بعد أقل من أسبوع على إعلان تونس فوز حزب "النهضة" في أول انتخابات تشهدها البلاد بعد سقوط بن علي، كانت الجزائر على موعد مع حدث كبير: تدشين قطار الأنفاق (المترو) الجزائر الذي يجري التحضير له منذ أكثر من 30 عاماً. واقع الحال أنه في حين يمرّ الجزء الأكبر من العالم العربي في مرحلة من الاضطرابات، يكثر الكلام عن "استثناء جزائري". مع الانحسار السريع لموجة الاحتجاجات التي اجتاحت البلاد في كانون الثاني/يناير 2011، يبدو أن الأمور استعادت وتيرتها المعهودة في الجزائر: فقد حقّقت جبهة التحرير الوطني الحاكمة نصراً بدا مدوّياً في أيار/مايو الماضي، وفي الخامس من تموز/يوليو احتفلت البلاد بعيد استقلالها الخمسين (وقد اعتُمِد شعار رسمي للاحتفالات يُبرِز صورة المترو). لكن خلف العناوين الرئيسة، لايزال الجزائريون يعبّرون يومياً عن تململ عميق.

لقد هنّأت الجزائر كل من هيلاري كلينتون وبان كي مون والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية، على شفافية العملية الانتخابية واستقرارها. حتى إن باراك أوباما عبّر عن تهانيه للجزائر لمناسبة الذكرى الخمسين لاستقلالها مشيراً إلى "أن الجزائر لاتزال تضطلع بدور محوري في مجال مكافحة الإرهاب، وهي شريك هام في مجال الأمن في المنطقة”. الجزائر هي لاعبة أساسية في الساحل الغني بالموارد حيث يحظى الإسلاميون بالدعم من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب. غالباً مايُعتبَر هذا التنظيم الغامض نسخة عن الجماعة الإسلامية المسلّحة التي كانت المنظّمة الإرهابية الأساسية خلال الحرب الأهلية الجزائرية. كما أن الاستقرار مهمّ في شكل خاص للمراقبين الخارجيين هذه الأيام، بسبب الأحداث في شمال مالي (وفي ليبيا)، والقتال الفوضوي بين ثوّار الطوارق التابعين للحركة الوطنية لتحرير أزواد وبين جماعة "أنصار الدين" الإسلامية. لاشك في أن المجتمع الدولي - بما في ذلك هيئات مثل المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا والاتحاد الأفريقي - يتطلّع الآن إلى الجزائر للمساعدة على حلّ الأزمة.

لكن الاستقرار الذي غالباً مايحظى بالثناء في الخارج يُقرَأ بدقّة أكبر في الداخل على أنه تعبير عن الخيبة من السياسة المؤسّسية. في الواقع، شكّلت الانتخابات التشريعية خيبة أمل كبيرة لمعظم الجزائريين: فإلى جانب الاتهامات الواسعة بحدوث تزوير، أشارت تقديرات بعض المحللين إلى أن نسبة المشاركة الفعلية بلغت 15 في المئة وليس 42.9 في المئة كما ادّعى النظام. وعلى الرغم من الأمنيات التي أرسلتها واشنطن لمناسبة الذكرى الخمسين للاستقلال، لم يتأثّر الجزائريون كثيراً بالعيد، فقد قال لي أحدهم: "لا آبه للعيد الخمسين، الاستقلال خبر قديم. أودّ أن تحقّق الحكومة إنجازات الآن، لا أكترث البتّة لما فعلوه قبل 50 عاماً".

استخدم النظام هذا التململ للتشكيك في وطنية السكّان بدلاً من التشكيك في شرعيّته. فقد زعم وزير الداخلية، دحو ولد قابلية، أن الجزائريين في الشمال لم يصوّتوا في الانتخابات البرلمانية لأنهم أقلّ وطنية ويفضّلون الذهاب إلى الشاطئ. وتتحدّث الحكومة باستمرار أيضاً عن مفهوم "التضحية" في سبيل الاستقرار اليومي، ولاسيما من خلال التذكير بحرب الاستقلال (1954 - 1962) التي تشكّل المرجع التاريخي الأبرز في هذا المجال. في أيار/مايو الماضي، ألقى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة خطاباً في مدينة سطيف (التي شهدت مجزرة استعمارية وحشية في العام 1945)، أكّد فيه: "لقد كان ثمن استرجاع الحرية والسيادة الوطنية باهظاً... لذا فإنه لزام على الشعب الجزائري وخاصة على أجياله الجديدة أن يدركوا بكل وعي أن ماحققته البلاد من حرية واستقرار وتقدم وديمقراطية إنما كان نتيجة تضحيات غالية وجهود جبارة".

لكن على الرغم من كل الكلام والتصريحات، سئم الجزائريون من التضحيات التي تُطلَب منهم، وقد بدأ الغضب يظهر إلى العلن، ولو لم يكن مركَّزاً. لايزال مواطنون يحرقون أنفسهم بوتيرة متكرّرة بشكل مأسوي؛ فقد أوردت صحيفة "الوطن" المستقلّة أن 20 شخصاً أحرقوا أنفسهم في الأشهر الستّة الأولى من العام 2011، في إحصاء اقتصر على الأشخاص المقيمين في الجزء الغربي من البلاد حول وهران (حيث عولِج الضحايا). وقد دفع ذلك بوزير الشؤون الدينية إلى إصدار فتوى تحرّم حرق النفس في مثال غريب على استعمال مرسومٍ ديني لضبط المعارضة السياسية. صحيح أن حرق النفس كان موجوداً في الجزائر قبل انتحار محمد البوعزيزي، لكنه أصبح أكثر انتشاراً إلى حد كبير في العام 2011.

لكن ثمة مشكلة أطول عهداً في الجزائر، ألا وهي أعمال الشغب: يزعم بعض المحلّلين أن المئات من حوادث الشغب وقعت في العام 2011، ما يجعلها وسيلة أساسية يعبّر بها الجزائريون عن اعتراضهم. والقضايا التي تثير غضبهم ليست مفاجئة: السكن، والكهرباء، والبطالة، و"الحقرة" (الظلم). وفيما تحصل أعمال الشغب في مختلف أنحاء البلاد، يبدو أن الاضطرابات الأكبر تحدث في منطقة القبائل والجنوب.

ويختلف أيضاً مستوى التنظيم في أعمال الشغب؛ فعدد كبير منها يندلع بطريقة عفوية تتحدّى كل منطق تنظيمي مركزي. فعلى سبيل المثال، تحوّلت احتفالات العيد الخمسين في مدينة المسيلة إلى أعمال شغب، عندما منعت الشرطة مجموعة من الشباب من الوصول إلى الحقول حيث كانت تُطلَق الألعاب النارية. على الرغم من أن بعض المنظّمات، مثل اللجنة الوطنية للدفاع عن حقوق العاطلين عن العمل، تنشط في المطالبة بتوزيع أكثر إنصافاً للموارد الاقتصادية، إلا أنها تنأى بنفسها عن القيام بأي خطوة من شأنها أن تربطها بالعنف (خشية التعرّض إلى ردّ فعل قوي من النظام وكذلك من السكّان المتخوّفين من العنف).

ومايطرح مشكلة إضافية هو أنه غالباً مايجري التقليل من شأن أعمال الشغب وتصويرها بأنها شكل من أشكال الغضب الشبابي غير العقلاني، وبأنها غير سياسية تحرّكها لقمة العيش. وبما أنها تفتقر إلى إرادة سياسية محدّدة، يُنظَر إليها على أنها مجرّد "مظالم اقتصادية-اجتماعية"، مايتيح مواصلة الكلام عن الاستقرار السياسي. لكن أعمال الشغب وحرق النفس ليست عشوائية ولا غير منطقية بالكامل. ثمة أسباب وجيهة خلف اختيار الجزائريين هذا الشكلَ من أشكال التعبير المجتزأ، فقد خلّفت الحرب الأهلية التي استمرّت عقداً انقسامات عميقة لدى السكّان، كما أن الجزائريين لايزالون محرومين من حقوقهم بسبب شبكة مراوغة من المصالح المتوغّلة التي غالباً مايشار إليها بـ"السلطة" le pouvoir. فإلى جانب الفساد والبيروقراطية المفرطة، يستشري الاقتتال الداخلي بين فصائل النخبة الحاكمة، ويتبيّن أنه من الصعب تمييز الاختلاف بين الشائعات والواقع في السياسة.

فعلى سبيل المثال، قُتِل قائد الشرطة الوطنية في الجزائر (المديرية العامة للأمن الوطني)، علي تونسي، في مكتبه برصاص زميل له كان يحظى بثقته، في شباط/فبراير 2010، في حادثة تذكّر بعمليّتَي اغتيال محمد بوضياف وعبد الحق بن حمودة في التسعينيات، وهما شخصيتان سياسيتان بارزتان لاتزال تحيط باغتيالهما نظريات المؤامرة والتقارير المتضاربة. كذلك العلاقات المتوتّرة بين رئيس البلاد وجهاز الاستخبارات والأمن الواسع النفوذ الذي يُعرَف بـ"دائرة الاستعلام والأمن". ففي حين كان بوتفليقة يجهّز في السابق شقيقه الأصغر، سعيد بوتفليقة، لخلافته، يُعرَف عن الهرميّة العسكرية معارضتها الشديدة لهذا القرار. في نهاية المطاف، ليس واضحاً للجزائريين أين يمكن إيجاد مكامن السلطة، والأقل وضوحاً بعد هو كيفية الاحتجاج بفاعلية ضدّها.

خلافاً لجيران الجزائر في شمال أفريقيا، لايزال الجزائريون يحملون الندوب النفسية والسياسية لحرب أهلية زرعت الانقسام في صفوف السكّان وأدّت إلى مصرع أكثر من 150000 شخص. ولذلك غالباً مايبدو أن البلاد مستعدّة لتحمّل التكاليف الهائلة للفساد والتململ الاقتصادي، نظراً إلى أن البديل يُهدّد بإغراق البلاد في حالة متجدّدة من العنف والفوضى. بيد أن تجاهل أعمال الشغب المستمرّة وحرق المواطنين أنفسهم يُبرِز إلى الواجهة خطاباً رسمياً عن الاستقرار يروّج له النظام، ويفرض تعتيماً على الأساليب التي يرفض بها الجزائريون النظام السياسي. من الأجدى بالمهتمّين بتوقّع "ميدان التحرير المقبل" أن يرصدوا هذه الأحداث المتفرّقة بدلاً من انتظار التحرّك في ساحة الشهداء. ففي أي حال، الساحة العامة الأساسية في العاصمة هي قيد البناء لأجل غير مسمّى. وما هو سبب الإغلاق؟ توسيع شبكة قطار الأنفاق (المترو) طبعاً.

موريام هالة ديفيس طالبة دكتوراه في قسم التاريخ في جامعة نيويورك. تتركّز اهتماماتها البحثية على التنمية وزوال الاستعمار في الجزائر.