كثّفت كتائب الثوّار التابعة للجيش السوري الحر هجماتها على دمشق وحلب منذ تموز/يوليو الماضي، فيما عزّز النظام مواقعه العسكرية في المدينتَين باستقدام عناصر من مناطق أخرى، ماأدّى إلى إضعاف سلطة الحكومة في شمال حلب، كما في أجزاء واسعة من إدلب ودرعا وحمص ودير الزور وعدد من المناطق ذات الأكثرية الكردية. وقد تقدّمت هيكليات جديدة للحكم الذاتي لملء الفراغ الذي ولّده غياب النظام. وفي آب/أغسطس المنصرم، عبرتُ مدينتَي كيليس وأنطاكيا عند الحدود التركية باتّجاه سورية مرّتين ودخلت أجزاء يسيطر عليها الثوّار في حلب، وكذلك بلدتَي بنش وجبل الزاوية في محافظة إدلب حيث فرض الثوّار سيطرتهم على مساحات واسعة من الأراضي. أردت أن أرى كيف يعيش السكّان حياتهم اليومية في أعقاب عمليات القتال وبعد انسحاب قوّات النظام.

حلب

تضمّ منطقة الباب في محافظة حلب 200 ألف نسمة. بدأت الاحتجاجات السلمية هناك في نيسان/أبريل 2011، بعد ثلاثة أسابيع فقط من انطلاق التظاهرات في البلاد، واستمرّت على الرغم من القمع الهمجي الذي مارسه النظام. بعد عام، وبحسب الروايات المحلّية، بدأت كتائب الجيش السوري الحر والتي كانت قد تأسّست حديثاً في الباب، انتفاضة مسلّحة في نيسان/أبريل 2012، عندما بدأ النظام استخدامه غير المسبوق للقوّة. وقد عزّزت كتائب الجيش السوري الحر سيطرتها على المنطقة وطردت 400 جندي تابعين للنظام وبعض الدبّابات.

أمّا كتائب الجيش السوري الحرّ الخمس عشرة المتمركزة حاليّاً داخل وحول المدينة، فقد اتحدت مؤخراً لتشكيل لواء الأمويين تحت قيادة زاهر شرقاط، القائد السابق لكتيبة أبو بكر- وهي أكبر وحدة عسكرية في الباب.

الكاتب (الثاني من اليسار) مع جنود من الجيش السوري الحر خارج بلدة الباب

يُضطرّ السكّان الذين يخضعون الآن لسيطرة الجيش السوري الحرّ ولايتمكّنون من الوصول إلى الخدمات العامة، إلى تدبّر أمورهم بأنفسهم. فمن أجل تجديد مجلس مدينة الباب، تعاون أفرادٌ ينتمون إلى شرائح مختلفة في المجتمع، من "شباب ثوري" و"وجهاء" (حافظوا على علاقات مع السلطات التابعة للنظام حتى رحيلها) و"مربّين" (كانوا من أوائل الداعمين للاحتجاجات)، وعملوا سويّاً لإرساء التوافق. وقد شاركتُ في ثلاثة من الاجتماعات التي التقت فيها هذه الشرائح المتعدّدة ودارت بينها نقاشات حادّة كانت تستمرّ عادةً مدّة ساعتَين. وفي اليوم الأخير من إقامتي هناك، تحديداً في 11 آب/أغسطس، بدا أنّ عمليّة التوافق التي يتولاّها فريق الشباب على نحو أساسي، تؤتي ثمارها: فقد وافق 21 عضواً من المجلس على هيكليّة معيّنة وعلى المسائل التي يجب معالجتها. وكان بينهم سبعة شباب وسبعة "وجهاء" وسبعة "مربّين".

ووفقاً للناشط باري الباب من حلب، شكّلت هذه التسوية "الانتصار السياسي الأوّل" للبلدة. واعتبر حذيفة طالب- وهو عضو في مجلس المدينة الجديد يمثّل "الشباب" - أنّ الأولوية يجب أن تُعطى الآن لإعادة إنشاء قوّة الشرطة وضمان السلامة العامة، مع إبعاد الجيش السوري الحرّ من وسط المدينة. وتستعدّ مدينة الباب في الوقت الراهن لانتخاب أوّل مدير لها بعد أن انسحبت منها السلطات التابعة للنظام. لكن، في غياب الدعم المالي من الخارج، (يتقاضى عناصر الكتائب رواتبهم بشكل جزئي من التبرعات)، تواجه المنطقة مشاكل أساسية في تأمين الخدمات العامة الرئيسة لسكّانها.

منذ إعلان تحرير المدينة استبدل مجلس المدينة المُنتخَب حديثاً مؤسسات النظام التقليديّة. فعلى سبيل المثال، استبدل المجلس محاكم الدولة بمحاكم الشرعيّة لملء الفراغ واستحداث هيكليّة قضائيّة. وحتى الآن، لم تنظر هذه المحاكم في أي قضيّة، ولم تُصدِر أيّ أحكام. بيد أنه جرى إصدار فتاوى للمساعدة في إدارة المدينة. وقد عُيِّن ستّة قضاة مع العلم بأنّ العمل لايزال جارياً لتنظيم الإطار اللوجستي للمحاكم. وقبل إنشاء المحاكم الشرعيّة، أنشأت الـ 15 كتيبة التابعة للواء الأمويين مجلساً دينياً مؤلّفاً من 15 عضواً مدنيّاً على أساس عضو واحد من كل كتيبة، وذلك بغية تأمين الإشراف على هذه المحاكم وبناء خريطة طريق لعملها. وما أن استكمل المجلس مهامه حتى جرى حلّه. 

لفت القاضي أسامة زعيتر، أثناء زيارته المحاكم في آب/أغسطس الماضي، إلى أنّ هذه الأخيرة في صدد النظر في قضيّة سرقة وجريمة قتل. وقال إن أعضاء المجلس الديني يتمتّعون بالشعبية لدى السكّان، ويؤيّدون الثورة منذ البداية، لكنه لم يشرح كيف انتخبت كتائب الجيش السوري الحر هؤلاء الأعضاء. ويذكر أنّ زعيتر نفسه لم يخضع لأي تدريب قانوني رسمي، فضلاً عن أنه لم يكن عضواً في المجلس الديني، لكنّه يصرّ على أنه يملك، انطلاقاً من دراسته للشريعة الإسلامية، خبرة واسعة وكافية للعمل في مجال القضاء. وقد أبدى استعداداً كبيراً لمشاطرتنا رؤيته عن مرحلة مابعد الأسد؛ فهو يرى أنه على سورية أن تتمسّك بالديمقراطية، لكن مع رفض العلمانية وجعل الشريعة نقطة الارتكاز في الدولة الجديدة. قال "يمكن للعلويين والأقليات أن يُنشئوا محاكمهم الخاصة"، وأقرّ أنه بإمكان سورية، إذا اضطُرَّت، أن "تتعايش مع" العلمانية (التي يربطها كثرٌ بحكم الأسد). 

الكاتب (على اليمين) مع القاضي أسامة زعيتر في الباب

وكون المحاكم الشرعية وليدة الحاجة، سرعان ما أصبحت محرّكاً أساسياً للحكم المحلي. وثمة توقعات وآمال كبيرة داخل المجتمع مفادها بأن المحاكم الشرعية ستكون في تناقض صارخ مع نظام الأسد العلماني. ولايخفى أحد وجود رغبة لدى عدد كبير من الناشطين والسكّان الذين تكلّمت معهم عن اعتماد النموذج التركي حيث يرون أن حزب الحرية والعدالة الديني والمحافظ الذي يتولّى الحكم في تركيا يُشكّل نموذجاً شبه مثالي، وزعيتر واحد منهم. إلى ذلك، يبقى أن نتأكد مما إذا كان هذا الرأي يعكس وجهة نظر الشريحة الأوسع من السوريين أو هو خاص بفئة محدودة من المجتمع.

بنش 

في وقت لاحق من آب/أغسطس، توجّهتُ إلى بلدة بنش التي تقع على بعد عشرة كيلومترات شمال شرقي إدلب. وعلى عكس مدينة الباب، لم ألمس فيها الكثير من مظاهر الحكم الذاتي. فقوات الأسد غادرت بنش في تشرين الثاني/نوفمبر2011 عندما مكث بضع مئات الجنود مع ستّ دبّابات في البلدة، وأوقفوا بعض الناشطين ثم غادروا بعد فترة وجيزة. قبل الانتفاضة، كان عدد سكّان بنش 40 ألف نسمة. ثم تراجع عددهم إلى أقل من النصف، مع العلم بأن البلدة استقبلت حوالى 900 عائلة لجأت إليها - ولاسيما من دمشق وحماه - هرباً من الهجمات التي يشنّها النظام.

طوال الجزء الأكبر من العام 2012، حكَم قائد عسكري في الجيش السوري الحر البلدة واستخدم مفرزته كقوّة أمنية للحفاظ على السلامة العامة. قال العديد من السكّان الذين حظيتُ بفرصة التحدّث إليهم، إنهم كانوا يفضّلون أي هيئة تحكم بلدتهم غير النظام، وإنهم أفضل حالاً تحت مظلة الجيش السوري الحر، لاسيما أنه تمكّن من محاكمة الأشخاص والعثور على المجرمين والسارقين. ولكن على النقيض من منطقة الباب في حلب، لم تتمكّن بنش من انتخاب مجلس خاص بها لملء الفراغ الذي خلّفته مغادرة عملاء النظام للبلدة منذ وقت طويل. ولذا، يشتكي سكّان بنش - المؤيّدون بقوّة للثورة - من غياب القيادة، وتشتدّ التشنّجات بين الإسلاميين والمعتدلين وداخل صفوفهم. ففي تعبير عن هذه الأجواء المشحونة الذي شهدتُ عليه خلال زيارتي إلى "منظّمة الشباب" في بنش، والتي تضم نحو 300 عضو، شرح لي حسن عبدالعظيم - وهو عضو في المنظمة وناشط بارز - كيف يضغط الإسلاميون في البلدة على المعتدلين. وفي حين تُشدّد منظمته الشبابية باعتزاز على الوحدة بين المذاهب والإثنيات المختلفة في سورية - بما في ذلك العلويون - من خلال مطبوعة تصدر كل أسبوعَين وأثناء الاحتجاجات العامة، يأخذ السلفيون في التردد إلى المركز الإعلامي للمنظمة مطالبين أعضاءه الانضمام إليهم ورصّ الصفوف، في الوقت الذي يستهجنون فيه "احتضان" المنظمة للعلويين ويقولون إن أعضاءها ليسوا "مسلمين صالحين". وبحسب عبد العظيم، يشكّل السلفيون نحو خمسة بالمئة من مقاتلي الجيش السوري الحر في بنش، لكنهم مع ذلك شديدو التنظيم والانضباط، ومجهّزون بأسلحة أفضل.

الكاتب في بيت إسماعيل صافي (الرجل الملتحي بالثياب الأخضر)، قائد كتيبة المجاهدين في سبيل الله،  في بلدة نحلة.  

خلاصة: جبل الزاوية

على بعد ثلاثين كيلومتراً من بنش وعشرة كيلومترات من وسط مدينة ادلب، تقع المنطقة الجبلية من جبل الزاوية الخاضعة أيضاً لسيطرة الجيش السوري الحرّ. تدافع كتيبة مجاهدين في سبيل الله التابعة للجيش السوري الحر عن بلدة نحلة، وتخضع لأمرة إسماعيل الصافي الذي يشرف على نحو 200 عنصر، وتشكّل جزءاً من لواء صقور الشام. وتجدر الإشارة إلى وجود خمسة ألوية وعشرين كتيبة حول إدلب، ولاتزال كلّها تخوض معارك مع قوات النظام. وعلى غرار العديد من الكتائب، تتولّى كتيبة مجاهدين في سبيل الله، إلى جانب الدفاع عن منطقتها (نحلة)، إرسال تعزيزات إلى ألوية أخرى عند وقوع صدامات مع جيش النظام، وآخرها داخل مدينة أريحا وحولها. يقصد مقاتلو الجيش السوري الحر في هذه المنطقة القرى المجاورة حيث لاتزال الأفران تعمل، ويوزّعون الخبز على المنازل بسيّاراتهم. هذا وعلى الرغم من هذه المظاهر العلنية، لايزال من شبه المستحيل أن نُحدّد (موضوعياً) النسبة المئوية من السكّان الذين يدعمون الجيش السوري الحر في محافظة إدلب. لكن وفي مؤشّر معبّر، وجدتُ أن المقاتلين في الكتائب الاثنتي عشرة التي التقيت أفرادها هم من السكّان المحليين، وبدا لي أنهم يتمتّعون بالشعبية لدى غير المقاتلين وينسجمون معهم.

طابور للخبز في محافظة ادلب 

وخلافاً للوضع في شمال حلب - حيث يُحكِم الجيش السوري الحر سيطرته على الأراضي - يتغيّر الوضع في شمال إدلب بين يوم وآخر: فالطرقات الأساسية بين البلدات غير آمنة، والتنقّل عليها ينطوي على مجازفة كبيرة. ويتعرّض السكّان يومياً للقصف المدفعي وتزداد الهجمات الجوية كثافة، ولذلك تتقدّم الحاجة إلى الصمود والبقاء على التنظّم والحكم الذاتي. ولابدّ من الإشارة إلى الانقسامات بين الفصائل المختلفة - حتى على المستويات المحلّية - وفي غياب قيادة مفروضة من الخارج (كما كانت الحال خلال مرحلة الأسد)، يواجه المدنيون تحدّيات هائلة لإنشاء هيئة حاكمة محلّية تنجح في إرساء السلام في البلدات.

تبادرت إلى ذهني علامات استفهام حول قدرة هذه الحرّيات المستحدَثة على الاستمرارية. فميليشيات الجيش السوري الحر التي تسيطر على هذه البلدات ليست مسلّحة كما يجب، ولاسيما في مواجهة الهجمات الجوّية المتزايدة التي يشنّها النظام وتُحدث الكثير من الدمار. أما إذا وضعنا التشنّجات المذهبية جانباً، فتبقى الشكوى الأساسية التي عبّر عنها نحو عشرة أعضاء من المنظّمة في حديثي معهم، هي نفسها: غياب الدعم اللوجستي من الخارج.

سقوط الأسد أمرٌ محتوم، إلا أن الشكل الحالي الذي يتّخذه النزاع في سورية يقوِّض إمكانية حدوث انتقال سريع إلى كوكبةٍ من هيكليات الحكم الذاتي في المدن والبلدات. وفي حين يريد المجتمع الدولي أن يرى سورية في حال أفضل في مرحلة مابعد الأسد، أظهرت لي الأحاديث والمقابلات التي أجريتها في الأسبوعين اللذين أمضيتهما على الأراضي السورية والملاحظات التي استخلصتها، أنّ السعي إلى الحكم الذاتي متجذّر وحقيقي، لكنّ الخطوات الصغيرة التي اتُّخِذت حتى الآن قد لاتكون كافية لتحقيق النجاح في المدى الطويل.

إيلهان تانير مراسل في صحيفة "فاتان" التركية.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.