عاد الجدل في العراق حول مقترح تشكيل حكومة غالبية إلى الواجهة من جديد في أواخر تشرين الأول/أكتوبر الماضي على وقع تجاذبات فرقاء السياسة حول ما إذا كان يجب الإبقاء على حكومة الوحدة الوطنية الحالية التي تضم كل الفصائل السياسية الكبرى. وترجّح الكفّة لمصلحة فريق المرحبين بالمقترح، وهم المعسكر النيابي الداعم لتوجهات رئيس الوزراء نوري المالكي على حساب فريق المعارضين الذي يمثله أقطاب في قائمة إياد علاوي. أما الأكراد، فلم يتّضح بعد موقفهم النهائي مما هو مطروح. لدى فريق الأغلبية رغبة في تعبيد الطريق أمام اعتماد هذا النوع من الحوكمة من الآن فصاعداً، من دون الرجوع إلى نقطة "حكومات المحاصصة"، لاسيما وأنهم لن يخسروا شيئاً في حال لم يتحقق مرادهم. السبب وراء بروز هذا الطرح الآن، هو رغبة البعض من دُعاته وتحديدا أعضاء الائتلاف النيابي الداعم لتوجهات رئيس الوزراء نوري المالكي في التخلص من حكومة "الأضداد والأنداد" ويضاف إلى ذلك امتناع الأطراف المعارضة لتوجهات فريق الأغلبية عن تمرير القوانين والتشريعات التي تدعم التوجه الحكومي، ما دفع أنصار هذا الطرح إلى بث الروح مجددا في مقترحهم والبحث عن آليات مناسبة لتنفيذه .

تلويح المالكي وفريقه النيابي بحكومة أغلبية يتواتر هذه الأيام بتراتبية مرتفعة في ظل أنباء عن تحركات يقودها زعيم إقليم كردستان مسعود بارزاني إلى جانب علاوي وآخرين، من أجل قطع الطريق أمام مساعي المالكي الحثيثة لتشكيل حكومة تدعمها غالبية من النوّاب . كما يردّ فيه على تهديدات صادرة عن جميع من يعارض رغبته الجامحة في البقاء بمنصبه لولاية ثالثة حتى عام 2018. والجدير ذكره أن تواتر دعوات تشكيل حكومة غالبية ليس بالأمر الجديد، إذ سبق لنواب في معسكر المالكي أن أطلقوا مثلها قبل عام تقريبا، في ردٍ على تهديداتٍ بسحب الثقة من زعيمهم صدرت سابقاً عن نظرائهم في كتل برلمانية ولاسيماخصوم المالكي وتحديدا أقطاب في قائمة علاوي والفصيل النيابي الذي يتبع رئيس إقليم كردستان مسعود بارازاني.

في ما يتعلّق بتشكيل حكومة أكثرية، طُرحت له ثلاثة سيناريوهات محتملة : الأول، تُنظِّر له الدوائر القريبة من المالكي ويتمثل بضم أطراف في كتلتي "العراقية" و"الكردستاني" النيابيتين إلى مكونات التحالف النيابي الشيعي، بهدف تشكيل حكومة أكثرية تحافظ على التمثيل المذهبي والعرقي بحدوده الدنيا على الأقل. وهو ما يُستبعد حدوثه على أقله في الدورة البرلمانية الحالية لعدم وجود مواقف دولية -أميركية على وجه الخصوص- داعمة لهذا السيناريو. أما الثاني فيقضي بإعادة إحياء التحالف الشيعي-الكردي الذي ظهر في العام 2005، والذي من شأنه استبعاد قائمة "العراقية" والإبقاء على التحالف التاريخي بين الشيعة والأكراد. وإذا ما تحقق هذا، فإنه سيتم استبعاد الكتلة التي تمثّل طائفة السنة العرب بكاملها من الحكومة. لكن يُخشى أن يؤدي ذلك إلى عودة التمرّد السني المسلّح، وهو ما عبّر عنه صراحةً رئيس الوزراء السابق إبراهيم الجعفري، أبرز حلفاء المالكي. وبالنسبة إلى السيناريو الثالث، يتمنى البعض في إطاره عقد تحالفٍ حكومي على أنقاض "حلف اربيل" بين الأكراد والسنة والكتلة الصدرية التي يتزعمها روحياً مقتدى الصدر، لكن هذا الاحتمال فشل قبل أشهر، ولا يجد له الآن صدى واسعاً لا في جلسات الأقطاب السياسية ولا في التغطيات الإعلامية، بسبب حال عدم الثقة المتفشية بين أطراف هذا الحلف.

أخذ دُعاة مقترح حكومة الأكثرية يتزايدون يوماً بعد آخر أفراداً وجماعات وبات الآن شائعاً على ألسنة شخصيات وقوى سياسية ظلّت حتى وقتٍ قريب تُصنف في خانة المنتقدين. لقد كشفت التسريبات الخاصة والوقائع الماثلة في تصريحات نواب وساسة من كتل برلمانية مختلفة عن رغبة هؤلاء الجامحة في ركوب موجة الغالبية الحكومية التي يُحتمل تشكيلها إذا ما فشلت جهود رئيس الجمهورية جلال طالباني في فك شيفرة الأزمة التي أحاطت بالمشهد المحلي منذ كانون الأول/ديسمبر الماضي. ومن بين أولئك النائب الحالي والوزير السابق علي الصجري الذي يشغل منصب الأمين العام لـ"تيار الشعب"، إلى جانب نواب كتلتي "العراقية البيضاء" و"العراقية الحرة" المنشقتين عن ائتلاف العراقية الأم، وبعض النواب المستقلين. أولى التصدعات أصابت قائمة علاوي في آذار/مارس العام الماضي، ولحقها بعد ذلك نصف انشقاق قاده النائب طلال الزوبعي الذي أسس كتلة داخلية سميت بـ"شباب العراق" الهدف منها تكوين مركز قرار داخل الكتلة الأم دون الخروج من تحت عباءتها وغالييتها من النواب الشباب، لتكتمل الانشقاقات في هذا الائتلاف النيابي في نيسان/ابريل الماضي عندما انشق خمسة نواب ليؤسسوا كتلة "العراقية الحرة" ويقفزوا نهائيا من مركب علاوي قبل غرقه في بحر الخلافات الداخلية المتلاطمة أمواجه .

ويعود استقواء أنصار الطرح الداعي إلى تشكيل حكومة أكثرية إلى التسريبات الواردة إليهم بأنّ بعض أطراف ائتلاف علاوي النيابي سيلتحقون من دون تردد بحكومة الغالبية في حال تشكيلها، حرصاً على ألا تفوتهم فرصة تبوؤ المناصب التي عرفوها خلال العامين الفائتين. ناهيك عن اختمار فكرة هكذا نوع من الحوكمة في عقول فصائل رئيسية داخل التحالف الشيعي الذي عارض بعض أقطابه مثل هذا التوجّه تحت ضغوط أميركية وبحجة عدم أهليته للمرحلة الآنية التي كانت تعيشها البلاد وتطلبت في حينها مشاركة جميع الأطراف. وهذا ما كان يتذرع به رئيس "المجلس الأعلى الإسلامي" عمار الحكيم الذي أعرب أخيراً عن دعمه لدعواتٍ سابقة بتشكيل حكومة غالبية.

وما قد يعزز احتمال حدوث سيناريو حكم الأكثرية المفترض، هو الخلافات داخل البيت الكردي وحال الانقسام بين الحزبين الحاكمين في الإقليم الفيدرالي اللذين يتزعمهما طالباني وبارزاني، وقوى المعارضة الكردية التي تتقدمها حركة "التغيير" بزعامة نيشروان مصطفى. وبموازاة هذا الانقسام، تبرز محاولات حثيثة يبذلها المالكي لاستمالة فصائل كردية معارضة لتوجهات زعيم منطقة كردستان، تزامناً مع أنباء متواترة تفيد بصدود وجفاء أميركي تجاه بارزاني المستاء من دعم واشنطن للمالكي. وعلى رغم هذه الخلافات، تصطدم جهود المالكي بقوة التحالف الكردي القائم على أساس الحلم القومي بتأسيس دولة كردستان. إلا إن تحرّر بعض الأطراف السياسية من هول الضغوط الخارجية، فضلاً عن الرغبة الجامحة لدى البعض في نيل حصتهم في حكومة الأكثرية المفترضة، قد يكتب النجاح لمقترح الأغلبية الحاكمة.

ويحاول دُعاة هذا المقترح المطروح على طاولة النقاش السياسي، جاهدين إقناع الولايات المتحدة بإعطائهم الضوء الأخضر ليحققوا مبتغاهم القديم المتجدد، ولاسيما أن معلومات شبه مؤكدة تشير إلى أن الفريق الحاكم فتح قنوات حوار بهذا الشأن مع الإدارة الأميركية قبل وبعد انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة. إذ ترى أوساط عراقية سياسية، دعماً ضمنياً من قبل إدارة البيت الأبيض لجبهة مناصري حكومة الغالبية، في ظل تفكك خصوم المالكي وتحديداً قائمة علاوي الموصوفة بأنها "ذات رأس شيعي وجسد سني". لكن يبدو أنّ هذا الدعم الأميركي غير المباشر ليس كافياً كي يواصل أقطاب التحالف الحاكم دأبهم لتشكيل حكومة غالبية، إذ لا بد من توفر جواز مرور تمنح بموجبه واشنطن هذا الفريق المقرّب والمدعوم من إيران، الضوء الأخضر ليسير في مسعاه إلى نهاية المطاف. وسوف يساعد الدعم الأميركي أيضاً على إقناع القادة المعارضين الأكراد الذين لا يزالون خجولين لسيناريو حكومة الغالبية - مع أن أياً منهم لم يرفضه رسمياً. لكن إذا أعطيت إشارات أميركية صريحة للمضي في هذا المشروع، فقد يضمن لهم حلولاً مرضية للخلافات والملفات العالقة مع حكومة بغداد. كما أن هناك من يرى بأنّ توجه أقطاب التحالف الحاكم نحو خيار حكومة أكثرية، يمكن أن يُكتب له النجاح في ظل تفكك جبهة المعارضين وتحديداً حلفاء علاوي الذين يتساءل كثرٌ بينهم عن جدوى البقاء في تشكيل حكومي غير متجانس.

تبقى الإشارة إلى أن الرغبة الآنية في تأسيس نهج حكم الأكثرية السياسية الذي تعبّرعنه أطراف عدة في التحالف الحاكم، ورغم ما تواجهها من معوقات، لا تُركن إلى الحاضر الزمني وحسب إنما تنسحب إلى المستقبل أيضاً، لكن يُراد لها أن تكون على مستوى الطوائف في المرحلة المقبلة، وهذا ما قد يُدخل البلاد في نفق أزمات جديدة لا تظهر آفاق نهايته سريعا.

حيدر نجم صحافي عراقي مقيم في بغداد مهتم بتغطية الشؤون السياسية في العراق.