مع احتدام المعارك في سوريا، ثمة إجماع متزايد بأنّ الانقسامات المذهبية التي لطالما أثارت الخشية تدور في حلبة عسكرية ينظر إليها المقاتلون على أنها معركة حاسمة للبقاء. ففي حين يُقال في الأقلّية العلوية بأنها تعود إلى أساليب مجرَّبة وموثوقة مستمدّة من الانتفاضة الإسلامية في أواخر السبعينيات، عبر الاعتماد على التضامنات المذهبية لشنّ حملات عسكرية وشبه عسكرية عنيفة، يُقال في أهل السنّة بأنهم ينتفضون (وأخيراً) في وجه حكم الأقلّيات. لقد عانت سوريا تاريخياً من جروح مذهبية-إثنية متعدّدة، مثل إقصاء الأكراد والانتفاضات الدرزية والإبادة الأرمنية والشتات الأرمني وطرد الفلسطينيين وتهميش الشيعة والتراجع السنّي. ولكي نفهم السبب الذي يجعل من المذهبية في معظم الأحيان العامل الأساسي لبروز مستويات عنف شديدة في البلاد حالياً، لابد من إماطة اللثام عن الجذور المعقّدة للغضب المذهبي في سوريا.

لقد تعامل نظام الأسد مع الجروح المذهبية-الإثنية من خلال مزيج من السياسات التي أدّت - بصورة غير مفاجئة - إلى الرفع من شأن الأقلّية التي ينتمي إليها هذا النظام، وولّدت مناخاً مذهبياً أوسع نطاقاً تسوده حالات جنون الارتياب وعدم الثقة. هذا ولكي نتوصّل إلى فهم همجيّة ميليشيات الشبّيحة، يجب علينا التوقّف عند الذاكرة التاريخية للعلويين الذين عانوا من الفقر وسوء التنمية وهجرة العمّال والاعتماد على المؤسّسات الاستعمارية والعسكرية للاندماج الاجتماعي، وكانوا يُعدّون مواطنين من الدرجة الثانية. فمثل هذه الذكريات أدّى إلى جانب الخوف من مستقبل مجهول، إلى مقتل عشرات الآلاف من المواطنين السوريين خلال النزاع الحالي الذي تورّطت فيه شريحة كبيرة من الطائفة العلوية في سوريا خوفاً من تعرّضها للإبادة.

وفي ستينيات القرن العشرين، تسلّم البعثيون السلطة بدعم واسع من أبناء الريف في سوريا؛ حيث أدّى إصلاح الأراضي إلى تقسيم المساحات الشاسعة التي كان مالكوها من السنّة في غالبيّتهم - الأمر الذي أفسح المجال أمام تملّك الأقلّيات لمساحات أصغر من الأراضي - ودخولهم المؤسّسات التربوية والعسكرية من أجل التقدّم صعوداً في الهرميّة الاجتماعية، وبالتالي، شرّعَ الأبواب في وجه الأقلّيات الريفية في سوريا - التي كانت مقصيّة سابقاً بسبب أصولها الجغرافية ومعتقداتها الهرطقيّة - لتؤدّي دوراً محورياً في أوساط النخبة السياسية والاقتصادية في البلاد.

على الرغم من تبسيط النزاع ووصفه بأنه يدور بين السنّة والعلويين، يضمّ المجتمع السوري فسيفساء إثنية-مذهبية معقَّدة، وليس أيٌ من تلك المذاهب والإثنيات بمنأى عن نتائج الحرب الأهلية. فقد انفصل العلويون والدروز عن الإسلام الشيعي في القرون الوسطى، وأصبحت لهم ممارساتهم ومعتقداتهم الخاصّة، كما بات للدروز كتابهم المقدّس المعروف بـ"الحكمة". ويتمركز الإسماعيليون السوريون (والإسماعيلية فرع تصوّفي أساسي في الإسلام الشيعي منتشر في مختلف أنحاء العالم) حول بلدة سلَمية. وتشمل المذاهب المسيحية الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك والبروتستانت، ولاتزال بعض القرى المسيحية تتحدّث اللغة الآرامية. وتتداخل الإثنية واللغة والمذهب لدى مجموعات مثل الأرمن الذين ينتمون إلى الطائفة الأرثوذكسية الأرمنية، والأكراد الذين ينتمون في غالبيتهم إلى الطائفة السنّية لكنهم يتبعون أيضاً التقليد اليزيدي التوفيقي القديم. والجدير ذكره أنّ عدداً كبيراً من الطوائف والمذاهب في سوريا يقتصر على مجموعة قليلة من الأتباع - مثل الطائفتَين العلوية والدرزية - في حين أن مذاهب أخرى، مثل الطرق الإسلامية الصوفية، تملك تنظيماً هرميّاً مقصوراً على فئة معيّنة، مايجعل المعارف عن المعتقدات والممارسات في متناول قلّة مختارة فحسب. 

ومع انتقال الأقلّيات من الأطراف واندماجها في المركز خلال حكم الأسد، بدأ العلويون أكثر فأكثر ينظرون إلى أنفسهم على أنهم مسلمون ينتمون إلى التيّار الأساسي في الإسلام، وليسوا أقلّيات هرطقية - حتى إن العديد من الفتاوى الصادرة عن رجال دين كبار أقرّت بأنهم شيعة. ومع اندماجهم في المجتمع السوري الأوسع، راح العلويون (الذين يصفون أنفسهم تقليدياً بأنهم أصحاب معتقد ديني ليبرالي) يتبنّون تدريجيّاً مزيداً من الإجراءات التي تنسجم مع المعتقدات الإسلامية التقليدية - ومع تزايد الزيجات المختلطة بين العلويين والسنّة (في مؤشّر قوي عن الاندماج الاجتماعي، مع العلم بأنها لم تكن موجودة من قبل في المنطقة)، حيكت العلاقات بين الطائفتَين بخيوط من الضغينة والتضامن على حد سواء.

ولسوء الحظ، تصادمت سياسات عدّة خلال عهد الأسد، ماأدّى إلى تفاقم الهشاشة المحتملة للعلاقات بين الطوائف والمذاهب. فقد كان الحوار المفتوح عن التفاعلات المذهبية محظوراً؛ وكان النظام يسيطر على كل وسائل النقاش العام من خلال الإعلام التابع له والمؤسّسات الخاضعة للدولة مثل المساجد الحكومية ووزارة الثقافة. وكان ممنوعاً على القياديين والناشطين والمفكّرين المستقلّين التكلّم عن العلاقات المذهبية - حتى لو كان الهدف توطيدها - وذلك من خلال آليات الإكراه الكثيرة التي تملكها الدولة. ومن أبرز الشخصيّات العامة التي تعرّضت إلى عقاب شديد بسبب عملها من أجل الحوار بين المذاهب في ظل النظام، الأب باولو دالوليو من دير مار موسى (كاهن يسوعي إيطالي أصبح قيادياً في مجتمعه، وهو يعمل من أجل تعزيز العلاقات المسيحية-الإسلامية في الأعوام الثلاثين الماضية)، والشيخ جودت سعيد من الجولان السوري، فقد اعتُقِل الأول وطُرِد الثاني من البلاد. وتعرّض أتباعهما أيضاً إلى التوقيف والاضطهاد. والمفاجأة الأكبر هي اعتقال صلاح كفتارو، مدير مسجد أبو النور التابع للدولة (والذي يعتبره الناس الجامع الوطني)، ونجل مفتي سورية السابق أحمد كفتارو (توفّي عام 2004)، وسَجْنِه أخيراً في 29 يونيو 2009 بتُهَم متعدّدة، منها تعاونه مع قادة مسيحيين ودوليين في مجال التسامح الديني (أطلق سراحه 26 أغسطس 2010). طوال سنوات، سمح النظام بمثل هذه النشاطات لابل وافق عليها، لكنها باتت تطرح تحدّياً أيديولوجياً كبيراً. وكذلك مُنِعَت المؤسّسات المجتمعية المستقلّة ذاتياً من التطرّق إلى مسألة العلاقات المذهبية. وقد اعتبر النظام أنه يكفي الاعتماد على البعثيين والأقسام التابعة لهم للحفاظ على سلامة العلاقات بين الطوائف والمذاهب. في الواقع، وضع نظام الأسد طوال سنوات حكمه عراقيل شديدة أمام قيام علاقات متمدِّنة بين المذاهب، والسبب تحديداً هو أن الدولة أخضعت المؤسّسات العابرة للطوائف والمذاهب التي كانت تتمتّع بالحيوية في السابق، مثل نقابات العمال والنقابات الطالبية والنسائية، واستوعبتها تحت راية الحزب. وبدلاً من التعامل مع التشنّجات المذهبية بطريقة إيجابية وبنّاءة، تهرّب النظام عمداً من مواجهة المسألة مستخدماً تصريحات وممارسات سياسية سطحية. وكان المسؤولون يحرصون على التملّق في الكلام عن الانسجام المذهبي في الحملات الانتخابية المحلّية والحفلات الموسيقية التي تُنظَّم في الأعياد برعاية الدولة وتجمع بين مذاهب متعدّدة، لكن هذه المسألة الاجتماعية الجدّية التي تستحقّ أن تكون موضوعاً للنقاش العام والنشاط الاجتماعي المستمرّ، كانت محظورة في الميدان العام. 

كانت هذه التشنّجات بمثابة "سرّ عام" حرِص نظام آل الأسد على صونه جيداً: كان الجميع يعلم بوجودها لكن كان ممنوعاً التكلّم عنها. في المقابل، تتحوّل الكراهية المذهبية خطاباً عاماً مقبولاً في أوساط اللاجئين، والنازحين في الداخل، والمقاتلين في الجانبَين. أما بالنسبة إلى الآخرين مثل نظام الأسد وجيشه، والجيش السوري الحرّ، وحتى المجلس الوطني السوري، فتدور هذه النقاشات خلف أبواب مغلقة ولاتتّخذ طابعاً رسمياً. وقد أوردت صحيفة "نيويورك تايمز" في الآونة الأخيرة أن الأولاد السوريين في مخيّمات اللاجئين ينظرون إلى النزاع من منظار مذهبي شديد الوضوح، ويسعون إلى الثأر لإخوتهم السنّة عبر الانتقام من العلويين. يشتبه عمّال الإغاثة في أن العلويين في المخيّمات يخفون هويتهم الحقيقية خوفاً على حياتهم. وتُجَرّ مجموعات مذهبية-إثنية أخرى إلى المستنقع أيضاً: فقد وُصِفَت التفجيرات بالسيارات المفخّخة التي شهدتها أخيراً في 28 أغسطس ضاحية جرمانا ذات الأكثرية الدرزية، بأنها محاولات صفيقة لزرع المخاوف بين الطوائف والمذاهب، والتحريض على تشكيل ميليشيات درزية تسعى إلى الحفاظ على الطائفة الدرزية. ونظراً إلى التنظيم الهش للمؤسّسات، يصعب كثيراً سماع الأصوات التي تطالب بتوحيد سوريا، إذ تطغى عليها أصوات المجموعات ذات التفكير المذهبي المتجذِّر.

ما السبيل للحدّ من المذهبية التي تؤجّجها الحرب الأهلية؟ بادئ ذي بدء، يجب تطبيق وقف لإطلاق النار من أجل إنهاء العنف والحؤول دون تراكم مشاعر الثأر والانتقام بين الطوائف والمذاهب. ويجب إطلاق حوار مفتوح من أجل الحقيقة والمصالحة، وهو حوار لم يكن ممكناً على الإطلاق خلال حكم آل الأسد. يذكّرنا الأب باولو دالوليو أنه على السوريين أن يعترفوا بذكرياتهم التاريخية المتداخلة ويقبلوا بها من أجل التمكّن من مقاربة المصالحة الوطنية. ويحذّر من مغبة التنكّر لمعاناة الآخرين وجروح الأسلاف التي لاتزال حيّة في أذهان السوريين. إن إعادة بناء الثقة بين المذاهب تتوقّف على الإقرار والقبول بهذه الذكريات. 

تحمل الأقلّيات الإثنية-المذهبية في سوريا إرث مؤسّساتها السياسية والعسكرية والاجتماعية التي تمتّعت تاريخياً بالاستقلال الذاتي وكانت تنضوي ضمن مناطق جغرافية معيّنة، الأمر الذي جعل منها قوى اجتماعية تنظيمية - حتى في أوساط مَن لايلتحقون تماماً بمنظومة المعتقدات في المجموعة التي ينتمون إليها. من غير المفاجئ أنه كلما كان يحدث فراغ في السلطة في سوريا، كانت سياسة الهوية تؤدّي في معظم الأحيان دوراً أساسياً في توليد الأيديولوجيات والجهات الفاعلة والهيكليات التي تظهر لملء الفراغ. ولذلك لدى المقاتلين الأساسيين مصلحة استراتيجية في التنبّؤ بوقوع "ويلات مذهبية" وتصديق هذه التنبؤات - وهي ليست بالضرورة حتمية كارثية، بل إنها وسيلة سردية تصبّ في مصلحة المجموعات العَلَوية والسنّية. يشير تاريخ المنطقة إلى أن المذهب سيستمرّ في التنافس مع العلمانية على الساحة السياسية أثناء العمل للتوصّل إلى تسوية أياً كانت، لكن يبقى أن نرى إذا كان المذهب سيتمأسس أكثر فأكثر من خلال دستور جديد (كما في لبنان)، أم سيُستعمَل لتوزيع المغانم السياسية بطريقة غير متساوية (كما في العراق). في الوقت نفسه، من المهم الإشارة إلى أن المذهبية ليست سوى واحد من الأسباب التي تقف خلف العنف الشديد الذي تتّسم به الحرب الأهلية. العلاقات الشخصية على مستوى القواعد الشعبية بين أفراد ينتمون إلى المذاهب المختلفة في سوريا، عميقة وذات مغزى وداعِمة، حتى إنها ساهمت أحياناً في إنقاذ الأرواح. لكن في غياب الهيكلية التنظيمية الضرورية لتوطيد هذه العلاقات وصونها، يصبح الأفراد والعائلات معزولين، وتتحوّل العلاقات الأكثر هشاشة مع أصدقاء وزملاء وجيران من مذاهب مختلفة، مجرّد ذكريات من الماضي.

ليندسي غيفورد باحثة مابعد الدكتوراه في "مؤسسة العلوم الوطنية" في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وباحثة زائرة في جامعة سان فرانسيسكو. تُهدي هذا المقال لصديقها تامر العوام، المخرج والناشط السوري الذي لقي مصرعه في حلب في 9 أيلول/سبتمبر 2012.