في التاريخ الحديث، غالباً ماتطلّبت مناصرة حقوق المرأة في العالم العربي الرعاية والدعم من النساء النخبويات. ففي معظم الأحيان، شكّلت المبادرات من زوجات الملوك أو الرؤساء (كما في مصر) شرطاً مسبقاً ضرورياً ليس فقط لوضع شؤون المرأة على جدول الأعمال، بل أيضاً من أجل ضمان تطبيقها. ونتيجةً لهذه المقاربة، طبعت بعض الأنماط تطوّر "الحركة النسائية" في مختلف أنحاء العالم العربي. فوجود "والدة الأمّة"، مثل سوزان مبارك أو جيهان السادات (اللتين نصبّت كل واحدة منهما نفسها راعيةً للحركة النسائية)، يُشير ضمناً إلى أن النساء العاديات يفتقرن إلى القدرة على جعل النخبة الحاكمة تعيرهنّ آذاناً صاغية، الأمر الذي يوحي بأن هؤلاء النساء لايأبهن لحقوقهن. لكن هل يمكن فعلاً أن تبرز ناطقة باسم "النساء في الشارع" من صفوف الطبقات الاجتماعية العليا؟

سابقاً، وتحديداً في خمسينيات القرن العشرين، أطلق الرئيس جمال عبد الناصر مرحلة من التحسين الاجتماعي والسياسي لحقوق المرأة من دون أي إسهام من زوجته. وفي حين مُنِحَت النساء حقّ التصويت في العام 1956، وانضممن إلى القوى العاملة بفعل هذه الجهود التحديثية، لم يعمل عبد الناصر على تحسين أوضاعهنّ في الميدان الخاص؛ فلم تُبذَل أي محاولة لإصلاح قانون الأحوال الشخصية أو تحسين مكانة المرأة داخل العائلة، ولعل السبب هو أن هذا الموضوع كان يُعتبَر سجالياً جداً. حتى أنه يمكن الذهاب أبعد من ذلك في التحليل، والقول إنه في ظلّ عدم وجود امرأة قوية تناصر الإصلاح، بقي الميدان الخاص على حاله. يُشار في هذا السياق إلى أن المادة الثامنة من دستور العام 1971 ضمنت المساواة السياسية لجميع المواطنين المصريين، لكنها لم توسّع هذا المبدأ ليشمل قانون الأحوال الشخصية. 

منذ ذلك الوقت، استمرّت الحركة النسائية في الاعتماد على الرعاية من شخصية نافذة في النخبة؛ والاختلاف الوحيد منذ مطلع الخمسينيات هو أن هذه الشخصية لم تعد من الرجال حصراً، على غرار عبد الناصر. وهكذا مع تبنّي السيدات الأوائل للقضايا النسائية، بدأ الرؤساء المصريون يتجاوزون آلية النقاش المعتادة في البرلمان بإقرار القوانين إما خلال العطلة البرلمانية وإما بموجب مرسوم. ومن الأمثلة عن هذه المراسيم الرئاسية القانون 44 للعام 1979 الذي يُعرَف بـ"قانون جيهان". إلا أن هذا القانون اعتُبِر لاحقاً غير دستوري بسبب دخوله حيّز التنفيذ بموجب مرسوم رئاسي. كما أن القانون لم يحظَ بالتأييد الشعبي بسبب مضمونه الذي أجاز للمرأة، من جملة أمور أخرى، طلب الطلاق من زوجها إذا عقد قرانه على امرأة ثانية. وفي العام 1985، اعتمد مجلس الشعب في عهد مبارك نسخة مخفّفة من هذا التعديل لقانون الأحوال الشخصية.

في العام 2000، أُقِرّ "قانون الخلع" الذي يُشكّل أحد جوانب الإصلاح الأوسع نطاقاً في قانون الأحوال الشخصية المصري. فقد أجاز للمرأة أن تطلّق نفسها من دون أن تكون لدى الزوج عيوب أو من دون أن تصدر منه إساءة إليها، في حين أنه كان يحقّ للزوج فقط في السابق أن يتقدّم بطلب طلاق من دون ذكر الأسباب التي تستوجب انفصاله عن زوجته. وقد شكّل هذا القانون خطوة مهمّة نحو تحقيق التكافؤ بين الرجال والنساء، لابل نجرؤ على القول، نحو "المساواة بين الجنسَين". في العام نفسه، أُنشِئ "المجلس القومي للمرأة" بموجب مرسوم رئاسي، وعُيِّنَت السيّدة الأولى سوزان مبارك أمينته العامة. المجلس هو نظرياً منظّمة أهلية، لكن علاقته مع المجتمع المدني كانت ولاتزال ملتبسة. ومن دون الانتقاص من شأن المكاسب التي حقّقتها هذه الهيئة، لابد من طرح السؤال الآتي: لماذا اعتُمِدَت تقليدياً الطريقة الهرمية من الأعلى إلى الأسفل لإدخال التغيير الإيجابي في التشريعات عن النساء أو بالأحرى فرضه؟

انطلاقاً من هذا الواقع، ونظراً إلى الآليات البنيوية والإجرائية المطلوبة من أجل منح النساء حقوقهنّ عملياً، قد تكون الآفاق المستقبلية قاتمة في هذا المجال. ليست لدى جماعة "الإخوان المسلمين" مصلحة واضحة في تعزيز المساواة بين الجنسَين. فقبل التصديق على الدستور المصري الجديد، حُذِفَت المادّة 36 (التي كانت تنصّ صراحة على المساواة بين الرجال والنساء)، في 29 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، ولم تَرِدْ في مسوّدة الدستور النهائية التي عُرِضَت على الاستفتاء في كانون الأول/ديسمبر المنصرم.

ثمة مسائل سجالية أخرى مرتبطة بحقوق المرأة تُحيط بالجمعية التأسيسية وصياغة الدستور الجديد، وهي معبِّرة إلى حدّ كبير. فليست صدفة على الإطلاق أن منال الطيبي هي من أول المندوبين الذين انسحبوا من الجمعية التأسيسية. فقد كانت تمثّل في شخصها حقوق الإنسان وحقوق النساء الليبراليات على حدٍّ سواء. مَن يتوقّف عند النقاشات التي شهدها مجلس الشعب المصري قبل حلّه في منتصف العام الماضي، يقع تحت تأثير الصدمة لاكتشافه أن جدول الأعمال تضمّن بنوداً مثل خفض السنّ القانونية لزواج الفتيات إلى تسع سنوات، أو إلغاء قانون الخلع المذكور آنفاً. لو شاركت نساء عاديات في وضع جدول الأعمال لتحسين حقوقهن، لاختلفت كثيراً المسائل التي طُرِحت على النقاش.

يبدو فعلاً أن النساء العربيات بحاجة إلى ناطقة باسمهنّ من النخبة السياسية كي يتمكّنَّ من إسماع صوتهنّ. لكن نساء النخبة الحاليات لايتمتّعن بالصفات المناسبة التي تتيح لهنّ رفع صوت النساء في مصر وسواها من البلدان العربية. تجسّد "أم أحمد"، وهو الاسم الذي تحبّ السيدة الأولى المصرية نجلاء علي محمود أن تُنادى به، الفصل الذي يمارسه الإسلام بين أدوار الرجال والنساء في الميدانَين العام والخاص. "السيدة مرسي" هي النموذج بعينه عن صورة المرأة في الإسلام، والتي تجعل دورها مقتصراً على تدبير شؤون المنزل وتربية الأولاد. فهل يمكن أن ترفع أم أحمد لواء حقوق المرأة والمساواة بين الجنسَين؟ نحن أمام حالة مختلفة تماماً عن زينب الغزالي، التي كانت ناشطة بارزة في الإسلام السياسي أسّست "جمعية السيدات المسلمات". فقد كانت الغزالي شخصية سياسية عامة، ووصل بها الأمر إلى حدّ أنها رفضت دمج جمعيتها ("جمعية السيدات المسلمات") مع "الأخوات المسلمات" التابعة لـ"الإخوان المسلمين" (بناءً على طلب من مؤسّس الإخوان المسلمين حسن البنا)، وذلك خشية خسارة الاستقلالية. وهذا لاينطبق على أم أحمد التي تكتفي بدور الأم وربة المنزل في الميدان الخاص.

لكن السؤال المطروح يبقى: لماذا كان "المجلس القومي للمرأة" بحاجة إلى تعيين السيدة الأولى أمينة عامة له؟ ماالمؤهّلات التي تتمتّع بها نساء النخبة وتتيح لهنّ تمثيل مصالح النساء (المصريات) في شكل عام؟ ولماذا لاتلقى السيدات اللواتي يحتللن مكانة بارزة في المجتمع في شكل عام أو في المجتمع المدني تحديداً، آذاناً صاغية شأنهن في ذلك شأن زوجات الحكّام الأوتوقراطيين؟ لاتقتصر هذه الأسئلة بالضرورة على شؤون المرأة وحسب، بل تتعدّاها لتشمل أيضاً ميادين أخرى في الحقوق المدنية. آن الأوان كي يخرج الناشطون من الشوارع ويجسّدوا آرءاهم وأفكارهم في الميدان السياسي. يتيح الوضع الراهن فرصة أمام المرأة العربية كي تثبت أنها قادرة على تسلّم زمام الأمور بنفسها في غياب الرعاية والدعم من الشخصيات النافذة، ويعني ذلك تسلّم مناصب سياسية رسمية والمطالبة بالمساءلة وبإفساح المجال أمام مشاركة أكبر من المجتمع المدني. يقع على عاتق النساء العربيات الآن أن ينتقلن بهذا النضال إلى مستوى جديد، وينتظمن في الميدان السياسي الرسمي وغير الرسمي على السواء من دون الحاجة إلى المساعدة من زوجات أوتوقراطيات.

لبنى عزام طالبة دكتوراه في جامعة غوته في فرانكفورت، وباحثة في مشروع "التغيير النخبوي والتعبئة الاجتماعية الجديدة في العالم العربي"، في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP) في برلين.

* ترجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.