لابد أن القضاة المؤيّدين للإصلاح في مصر شعروا بأنهم استوفوا حقّهم بعد سقوط نظام مبارك. فبعد سنوات من المطالبة الجريئة بإصلاح القضاء - عرّضوا أنفسهم أثناءها إلى الخطر في معظم الأحيان - يُستَعان في الوقت الراهن بعدد كبير منهم لبناء نظام سياسي جديد. ومن قادة هذه الحركة الذين يتبوّأون حاليّاً مناصب رفيعة، محمود مكي، نائب رئيس الجمهورية، وأحمد مكي، وزير العدل، وحسام الغرياني الذي كان رئيساً للمجلس الأعلى للقضاء، ويرأس حالياً الجمعية التأسيسية، وقد فاز للتو بدور قيادي في اللجنة الرسمية لحقوق الإنسان.

غير أن انتصارهم قد يتحوّل إلى انتصار شخصي أكثر منه سياسي. وربما سيتمكّن القضاة الآن من رؤية مطالبهم تتحوّل إلى قوانين، لكن تلك المطالب رُفِعَت في وجه منظومة سياسية تمرّ راهِناً في مرحلة من التحوّل. وفي حين أنهم كانوا مجهّزين لمحاربة مبارك في السابق، قد يجد القضاة الإصلاحيون أنهم ليسوا بالجهوزية نفسها حالياً لمواجهة خصومهم الأكثر تعقيداً. وغالب الظن أن المعارك التي ستشهدها السنوات المقبلة ستدور حول مجموعة مختلفة من المسائل، أو بالأحرى حول تكرار غير متوقّع للمخاوف القديمة بشأن سلطة القضاء واستقلاليته. والواقع أن الأزمة القانونية المربكة التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول الجاري حول منصب النائب العام (الذي يُعَدّ منصباً حسّاساً جدّاً في القضاء المصري)، وحول ما إذا كان يجب فصل عبد المجيد محمود من منصبه - الذي عُيِّنَ فيه منذ ماقبل الثورة - وتعيينه سفيراً لمصر لدى الفاتيكان، ليست سوى لمحة عن التوترات التي لاتزال قائمة والمرجح أن تنشأ بين القضاء والسلطة التنفيذية في مصر.

في مطلع القرن الحادي والعشرين، تحرّك القضاة الإصلاحيون مدفوعين بمجموعة من المسائل التي برزت لأول مرة في أواخر الستينيات، عندما شنّ النظام الناصري حملة ضد القضاة المعترضين، متّخذاً سلسلة من الإجراءات التي هدفت إلى إخضاع القضاء برمّته إلى العين الساهرة للسلطة التنفيذية، ومؤسساً بعض الهيكليات الجديدة التي أُريدَ من خلالها إتاحة المجال أمام النظام للتحايل على المحاكم أو الخروج منها منتصراً في المسائل الحسّاسة. وفي العقود اللاحقة، نجح القضاء في إلغاء بعض الإجراءات الفاضحة. وقد تحقّق ذلك من خلال ممارسة ضغوط مطّردة في مسائل محدّدة أكثر منه عن طريق المواجهة المفتوحة – وذلك على الرغم من بروز بعض الأصوات الانتقادية، ولاسيما في نادي القضاة، وهو منظمة اجتماعية أمّنت أحياناً مساحة محميّة للقضاة كي يعبّروا عن مواقفهم. ومن المكاسب التي حقّقوها تمديد سنّ التقاعد الإلزامي والحصول على زيادات في الرواتب والمنافع تتناسب مع مكانتهم في المجتمع المصري.

بيد أن السادات ومبارك استمرّا في الإمساك بمختلف الطرق الخفيّة والواضحة لفرض قيود على استقلالية القضاء وسلطته. ففي موضوع الاستقلالية، جرى اللجوء إلى العديد من الوسائل لاحتواء القضاة واستيعابهم عبر تقديم المنافع لهم وتكليفهم بمهمّات مربحة؛ وظلّ عدد من المناصب الحسّاسة، مثل النائب العام ورئيس المحكمة الدستورية العليا، يُعيَّن من قبل الرئيس. إلى أي حدّ أثّرت هذه المعطيات في سلوك القضاء عموماً أو في قدرة النظام على الحصول على الأحكام التي تناسبه في قضايا معيّنة؟ كانت هناك صعوبة شديدة في تحديد هذا التأثير.

لكن القيود على سلطة القضاء كانت أشدّ وضوحاً بكثير. ومن أبرز الأدوات التي استُعمِلت قانون الطوارئ، واللجوء إلى المحاكم العسكرية (الأمر الذي كان يسمح للنظام بأن يسحب القضايا من يد القضاء العادي ويضعها في عهدة قضاة أكثر موثوقية بالنسبة إليه)، وتبديل أماكن احتجاز الموقوفين (تجنبّاً لصدور أوامر من المحكمة بالإفراج عنهم). وفي حين خسر القضاة الإصلاحيون الكثير من المعارك، نجحوا في وضع هذه القيود على السلطة القضائية في دائرة الضوء على الساحة السياسية: فقد كانت المطالبة بوضع حدّ لحكم الطوارئ والمحاكم العسكرية في قلب الانتفاضة في العام 2011. 

بيد أنه في مواجهة الطرق المبتكرة للحدّ من استقلالية القضاء، وجب استنباط حلول مبتكرة. وهكذا أعاد كلٌّ من مجلس القضاء الأعلى ونادي القضاة، في أعقاب الثورة، إحياء الجهود القديمة لصياغة إطار قانوني شامل لتنظيم القضاء من أجل ضمان استقلاليته وتدوينها في القوانين. وقد كان وزير العدل الحالي، أحمد مكي، في طليعة المجهود الذي رعاه مجلس القضاء الأعلى في بداية العام الماضي.

لكن الإصلاحيين في القضاء يواجهون تحدّيات أكبر مما توقّعوا على الأرجح؛ فالسلك القضائي ليس موحّداً خلف هذه الجهود. لقد أثارت معارك العقد الماضي بعض الضغائن الشخصية التي نشأت أحياناً بين الإصلاحيين وبين مَن رأوا فيهم مجرّد أشخاص يحبّون الاستعراض ويُقحِمون مسألة غير سياسية في المعارضة السياسية. بعض القضاة لاينظرون إلى الإصلاحيين على أنهم منقذون بل خصوم ينزعون ربما نحو الثأر.

منذ سقوط مبارك، طفت انقسامات أخرى على السطح. فالانقسامات الأيديولوجية التي كانت خفيّة حتى الآن (وكانت مقنَّعة بسبب النأي الشديد عن التحزّب) خرجت قليلاً إلى العلن. وباتت الأوساط القضائية تُظهر مزيداً من التنوّع. وكان ثمة شكوك على نطاق واسع بأن لدى بعض الإصلاحيين ميولاً إسلامية، لكن ذلك التوجّه أصبح الآن أكثر وضوحاً. وهناك انقسامات داخل المؤسّسات أيضاً، فبعض الهيئات القضائية تعتبر أنها منفصلة لاعن السلطة التنفيذية فحسب، بل أيضاً عن باقي السلك القضائي. لاتريد هذه المجموعات خسارة استقلالها الذاتي حتى لو أعلن السلك القضائي بكامله أنه بات يتمتّع باستقلالية أكبر.

لقد كانت الظروف المتغيِّرة أسرع وتيرة من مطالب القضاة الإصلاحيين، حيث أصبح التنافر واضحاً أكثر فأكثر. فعلى سبيل المثال، أثار التيار الإصلاحي في القضاء من جديد خوفاً قديماً (يعود إلى تاريخ إنشاء المحكمة) من وجود محكمة دستورية متخصّصة ومستقلّة، إذ أن القضاء قاوم على مرّ تاريخه قيام مثل هذه المحكمة. لتلك الشكوك أساس تاريخي في بعض الأحيان، فالحكّام السلطويون في مصر أنشأوا أحياناً هيكليات جديدة لتجنّب المحاكم النظامية. لكن بعض الإصلاحيين ربما يتصرّفون انطلاقاً من الشكوك أكثر منه من الأدلّة القوية عند العمل على ضمّ هذه الهيئات إلى نظام المحاكم الأساسي.

فضلاً عن ذلك، سعت معارك الماضي إلى درء السلطة التنفيذية، وإبقاء الرئيس ضمن إطار الدور الرمزي في الشؤون القضائية، وانتزاع الاستقلالية والسلطة من وزارة العدل. لكن من الواضح الآن أن مجلس الشعب سيطرح تحدّياً أكبر بكثير أمام القضاة الإصلاحيين، مع العلم بأن الصراع القديم مع السلطة التنفيذية قد يستمرّ أيضاً. في برلمان 2012 الذي لم يعمّر طويلاً، أظهرت بعض المؤشّرات أن النوّاب يعتقدون أن انتخابهم على نحو ديمقراطي يمنحهم السلطة لإعادة تصميم بعض الهيكليات القضائية (ولاسيما المحكمة الدستورية العليا). مما لاشك فيه أن عدداً قليلاً من المجتمعات الديمقراطية يمنح القضاء درجة الاستقلال التي يطمح إليها القضاة المصريون من حين إلى آخر. ففيما يسعى القضاة المصريون إلى الحصول على السيطرة الكاملة على التعيينات القضائية، بحيث يتحوّلون في شكل أساسي إلى هيئة تُجدِّد لنفسها باستمرار، تتيح معظم الأنظمة الديمقراطية تعدُّد الأصوات في مثل هذه التعيينات.

أخيراً، إذا كان القضاء يجد أن بعض المفاهيم المختلفة بدأت تظهر حول دوره المناسب، يمكن اعتبارها في معنى من المعاني بأنها خلافات حول تحديد طبيعة دور القضاة في مصر: فهل هم في نهاية المطاف ضامِنو المصالح الجَماعية، أي الدولة والمجتمع والرفاه العام، أم الحقوق الفردية؟ في الماضي، لم يكن هناك دائماً تمييز واضح بين الأمرَين، ولاسيما أنّ الممسكين بالسلطة السياسية كانوا يتحدّون الدورَين معاً. لكن كان ثمة مؤشّرات بأنهما يسيران في اتّجاهَين معاكسين، مع إحالة قضايا تتعلّق بالتأميم، وفقدان الأهلية السياسية، والعدالة الانتقالية، والحقوق السياسية، وحرية التعبير، إلى المحاكم.

هذه الأسئلة لم يُضطَّر الإصلاحيون في القضاء إلى إيجاد حلول لها عندما كانوا يعبّرون عن معارضتهم لممارسات النظام السابق؛ أما الآن، وبعدما أخذوا على عاتقهم مهمّة إعادة صوغ السياسة المصرية، فسوف يُطلَب منهم تقديم أجوبة.

ناثان ج. براون أستاذ في العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، وباحث غير مقيم في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.