منذ وصول حركة النهضة إلى السلطة في تونس في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، اتّسم تعاطيها مع الأفعال الإجرامية ذات الدوافع الدينية بالإرباك والتردّد في المبادرة سريعاً إلى مقاضاة السلفيين الجهاديين الذين يُعتقَد بوجهٍ عام أنهم مسؤولون عن تلك الأعمال. لكنّ الهجمات الأخيرة على السفارة الأميركية والمدرسة الأميركية في العاصمة تونس، أحيت التوقّعات بأنّ النهضة قد تغيّر مسارها، وتنتقل من المقاربة المتساهلة إلى التشدّد أكثر في التعامل مع الفروع العنيفة للسلفية الجهادية، مثل "أنصار الشريعة". وفي حين امتحنت الهجمات على السفارة صبر النهضة حيال السلفية الجهادية، لايزال الحزب غير مستعدٍّ لشنّ حملةٍ شاملةٍ للقضاء على التيار السلفي، وسيواصل على أغلب الظنّ سياسة النأي النسبيّ بالنفس التي تقوم على الدمج والتراضي.

إلى الآن، لم يجرِ التعمّق جيداً في دوافع النهضة لتبنّي هذه المقاربة الاسترضائية، ولاتزال تحجبها موجةٌ من الشائعات التآمرية عن علاقة الحركة بالسلفية. وقد دأب معارضو الحركة على تصوير السلفيين بأنهم "ميليشيا النهضة". لكنّ هذا التصوير يتجاهل التشنّجات الكبرى بين الحركتَين، ولايأخذ في الاعتبار منطق قادة النهضة في اعتماد مقاربة استيعابية في التعامل. 

تستند سياسة الدمج التي تعتمدها النهضة إلى اعتقاد قادتها بأنّ المشاركة السياسية والتربية الإسلامية هما الوسيلتان الفضليان للقضاء على التهديد للدوافع السلفية. ويرى قادة النهضة في السلفيين الجهاديين أولاداً مشاكسين، وصورةً أكثر شباباً وتشوّشاً عنهم، معتبرين أنّ هؤلاء لم يحصلوا قط على فرصة تلقّي تعليمٍ مناسبٍ، على مثال "الإسلام التونسي" الذي يخاطب العقل أكثر من الوجدان، ويصفونه عامةً بأنّه معتدل ومتسامح ويستوعب الجميع. إلى ذلك، ترى النهضة أنّ قمع السلفيين الشباب أو تشويه صورتهم لايؤدّي سوى إلى تهميشهم وعزلهم أكثر فأكثر. هذا وتضطلع التجربة الخاصة للنهضة بدورٍ فاعلٍ في خطّ أفكار الحركة المتعلّقة بالإشراك السياسي. وقد سعى الرئيس السابق زين العابدين بن علي إلى التشهير بها عبر تصنيفها في خانة المجموعات الإرهابية في التسعينيات. وزُجّ عدد كبير من قادتها في السجون أو نُفيوا إلى بريطانيا حيث تبنّوا على مايبدو المفهوم القائل بأنّ الحوار والتمثيل السياسي يُقدّمان بدائل فعالة عن التطرّف.

وفي إطار المجالس الخاصة، يُحمِّل القياديون في النهضة باستمرار نظام بن علي مسؤولية ظهور السلفية الجهادية. فعبر إرسال عناصر الشرطة للتمركز في المساجد وإملاء مضمون عظات الجمعة ووضع المؤسّسات الدينية، مثل جامع الزيتونة، تحت جناح النظام، "جرّد [النظام القديم] المساجد من وظيفتها الحقيقية"، على حدّ قول مونيا إبراهيم العضو في مجلس شورى النهضة، والتي تضيف أنّ "المسجد من حيث المبدأ، هو المكان الأمثل للنقاش والتعليم الليبرالي والتبادل. لكن في عهد بن علي، لم تتمكّن المساجد من ممارسة دورها، فتحوّل الشباب نحو الشيوخ المحافظين عبر شاشات التلفزة والإنترنت". وبالنسبة إلى قيادة النهضة، يمرّ الطريق إلى دمج السلفيين عبر إعادة إحياء دور جامع الزيتونة وتعزيز الأحزاب السياسية السلفية التي غالباً مايقودها سلفيون لايتقيّدون بحرفيّة النصوص وتأمل النهضة في أن يتمكّنوا من التحفيز على قراءة الإسلام بذهنيةٍ هادئةٍ ومسالمةٍ وإقناع الجهاديين الشباب المناهضين للديمقراطية بالانخراط في المنظومة السياسية.

كذلك، تؤدّي الاعتبارات السياسية دوراً في المقاربة التي تعتمدها حركة النهضة. فمع اقتراب موعد الانتخابات المقرّر إجراؤها خلال الصيف المقبل، لاتريد النهضة التخلّي عن دفّة القيادة الإسلامية لمجموعات مبتدئة، مثل "حزب التحرير" أو "أنصار الشريعة". وربما يخشى الحزب أن يؤدّي اعتقال المتظاهرين الشباب المتشدّدين إلى تصويرهم بأنهم ضحايا وشهداء للقضيّة، ماقد يزيد من جاذبية السلفية الجهادية كبديلٍ صائبٍ عن السياسة الحزبية. وفي تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أعرب عددٌ كبيرٌ من التونسيين الذين صوّتوا للنهضة، بوصفها حزب التغيير، عن خيبة أملهم إزاء عجزها عن تحسين الاقتصاد أو تطبيق مايعتبرونه إصلاحات حقيقية تصبّ في إطار الأسلمة، مثل ذكر الشريعة في المادّة الأولى من مسوّدة الدستور. وقد منحت مشاعر الخيبة هذه زخماً للحركة السلفية الجهادية التي تنادي بأسلمةٍ لاتقبل المساومة واعتماد الشريعة فوراً.

لقد حاولت حركة النهضة تنفيس المطالب السلفية من خلال معالجتها باستمرار بطرقٍ تقوم على الإشراك وتتجه  نحو التهدئة، مشدّدةً على أنّ السلفيين هم جزءٌ من نسيج المجتمع التونسي، وناشدتهم التفكير أيضاً في مقاربةٍ تدريجيةٍ أكثر تروّياً لتطبيق إصلاحات الأسلمة. وفي الآونة الأخيرة، يظهر راشد الغنوشي في شريط فيديو أثار جدلاً واسعاً، وهو يدعو "إخوتنا" السلفيين إلى عدم التسرّع و"أخذ الوقت لهضم" المسافة الكبيرة التي قطعتها تونس من أجل منح الممارسات الدينية مزيداً من الحرّيات. ويلمّح الغنوشي إلى أنه ينبغي على التونسيين، قبل الإسراع بفرض الشريعة، أن يتثقّفوا أكثر لفهم جوهرها الحقيقي. وهو يركّز هنا، كما في العديد من التصريحات الصادرة عن النهضة، على المقاربة التدريجية.

إضافةً إلى ذلك، ولّد سوء التنظيم والخلافات الداخلية شعوراً بأنّ النهضة تقف عاجزةً ومكتوفة اليدين أمام العنف السلفي الجهادي. فقد وضعت الخلافات في الرأي بين شخصيات ليبرالية، مثل سمير ديلو وعبد الفتاح مورو (الذي هاجمه سلفيٌّ مسلّح في آب/أغسطس الماضي) وأعضاء محافظين، مثل الصادق شورو والحبيب اللوز، تعقيدات إضافية في وجه المحاولات الهادفة إلى التوصّل إلى حلٍّ واضحٍ وفعّال للمشكلة. ولقد وجدت حركة النهضة صعوبةً في تبديل هويّتها والتحوّل من موقع الضحيّة في المعارضة إلى موقع السلطة الحاكمة التي تبادر إلى التحرّك وتفرض وجودها. وتزداد التشنّجات حدّةً بفعل افتقار القادة إلى الخبرة السياسية، والصدامات بين بعض الشخصيات التي عاشت في المنفى وتتأثّر بالنمط البريطاني في التفكير وبين تلك التي ظلّت في السجون التونسية على غرار الصادق شورو.

فضلاً عن ذلك، لايزال ثمة التباس يحيط بحجم السيطرة الفعلية للحكومة على وزارتَي العدل والداخلية. فالمسؤولون في النهضة يردّدون باستمرار أن أفراداً من حزب بن علي القديم ومعارضين علمانيين ناشطين في الوزارات المتعدّدة يبذلون قصارى جهدهم لعرقلة الإصلاحات التي تقترحها الحركة. ربما تُخفي هذه الحجج محاولةً لتمرير كرة المسؤولية إلى الوزارات، إلا أن ثمة تشنّجات كبيرة بين موظّفي النظام القديم والأشخاص الذين عيّنتهم النهضة في الوزارات في الفترة الأخيرة. كما أن الاضطرابات الحكومية واسعة النطاق التي أعقبت الثورة، تسبّبت بفوضى شديدة أدّت إلى انهيار الهيكليات الراسخة في الهرمية القيادية وتشويش خطوط المسؤولية البيروقراطية.

إن التزام النهضة تعليم السلفيين الشباب ودمجهم، خطوة عقلانية، والأرجح أنه سيبقى ركيزة مقاربتها للتعامل مع الفروع الأكثر تشدّداً في الحراك السلفي. لكن على أعمال العنف الإجرامي أن تُكافَح عن طريق فرض القانون، وعلى التوقيفات والإجراءات القانونية والمحاكمات الشفّافة أن تحلّ مكان الإفلات من العقاب الذي يُخيّم فوق الشوارع التونسية، بغض النظر عن الدوافع الدينية للمرتكبين والمخاطر السياسية التي تترتّب عن ملاحقتهم قضائياً. الحقيقة أنّ معارضي النهضة محقّون في انتقادهم الحكومة على ريائها في إجراء محاكمات استعراضية مُرفَقة بحملة دعائية مكثّفة بحق الفنّانين والناشطين الإعلاميين الذين يعبّرون عن رأيهم جهاراً، فيما تتردّد في محاكمة السلفيين المسؤولين عن أعمال العنف. 

فشل النهضة في فرض الأمن، جعلها في موقفٍ ضعيفٍ في مايتعلّق بتطبيق سيادة القانون. لقد حمّل الباجي قائد السبسي، مؤسّس "حزب نداء تونس" الذي استقطب بسرعة عدداً متزايداً من القوى العلمانية وتلك التي تنتمي إلى اليسار الوسط، "سياسة التسامح" التي تعتمدها النهضة، مسؤولية الهجمات على السفارة الأميركية. ويبدو أيضاً أنّ الرئيس منصف المرزوقي قد سجّل نقاطاً سياسية على حساب الإخفاقات التي مُنيَت بها النهضة، فرَسَمَ صورةً بطوليةً عن عناصر من الحرس الرئاسي يتقدّمون للسيطرة على الوضع بعدما فشلت القوات الحكومية في فرض التدابير الأمنية خلال الهجوم على السفارة الأميركية. وأخيراً، جعلت مقاربة النأي بالنفس التي تعتمدها حركة النهضة في التعامل مع هذه الأحداث، هذه الأخيرة غير محبوبة في أوساط العلمانيين والسلفيين على حدٍ سواء، الذين غالباً مايلتقون على توجيه الانتقادات نفسها إلى النهضة، معتبرين أنها مجرّدة من المبادئ وبراغماتية أكثر من اللازم، وجلّ ماتسعى إليه هو تحقيق المكاسب السياسية.

وقد يبدو الإذعان إلى اليمين استراتيجية انتخابية ذكيّة بالنسبة إلى النهضة في الوقت الراهن، ولاسيما أنّ حزب السبسي يستقطب مزيداً من الأتباع. لكنّ الأرجح أنّ النهضة تسير، من خلال مهادنتها لليمين، خلف وهمٍ خادعٍ، في محاولةٍ يائسةٍ منها لتدعيم شعبيتها وأوراق اعتمادها الدينية لدى مجموعة من السلفيين الذين يعتبرون أصلاً أنّ الحزب بعيد عن التقوى ومجرّد من المبادئ ويخضع إلى التأثير الأميركي. وفي الإطار نفسه، يمتعض عدد كبير من الجهاديين السلفيين الشباب من السلوك الأبوي للنهضة، ويتّهمون الحزب بمخاطبتهم بلهجة استعلائية. لذا، قد يكون من الأجدى بالنهضة أن تعمل على استقطاب اليمين الوسط ومضاعفة جهودها لتحسين الاقتصاد وتطبيق القانون على قدم من المساواة لمحاكمة كل المتّهمين بارتكاب أعمال إجرامية؛ ومن شأن اتّباع هذا المسار أن يبثّ ديناميكية جديدة في النهضة، فتتحوّل إلى قوّةٍ تمثيلية وذات مبادئ تتصدّى للإفلات من العقاب في السياسة التونسية وتعمل على تعزيز الشفافية وسيادة القانون اللتين ترتديان أهمّية بالغة.

مونيكا ماركس باحثة كرسي رودز وطالبة دكتوراه في الدراسات الشرق أوسطية في سانت أنتونيز كولدج في جامعة أكسفورد. تُجري حالياً أبحاثاً ميدانية في تونس.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.