بعد وفاة المرشد العام عبد السلام ياسين في 13 كانون الأول/ديسمبر 2012، لم تحدث أي تغيّرات مهمّة داخل جماعة العدل والإحسان المغربية، مايُشير، في إحدى المسائل الأساسية المتعلّقة بالجماعة، إلى أنه من المستبعد في الأفق المنظور أن تتغير طبيعة العلاقة التي تربطها بنظام الحكم، وهذا الأمر ليس مفاجئا، إذ إنه ليس من المتوقع أن تنفرج العلاقة بين الجماعة والدولة بسهولة، وهو راجع لعدم الاعتراف المتبادل بينها وبين والدولة. تجادل جماعة العدل والإحسان أنها قانونية وتشتغل في إطار الشرعية. ورغم أنها ترفض استعمال العنف للوصول إلى السلطة؛ فلم يسجَّل عليها لحدود الساعة خروج تيارات راديكالية من جبتها؛ كما تقبل أيضا – على الأقل نظريا - الاشتغال في إطار المؤسسات الشرعية، إلا أنها من الناحية العملية لم تحظَ أبداً باعتراف رسمي بها. فرغم أن الأمين العام الجديد محمد عبادي كرر يوم الندوة الصحفية عقب انتخابه في 24 كانون الأول/ديسمبر 2012، اللاءات الثلاثة للجماعة، وهي: "لا للعنف، لا للسرية، لا للتدخل الخارجي"، إلا أن هذا الأمر لم يشفع له في تغيير موقف الدولة من الجماعة. 

رغم أن جماعة العدل والإحسان توصَف بأكبر جماعة إسلامية في المغرب، إلا أنها ترفض المشاركة في العمل السياسي المباشر، وتفضّل أن تنأى بنفسها عن المشاركة في العمل السياسي الذي تصفه بـ"الديكوري" وليس تقاسما حقيقيا للسلطة، وهو راجع لتقدير كلفة المشاركة المحدودة. فتمركز كل السلطة في يد الملك، حسب رأيها، يجعل من أي حكومة فاقدة للمصداقية وبالتالي من دون تأثير يذكر، فالتعديل الدستوري الأخير ليس في رأيهم إلا التفاف على مطالب الشعب الحقيقية قام بتكريس الصلاحيات المطلقة للملك، وبالتالي هم يعتبرون الحكومة التي يرأسها حزب العدالة والتنمية "شكلية"، ولايتوقع منها شيء جديد في اتجاه التغيير الحقيقي.

لكن بعد وفاة الأستاذ عبد السلام ياسين، تُعتبَر مسطرة اختيار خليفته أحد المستجدات الأساسية للجماعة إذ تحيل على مستوى جديد لتدبير البنية التنظيمية للجماعة، ومن ثم على نمط جديد للعلاقات بين القيادة والقاعدة بعد غياب الزعامة الكاريزمية المُؤسِّسَة. إن إنتاج الصيغة التنظيمية الجديدة كان مُعدّا له سلفا ولم يُترَك للصدفة، لذلك لاحظنا السرعة الكبيرة التي أفرزت القيادة الجديدة، وهو مايدل على أن صيغة الترشيح والانتخاب وأيضا اسم الأمين العام كانت جاهزة قبل وفاة الشيخ. فقد تمت عملية اختيار القيادة الجديدة للجماعة وفق نمط يتميز بالتعقيد من جهة من حيث آليات الاختيار، كما يقوم على التفصيل من حيث توزيع المهام القيادية. فقد تمت عملية الانتخاب على مرحلتين: الترشيح ثم الانتخاب العام. الأولى يضطلع بها أعضاء مجلس الإرشاد، حيث يرشح كل واحد من أعضاء المجلس من يشاء لتحصر اللائحة في اثنين ينبغي أن يحصلا على ثلثي أصوات مجلس الإرشاد (14 عضوا)، أما في مرحلة الانتخاب العام فيتم عرض الاسمين على مجموعة أوسع تسمى مجلس الشورى، وتضم ممثلي مؤسسات الجماعة وممثلي المناطق الجغرافية، ويتم اختيار اسم واحد بعد حصوله على أغلبية الثلثين في الدورة الأولى، أو الأغلبية المطلقة في الدورة الثانية. 

ولقد عملت الجماعة على إنتاج صيغة تنظيمية جديدة بعد وفاة المرشد العام، رغبة منها في الحفاظ على التوازنات الداخلية في هذه اللحظة الحرجة من حياتها. فقد تم انتخاب الأستاذ محمد العبادي كأمين عام للجماعة كما كان متوقعا لما يمثله من استمرارية تاريخية وروحية ونضالية. فهو ينتمي للجيل المؤسس ويشترك مع الشيخ المؤسس في الجذور الطرقية حيث قضى فترة من بداية حياته ضمن الزاوية الدرقاوية التليدية، كما أنه يشترك مع الشيخ في عيشه مرارة السجن والتضييق.أما فتح الله أرسلان الذي انتخب نائبا للأمين العام، فيشكل اختياره تأكيدا لأهمية البعد السياسي والتنظيمي، فقد ساهم من موقعه كناطق رسمي باسم الجماعة في مراكمة شبكة علاقات مع مختلف الفاعلين السياسيين ووسائل الإعلام، جعلت منه شخصية أكثر شهرة مقارنة مع قيادات الجماعة الأخرى، كما أنه بدا في السنوات الأخيرة أكثر اهتماما بموضوع المشاركة السياسية.

إن هذا التقسيم وهذه التسميات الجديدة تعتبر بمثابة الإعلان عن مرحلة جديدة من عمر الجماعة. فكون المسؤول الأول عن الجماعة اتخذ لقب الأمين العام بدل المرشد العام وتحديد ولايته في خمس سنوات قابلة للتجديد، وذلك بعد تقييم مساره وأدائه خلال فترة ولايته، على خلاف السابق حيث كان الأستاذ ياسين مرشدا أبديا للجماعة، يوحي بنهاية علاقة الشيخ والمريد في الجماعة ولو أن الأمين العام الأستاذ محمد العبادي يغلب عليه الطابع الصوفي الروحي.  

أما استحداث منصب نائب الأمين العام فيؤشر إلى خصوصيات مرحلة مابعد الشيخ المؤسس:

أولا: حجم المساحة التي كان يحتلها المرشد العام أوسع من أن يحتلها شخص واحد. وهذا يدل أيضا على أن الجماعة ستعرف في هذه المرحلة تسييرا جماعيا لشؤونها مع دور أكبر لفتح الله أرسلان نائب الأمين العام.

ثانيا: أن اختيار الأستاذ العبادي أمينا عاما وأرسلان نائبا له يؤشر على أن العبادي غير مؤهل لمنصب الزعيم. وإنما اختير أساسا لأداء دور أساسي داخليا يتعلق بمنع تصدّع صف الجماعة بعد غياب الشيخ لما يناله من احترام من أبناء الجماعة لما عُرِف عنه من زهد ورقة. وتصريحاته قبل انتخابه المتعلقة بعدم أهليته للمنصب تدل على ذلك. 

ثالثا: أن الجماعة لم تمتلك بعد آليات تنظيمية وسلوكيات ديمقراطية راسخة على مستوى الترقية التنظيمية كما هو حال حركة التوحيد والإصلاح المغربية مثلا. وبالتالي فهي في حاجة إلى وقت للوصول إلى اكتساب هذه الآليات.

رابعا: أن توزيع المهام بهذه الصيغة يدل على أن مايشغل بال الجماعة في هذه المرحلة بالأساس هو الحفاظ على التوازنات الداخلية ووحدة الصف باعتبارها التحدي الأكبر الذي يواجه القيادة الجديدة للجماعة. 

تحسّنت علاقة جماعة العدل والإحسان أيضاً ببعض الفاعلين الإسلاميين، خصوصاً التيار السلفي، غير أنه من المستبعد الحديث عن تقارب أو اندماج بين الجماعة والقوى الإسلامية الأخرى. إلا أن وفاة الشيخ أبرزت بعض التغيرات في طبيعة العلاقة بين المكونات الإسلامية، والتغير الأبرز هو الموقف الإيجابي الذي عبر عنه بعض رموز التيارات السلفية، فبعد عقود من المفاصلة والتوتر، قام عدد من رموز مايُسمّى بـ"السلفية الجهادية" بالمشاركة في جنازة الشيخ، وتعزية الجماعة في فقدانها لمؤسسها، وتقديم تصريحات إيجابية في حق الراحل، وهذه تعبّر أكثر عن تحولات المشهد السلفي من كونها تحولات داخل العدل والإحسان. كما أن علاقة الجماعة بكل من حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية مازالت مستمرة بنفس الوتيرة تقريبا، المرتبطة أساسا بتبادل الزيارات في بعض المناسبات الدينية والاجتماعية، والتنسيق في بعض المحطات مثل المسيرات المساندة لقضايا الأمة، مع توتر ظرفي إزاء بعض النوازل، مثل انتقاد حزب العدالة والتنمية سنة 2005 لتصريحات  نادية ياسين بخصوص تفضيلها للنظام الجمهوري بالمغرب، أو رسالة مجلس الإرشاد في كانون الثاني/يناير 2012  التي تنتقد حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية باعتبار أن خيار المشاركة من داخل المؤسسات في السياق المغربي هو "هوامش على متن الاستبداد، وديكورات لتزيين الحكم المخزني"، بحسب ماجاء في الرسالة.

الموقف السلبي للدولة من جماعة العدل والإحسان يمكن أن يُفَسَّر بشكل أساسي، كرد فعل على موقف الجماعة من النظام الملكي، حيث يصنّف عبد السلام ياسين النظام الملكي ضمن الأنظمة الجبرية (الديكتاتورية) كما هو مبيَّن ضمن كتابه: "المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا"، انطلاقا من حديث نبوي يتنبأ فيه رسول الإسلام بتأسيس خلافة راشدة ثانية بعد زوال الملكيات السلطوية. لكن نشير هنا إلى أن موقف الجماعة من الملكية بدأت تطرأ عليه تغيرات، فقد صرح لي أحد قيادات الجماعة في بعض المقابلات التي أجريتها معه  نهاية حزيران/يونيو 2012  إلى استعداد الجماعة للقبول بالملكية شريطة أن تلتزم بالديمقراطية وأن تنأى بنفسها عن التدبير السياسي اليومي، وإن كانوا يصرون دائما على رفض صفة الملك الدينية كأمير للمؤمنين.

في العام 2006، ظهر مايُسمّى بـ"الرؤيا" في أدبيات جماعة العدل والإحسان، وهي عبارة عن تأويل رؤيا وأحلام مجموعة من أعضاء الجماعة، واكبتها تصريحات للمرشد العام وقيادات وأعضاء في الحركة على أن المغرب مقبل على تغيير جذري خلال تلك السنة، تم تأويله على أنه "القومة" (الثورة أو العصيان المدني)، وهو مارفع من درجة التوتر بين الجماعة والدولة. لكن هذه المرة لم يتم استهداف عبد السلام ياسين الذي أصبح طاعنا في السن، بل انتقل النظام إلى سياسة استنزاف البنية التنظيمية والمالية بهدف إنهاك الجماعة في متاهات القضاء والمسالك الإدارية. وقام باعتقال مئات من أعضاء الجماعة وإغلاق وتشميع عدد من المقرات ومصادرة ممتلكاتها، والتضييق على أنشطة اجتماعية واقتصادية للجماعة.

على الدولة أن تعتبر أن بقاء العدل والإحسان خارج اللعبة السياسية غير مفيد للانتقال الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة، لهذا عليها أن تسلك طريقا آخر غير خيار المقاطعة، وهو خيار التواصل والتفاوض. وهنا يجب على الدولة أن تكون أكثر تواضعا في مطالبها تجاه الجماعة وغيرها من الفرقاء السياسيين، بحيث تسمح لها بتأسيس حزب سياسي مقابل الاعتراف بشرعية الملك السياسية فقط وليس بالضرورة بسلطته الدينية، وتشجيعها على الاستمرار في العمل السلمي. كما على العدل والإحسان بدورها أن تعبّر بشكل واضح ورسمي أنها مستعدة للقبول بسقف الملكية البرلمانية، وأنها تقبل بقواعد اللعب الديمقراطي.

محمد مصباح باحث في مركز الابحاث والسياسات SWP ببرلين.