تُضمَن حقوقهم [حقوق الأقليات]... في الامبراطورية الإسلامية القديمة، كان اليهود والمسيحيون والمسلمون يعيشون معاً بسلام" (في إشارة إلى نظام الذمّة الذي لم يكن يمنح حقوقاً متساوية لغير المسلمين). ولامعلومات أيضاً عن آراء الجبهة في السياسة الخارجية، ماعدا الإشارة صراحةً إلى رفضها التطبيع مع "الكيان الصهيوني" (إسرائيل) ودعمها القضية الفلسطينية.

بعيداً عن الخط الرسمي، تنشط جبهة الإصلاح كثيراً في سياسة الشارع. ففي ردّ على المزاعم بأن السلفيين أنشأوا إمارة في مدينة سجنان في كانون الثاني/يناير، نظّمت الجبهة مسيرة بعد بضعة أيام، وشرحت أن المواطنين في سجنان يريدون التنمية الاجتماعية، لا إقامة إمارة. وشاركت الجبهة أيضاً في التظاهرات الكبرى التي جرت في آذار/مارس ونيسان/أبريل دعماً للإسلام والقرآن. كما أنها كانت تنوي المشاركة في الاحتجاجات المناوئة للمعرض الفني المثير للجدل في مدينة المرسى، في يونيو/حزيران الماضي، (وقد شدّدت لأنصارها على وجوب الحفاظ على طابعها السلمي وعدم الانجرار وراء الاستفزاز من الأجهزة الأمنية: "لاتنقادوا إلى السقوط في فخ العنف")، لكنها عادت فألغت الوقفة الاحتجاجية (كما فعل الإسلاميون الآخرون)، لأن كثراً تخوّفوا من أنها قد تؤدّي إلى أعمال عنف. وشاركت أيضاً في العديد من التظاهرات والاحتجاجات على خلفية بث قناة "نسمة" فيلم الرسوم المتحرّكة Persepolis في تشرين الأول/أكتوبر 2011. خلال هذا التحرّك، أطلق المشاركون الهتاف المؤجّج للمشاعر "خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سوف يعود"، في إشارة إلى هزيمة اليهود على يد النبي محمد في مدينة خيبر.

كذلك، شاركت جبهة الإصلاح في مؤتمرات عُقِدت في كانون الأول/ديسمبر 2011 وأيار/مايو 2012 حول "ثورات الربيع العربي"، وضمّت شيوخاً سلفيين أكثر تشدّداً مثل الكويتي حامد العلي، والسعودي سفر الحوالي، والمغربي محمد الفيزازي. ونشرت أيضاً على صفحتها على الفايسبوك محتوى مأخوذاً من المؤتمر المثير للجدل، الذي عقده أنصار الشريعة في تونس في مدينة القيروان في أيار/مايو الماضي، إضافةً إلى الدعوة التي أطلقها مؤخراً أبو أيوب التونسي للجهاد، بعد العنف الذي شهدته مدينة المرسى. وقد لقيت هذه الدعوة رفضاً شديداً من الشخصيات السياسية، بما في ذلك حركة النهضة.

في نقطة أساسية، وخلافاً لبعض المجموعات السلفية الأخرى، لاتُظهِر جبهة الإصلاح أي عداء تجاه النهضة. خلال الانتخابات التشريعية في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، قدّمت الجبهة بعض المرشّحين (بصفة مستقلّين) في ستّ دوائر انتخابية، وطلبت من مناصريها التصويت للنهضة في كل الدوائر الأخرى. كما امتنعت الجبهة عن التعليق على عملية شرعنة أحزاب إسلامية أو سلفية أخرى، كي تتفادى على الأرجح التصادم مع النهضة. وكان راشد الغنوشي الذي هو من مؤسّسي النهضة، حاضراً في افتتاح المؤتمر الأول لجبهة الإصلاح، لكن خوجة قال خلال المؤتمر إن "النهضة قدّم تنازلات كثيرة للأحزاب العلمانية واليسارية للحصول على السلطة".

هذا الأخذ والعطاء في خط الحزب الرسمي ونشاطاته على الأرض سوف يستمرّ لا مع جبهة الإصلاح في تونس وحسب، بل أيضاً مع أحزاب سلفية أخرى تشكّلت حديثاً في المنطقة. على غرار حزب النور (الذي توقّع كثرٌ أن يفوز في أقصى الأحوال بخمسة في المئة من مقاعد مجلس الشعب في مصر، وانتهى به الأمر بالحصول على نسبة 25 في المئة)، تأمل جبهة الإصلاح أن تُثبِت نفسها وتُظهِر أنها أكثر شعبية بكثير مما يعتقده الآخرون. في حين أن المرشّحين على لوائحها المستقلّة لم يفوزوا بأي مقاعد في المجلس التأسيسي التونسي، سوف تُقدِّم الطريقة التي ستتعامل بها الجبهة مع القضايا الساخنة في المستقبل وأداؤها في الانتخابات في ربيع 2013، مزيداً من المؤشّرات عن هوية جبهة الإصلاح - والتأثير الذي ستمارسه على مستقبل تونس.

هارون ي. زيلين هو زميل ريتشارد بورو في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.

* تُرجمت هذه المقالة من اللغة الإنكليزية.