ظهرت في المغرب منذ شهر أيلول/سبتمبر من السنة الجارية مجموعة من المبادرات التي تتوخى الوساطة لحل ملف السلفية الجهادية الذي يعود عمره إلى عشر سنوات دون أن يأخذ طريقه إلى الطي النهائي على الرغم من المستجدات التي عرفها العالم العربي والتي لم يكن المغرب بمعزل عنها. لم يسمع بملف أوتيار السلفية الجهادية بالمغرب إلا بعد الأحداث الأليمة التي عاشتها مدينة البيضاء يوم 16 أيار/ مايو2003، فبعد تلك الأحداث أعلنت الجهات الرسمية المعنية بمباشرة التحقيق أن المتورطين في العمليات الانتحارية ينتمون إلى "تيار السلفية الجهادية الإسلامي"، وهو تيار لم يسمع به من قبل ولم يشكل تنظيما مهيكلا، بل مجموع تصورات تخص بعض الأفراد. 

وبعد الأحداث التي ذهب ضحيتها 45 قتيلا وعشرات الجرحى والمعطوبين، وبالرغم من العديد من التسميات التي تم الإعلان عنها تباعا كلما تم القبض على مجموعة على خلفية الإرهاب (مثل الهجرة والتكفير، الصراط المستقيم، الجماعةالمقاتلة، المسلمين الجدد،  فتح الأندلس، فيما تمت تسمية بعض المجموعات إعلاميا بأسماء متزعميها المفترضين)، ظل مصطلح السلفيةالجهادية السائد أمنيا وإعلاميا حين يتم الحديث عن المعتقلين على خلفية الإرهاب، لكن لم يحدث أن خرجت للعلن أي ورقة تتعلق بأدبيات هذا التيار،لذلك بقيت هذه التسمية مرتبطة إعلاميا وأمنيا بالمعتقلين على اختلاف توجهاتهم.  ولم يشفع وصول حزب إسلامي إلى الحكم، والظروف السياسية ومافجّرته من آمال، ولا الضمانات المقدمة من السلفيين أنفسهم، وسلسلة التقارير المتواترة  للجمعيات الحقوقية عن الأوضاع المزرية التي يعيشها معتقلو السلفية الجهادية في السجون، لإنهاء حالة الحصار المفروضة على هذا الملف الثقيل الذي يوازي في أهميته لحظة الذهول الكبرى التي صدمت المغاربة منذ 2003.

الأمر يتعلق بمبادرات مختلفة يقود بعضها فاعلين سياسيين، من بينهم خديجة الرويسي، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، ونبيلة بن عمر، النائبة البرلمانية عن الحزب نفسه كذلك، والمحامي اليساري والمعتقل السياسي السابق أحمد راكز، ومحمد الخالدي، الأمين العام لحزب النهضة والفضيلة لتبني خط الوساطة. 

وتكمن خطورة مثل هذه التحركات في كونها تزرع الأمل لدى المعتقلين وعوائلهم بخلاص قريب، كما تمثّل بالنسبة إليهم رسالة غير مباشرة من الجهات الرسمية المعنية بالملف للبحث عن مخرج، ولاسيما حين يتحدث هؤلاء المتدخلين عن الجهات العليا أو حين يصرحون لهم أنهم مرسلون من القصر.

الوسطاء الجدد

أعرب مصطفى الرميد، وزير للعدل والحريات والرئيس السابق لمنتدى الكرامة لحقوق الإنسان (الذي شكل أول الأليات وأكبر الأمال لحل هذا الملف) خلال لقاء له مع اللجنةَ المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين عن نيّته فتح حوار وطني بهدف الوصول إلى مقاربة شمولية مرضية للأطراف كافة تؤول إلى حلٍّ لملف المعتقلين الإسلاميين وإزالة الاحتقان الذي يصاحبه، وذلك فور الانتهاء من صياغة الميثاق الوطني لإصلاح العدالة، الذي تعكف وزارة العدل والحريات على إعداده. تصريح الرميد، الذي كان حتى وقت قريب يحمل مشعل حلّ هذا الملف، شكّل خيبةَ أملٍ بالنسبة إلى اللجنة والمعتقلين الذين توقعوا استجابة أسرع وأكثر فعالية من هذا الحقوقي والمحامي الذي طلما طالب بضرورة العمل على إيجاد حلٍّ للقضية.

وبالثالي، وإزاء الصمت الرسمي، بادرت جهات أخرى من أجل التوسط لإيجاد حلّ، لكن المُلاحَظ أن أيّاً من هؤلاء المتدخلين أو الوسطاء الجدد لايتوفّر على أرضية أو برنامج محدد للنقاش، وأن الدور المبدئي الذي يضطلعون به يتجلّى فقط في جمع مقترحات المعتقلين للحلّ.

دخل أحمد راكز غمار هذه التجربة بخلفية نضالية تصبو إلى تحقيق المصلحة الوطنية العليا درءاً لكل الاحتمالات الممكنة بحكم الأوضاع التي يعيشها المغرب. ويقترح راكز، في إطار محاولته لطي صفحة الماضي، تجذير الإصلاحات السياسية الحاصلة في البلاد وتفعيل مضامين الدستور في سياق أقسامه المتعلقة بالعدالة والقضاء والمحاكمة العادلة، والاعتقال السياسي والعقدي. إلا أن هذه الخطوة التي يقوم بها راكز اليوم لاتتعدى اللقاء مع المعتقلين ومناقشة الأفكار التي من شأنها أن تؤدّي إلى حلّ للملف، لبلورة فكرة سيقدّمها إلى المحاور المركزي المتمثل في الدولة، ولو أن نتائج اللقاءات الأولية مع مجموعة من المعتقلين كانت كافية لترك انطباع إيجابي لديه حول هذه الفئة التي تعلن عن إيمانها بتوابث الأمة.

من جانبها، أجرت خديجة الرويسي، برفقة نبيلة بن عمر، سلسلة من اللقاءات مع مجموعة من المعتقلين على خلفية الإرهاب وتعهّدت الرويسي بحلِّ هذا الملف بما يحفظ الكرامة الإنسانية. وخلال اللقاء (الذي دام  أكثر من ثلاث ساعات وجمعهما بكل من حسن الخطاب، المحكوم بثلاثين سنة، وعبد القادر بلعيرج، المحكوم بالسجن المؤبد) جرى النقاش حول الملف وتداعياته وأوضاع السجون، وانتهى اللقاء إلى طلب المعتقلين بضرورة فتح آلية الحوار من أجل الحل النهائي للملفات السياسية.

 وقام محمد الخالدي من جهته بلقاءات مماثلة مع مجموعة من المعتقلين داخل السجون، لمناقشة نفس الملف مرتكزا على السؤال حول موقف هؤلاء من توابث الأمة. ومن المهم الإشارة الى أن التحرّكات التي قام بها الخالدي من دون استشارة قيادات الحزب، قد تسبّبت في بعض التشنّجات الداخلية، ولاسيما أن أولى بوادر التوسّط من أجل تحريك الملف من جموده كانت فكرة الدكتور مصطفى كرين. وخلال لقاءاته مع المعتقلين، أكد الخالدي بأنه مبعوث من جهات عليا، من دون تحديد تلك الجهات، وأنه سيُعِدّ تقريراً يتضمن خلاصات كل الزيارات التي قام بها، سيقوم بتقديمه إلى تلك الجهات.

في هذا الخضم، أُسِّسَت أخيراً "الهيئة الوطنية للمراجعة والإدماج"، يترأسها مصطفى كرين، وتستهدف هذه الهيئة اعتماد مقاربة تشاركية بين أصحاب الملف وبين الدولة. وتقدم الهيئة المكوّنة من سياسيين وحقوقيين رؤية جديدة، تطالب السلفيين بمراجعة أفكارهم وتحديد مواقفهم، وتطالب الدولة بالمراجعة بإدماج هذه الفئة من المغاربة، واعتماد الحوار كآلية. ولايسع إزاء هؤلاء المتدخلين الجدد إلا أن نطرح سؤالاً جوهرياً: أيٌّ من هؤلاء الوسطاء سيستطيع الدخول إلى دهاليز هذا الإرث الثقيل لتقديم الحل؟ ومع الاختلاف الكبير للإيديولوجيات وتراكمات الماضي، هل سيجري التنسيق فعلياً بين النقيضين؟ ولماذا تخلّف الشيوخ المفرج عنهم بعفو ملكي والمحسوبين إعلاميا وأمنيا كرموز لهذا التيار–مثل حسن الكتاني، رفيقي أبو حفص، عمر الحدوشي، محمد الفيزازي، وعبد الكريم الشاذلي—عن التدخّل أو التوسط من أجل التوصّل إلى حلّ؟ قد يعزى تخلف أو غياب الشيوخ عن هذا الملف بعجز هؤلاء عن ضمان جميع المعتقلين، كما يعزى السبب إلى كونهم لايملكون سلطة على المعتقلين، ولاسيما أن هؤلاء لايمثّلون كتلة متجانسة.

الإنصاف والمصالحة

لايمكن الحديث عن مطلب المصالحة كحلّ لملفات الإرهاب في المغرب من دون استحضار دور المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، الذي صار اليوم يُسمّى بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان. ولابدّ أيضاً من استحضار تجربة منتدى الكرامة لحقوق الإنسان، على اعتبار أن هؤلاء كانوا سبّاقين منذ سنة 2008 في طرح المقاربة التصالحية عوض المقاربة الأمنية، طبعاً من دون تبخيس قيمة الحوار الذي أجراه الملك محمد السادس مع صحيفة "إل بايس" الإسبانية في 16 كانون الثاني/يناير 2005، والذي يُعَدّ تأسيساً رسمياً غير مُعلَن لمراجعة خيار المقاربة الأمنية في التعامل مع هذا الملف.

كانت البداية إذاً بمقاربة اعتماد العفو الملكي كآلية لحلّ ملف معتقلي السلفية الجهادية، وهي مقاربة اقترحها أحمد حرزني، رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، على منتدى الكرامة لحقوق الإنسان، خلال لقاء مع كاتبه العام السابق خليل الإدريسي، في شهر حزيران/يونيو من سنة 2008، من أجل عرض مشاكل المعتقلين داخل السجون. حيث التمس حرزني أن يحرّر المعتقلون إفادات كتابية يتبرأون فيها من الأعمال الإرهابية، ويوضحون موقفهم من التهم التي أُدينوا بها، إضافة إلى نبذهم تهم التكفير وبيان موقفهم من المَلَكية. وبالفعل بعث عدد كبير من المعتقلين برسائل إلى المجلس الاستشاري ومنتدى الكرامة لالتماس العفو، ضمّنوها موقفهم الصريح من العنف وتكفير المجتمع ومن النظام المَلَكي، الأمر الذي أدّى إلى تحريك آلية عفو ملكي استفاد منها العشرات من المعتقلين، إلا أنها توقفت أيضا بعد ذلك.

وبعد تجربة المجلس الاستشاري، دشّن المجلس الوطني لحقوق الإنسان تجربته الحقوقية بالتوسط للعفو عن مجموعة من المعتقلين على خلفية ملف الإرهاب ومن ضمن هؤلاء، المعتقلون السياسيون على ذمة ما يعرف بـملف بلعيرج (وهم محمد المرواني، الأمين العام لحزب الأمة غير المرخّص له، ومصطفى المعتصم، الأمين العام لحزب البديل الحضاري المنحلّ، ونائبه محمد الأمين الركالة، وماء العينين العبادلة، عضو حزب العدالة والتنمية، وصحافي قناة المنار عبد الحفيظ السريتي)، ثم الشيخ محمد الفيزازي، والشيخ عبد الكريم الشاذلي). استفادوا من العفو الملكي، بعد استجابة الملك محمد السادس لمذكرة رفعها رئيس المجلس إدريس اليزمي وأمينه العام محمد الصبار، فيما لايزال مجموعة من المتابعين على خلفية نفس الملف خلف القضبان. وتوقفت آلية العفو لفترة طويلة وكأن الدولة لا تتوفر على الضمانات الكافية من أجل استكمال آلية العفو في صفوف البقية، إلى حين توسط مصطفى الرميد، بعد تعيينه وزيرا للعدل والحريات لدى الملك محمد السادس من أجل منح العفو الملكي  لباقي الشيوخ ( أبو حفص، الكتاني، والحدوشي).

أبناء الحركة

صحيح أن التيار السلفي أصبح اليوم أكثر انفتاحاً ولايمانع التعامل مع الجميع، إلا أن أبناء الحركة الإسلامية يمثّلون بالنسبة إليه أفضل الأطراف لحلّ الملف. فعلى سبيل المثال، يرى حسن الخطاب، المحكوم بالسجن ثلاثين سنة نافذة، من خلال كتاباته وتسريبات من أفراد أسرته، أن التيار السلفي لن يعالَج إلا بالمنظور السلفي، ويعتبر أن الوسطاء الجدد تدخّلوا لتسييس الملف فقط، بدليل أن أياً منهم لم يقدّم مقترحات مباشرة للحلّ من أجل مصالحة وطنية.

يرى الخطاب ومجموعة من المعتقلين مبدئياً أن الحاجة اليوم ملّحة إلى إجراء مناظرة كبرى لمناقشة الملف والمحسوبين عليه كي يُحسَم نهائياً في مابات يُعرَف بملف السلفية الجهادية في نسختها المغربية، استناداً إلى أن هذا الملف أكبر من أن تستوعبه جهة معيّنة حتى لو كانت حزباً.

سناء كريم صحافية مغربية.