غابت النقاشات حول مستقبل الاقتصاد إلى حد كبير عن مداولات المعارضة السياسية المنظّمة، مع أن المظالم الاقتصادية تقع في صلب الانتفاضة السورية. وبذلك تكون المعارضة قد فوّتت على نفسها فرصة مهمّة للتباحث في الاقتصاد، ولاسيما أن مواضيع الفساد واحتكار الثروات في العقد الماضي تهمّ الكثير من السوريين على اختلاف ولاءاتهم السياسية. قدّرت المعارضة السياسية تكاليف إعادة الإعمار بنحو ستين مليار دولار، لكن مازال عليها أن تُحدّد بالضبط كيف سيُنفَق المال وأين. فقد فشلت حتى الآن في معالجة مسألة إعادة الإعمار الاقتصادي بطريقة واضحة ومتكاملة، مع العلم بأنه من شأن هذا النقاش أن يحدّد طابع سوريا ومستقبلها. 

على الرغم من أن النزاع لايزال مستمراً، التباحث في إعادة الإعمار الاقتصادي ضروري، لاسيما وأن جميع السوريين سيتحمّلون الأكلاف بطريقة أو بأخرى. ففيما تدرس المعارضة العديد من السيناريوات لمرحلة ما بعد النزاع، عليها أن تبقي دائماً نصب أعينها أنه من أجل كسب الشرعية في عيون الرأي العام، يجب أن تكون سياسة إعادة الإعمار بعد النزاع شفّافة، الأمر الذي من شأنه أن يتيح إجراء مسح دقيق لمستويات الأضرار المتفاوتة في مختلف أنحاء البلاد. كذلك، يجب أن تأخذ هذه العملية في الاعتبار الاقتصادات المحلية والشبكات الإقليمية الجديدة التي نشأت كوسيلة للبقاء في العامَين الماضيين، على أن تشمل الجميع بغض النظر عن انتمائهم السياسي أو الديني أو الإثني.

لايعني هذا أنه لم يؤتَ مطلقاً على ذكر التحدّيات الاقتصادية؛ فالمسائل الاقتصادية حاضرة في النقاشات حول الأزمة السورية من خلال خطط الإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار في شكل أساسي، والتي تتراوح من المبادرات غير الرسمية إلى مشاريع "اليوم التالي" التي تموّلها مؤسسات أوروبية وأميركية شمالية. لاشك في أن هذه المبادرات مهمة، إلاأنه غالباً ماتتعامل معها المعارضة على أنها صيغٌ تقنية معلّبة "تُطبَّق" في الوقت المناسب، وتنظر إليها بصورة منفصلة عن السجالات السياسية الفوضوية. لكن إعادة البناء الاقتصادية والتنمية في المدى الطويل تشكّلان تحدّياً اقتصادياً واجتماعياً خلافياً بقدر المسائل السياسية، ويجب إجراء مداولات ونقاشات مفتوحة بشأنهما.

تكتسي هذه المداولات أهمّية بالغة لأسباب عدّة. فالهدف في المدى البعيد يجب أن يكون بناء دولة ديمقراطية ومستقرّة وشرعية والمحافظة عليها، بعدأن تتضاءل أموال المساعدات وتغادر وكالات التنمية البلاد. ومن المسارات التي يمكن سلوكها باتّجاه هذا الهدف، تخطيط نموذج السلوك الضروري في دولة مستقبلية؛ وإحدى الوسائل للقيام بذلك تتمثّل في إطلاق عملية تشاورية مفتوحة للتعبير عن المظالم والخلافات والرؤى المتناقضة. أما استبعاد الاقتصاد، وهو عامل أساسي، من هذا النقاش، فيُعزِّز المفهوم الذي يعتبر أن المعرفة الاقتصادية يجب أن تكون حكراً على مجموعة صغيرة من الخبراء، مع العلم بأن هؤلاء، ومهما كانت نواياهم جيّدة، لايملكون أيّ شكل من أشكال التفويض الشعبي، وليسوا خاضعين إلى المساءلة في نهاية المطاف. كما أن تجربة إعادة الإعمار بعد النزاعات في الأعوام العشرين الماضية أظهرت الحاجة إلى هذه المقاربة الشاملة. فمنذ سلّط ألفارو دو سوتو وغراسيانا ديل كاستيو في مقالهم االمرجعي في مجلة "فورين بوليسي" في العام 1994، الضوء على شوائب المسارات غير المنسَّقة لبناء السلام في السلفادور، بتنا نعي الحاجة إلى مقاربة متكاملة للتنمية حيث "يجب معالجة المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والأمنية/العسكرية بصورة مشتركة ومتماسكة".

لكن غياب النقاش حول الشؤون الاقتصادية يقودنا إلى رصد النزعات الاقتصادية للقوى السياسية الناشئة لنستشفّ منها مؤشّراً محتمَلاً عمّا يمكن أن تؤول إليه الأوضاع الاقتصادية في سوريا. يتصاعد تأثير "الإخوان المسلمين" في سوريا ومختلف أنحاء المنطقة، وفي حين أنه ليس هناك مايدعو إلى الاعتقاد بوجود تجانس بين الحركات الإسلامية السياسية، إلا أنها تتشاطر على مايبدو رؤية اقتصادية متشابهة، من "حزب العدالة والتنمية" في تركيا إلى "الإخوان المسلمين" في مصر.

يُظهر سجلّ الحركات الإسلامية السياسية في الفترة الأخيرة أنها تبنّت أصولية السوق الحرّة. بعبارة أخرى، يبدو أن هذه التيارات تتبنّى السياسات نفسها التي أدّت إلى عدم المساواة والتهميش والفوارق الاجتماعية التي كانت السبب المباشر وراء اندلاع الانتفاضات في المنطقة عموماً، وسوريا خصوصاً. غالباً ماتصوغ الحركات الإسلامية مقاربتها بأسلوب قد يبدو جذّاباً للوهلة الأولى، مثل تعظيم المجتمع المدني وانتقاد الذراع الطويلة للدولة، وهي قيم تلقى أصداء لدى عدد كبير من الأشخاص الذين يسعون إلى التخلّص من الأنظمة السلطوية والقمعية. إذا طُبِّقَت هذه السياسات في سوريا بعد النزاع، فغالب الظن أنها ستؤدّي إلى استفحال الانقسامات الاجتماعية والجغرافية التي أشعرت شرارة الانتفاضة، بدلاً من التخفيف من وطأتها، وسوف تتسبّب في نهاية المطاف بإضعاف مؤسسات الدولة في حين أن هناك حاجة ماسّة إلى بناء الثقة بالدولة من جديد.

بغض النظر عن المصطلحات المستخدَمة لوصف الوضع في سوريا، تبدو تحدّيات إعادة الإعمار شبيهة بتلك التي واجهتها بلدان أخرى شهدت نزاعاً عنيفاً أقرب إلى الحرب الأهلية. لقد أدركنا منذ مطلع التسعينيات أن النجاح في إرساء سلام دائم في المراحل الانتقالية في البلدان التي تمرّ في نزاعات أهلية، يقوم على بناء قدرات الدولة بدلاً من الانقضاض على الدولة أو تفريغها. فهذه العملية أساسية ومهمّة، إذ يجب أن تتمكّن الحكومة من توفير التمويل المستدام للمؤسّسات الديمقراطية والبرامج الاجتماعية والاستثمارات العامة التي تساهم في تعزيز النمو والديمقراطية. وبما أن المساعدات تتناقص مع مرور الوقت، لايمكن أن تشكّل بديلاً عن هذه العملية الضرورية. فضلاً عن ذلك، فإنّ بناء قدرات الدولة هو العامل الأساسي لإضفاء شرعيةٍ على الحكومة لاتضمنها الانتخابات الديمقراطية في حدّ ذاتها. فالشرعية تتحقّق عبر توفير الخدمات والبرامج الاجتماعية التي يطالب بها الشعب ويحتاج إليها. يفرض حجم العائدات المحلّية قيوداً على ماتستطيع الدولة إنجازه، ومن جهة أخرى، تعتمد قدرة الدولة على تعبئة الموارد الداخلية، بما في ذلك جمع الضرائب، على نظرة المواطنين إلى طاقات الدولة وقدرتها على توفير الخدمات والتنمية الاقتصادية. وهذا التكافل يولّد دوراتٍ إما إيجابية وإما سلبية يتوقّف عليها نجاح المرحلة الانتقالية أو فشلها.

عمر ضاحي أستاذ مساعد في هامشير كولدج.

*تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.