أثارت تحركات الإخوان المسلمين في الشارع وفي المجال العام في مصر عبر الشهرين الماضيين– في إطار سعيهم لتأييد قرارات الرئيس الإخواني محمد مرسي الخاصة بالإعلان الدستوري ثم تمرير الدستور المصري الجديد عبر الإستفتاء الشعبي–العديد من التساؤلات المتعلقة بطبيعة المشروع والأداء السياسي للقوى الإسلامية في الفترة الحالية بعدما إنتقلت من مواقع المعارضة إلى سدة الحكم. 

يبدوأنَّ الإخوان المسلمين في مصر جالسين على عروش مهتزة قائمة على رمال متحرّكة ، وذلك بالرغم من إستتباب الأمور ظاهريا، ولومؤقتا، للسلطة الإخوانية بعد إنتصارهم في معركة تمرير الدستور الجديد كما أرادوا، فهم يمتلكون الآن السلطتين التنفيذية والتشريعية ويراهنون على قدرتهم في إقتناص الأغلبية البرلمانية في الإستحاق الإنتخابي القادم بعد أشهر معدودة (وهوما ترجحه حسابات موازين القوى الإنتخابية حتى الآن).

فالنجاح الإخواني حتى الآن مايزال مرتهنا بتفوق الماكينة التنظيمية الإنتخابية لجماعة الإخوان المسلمين بشكل واضح على مثيلاتها بين صفوف المعارضة، لكن هذا التفوق–وهوتفوق كمّي نتيجة التراكم التنظيمي الإخواني عبر العقود الأخيرة وتفوق نوعي أيضا عبر جاذبية الراسمال الثقافي والإجتماعي لشبكات الإخوان المحلية– والذي يظل مرتبطا بمدى قدرة القوى غير الإسلامية على تجاوز تأخرها وبلورة آليات بديلة ومن ثم فهذا يشكل مصدرا للقلق على المدى الأبعد.لكن تبقى المشكلة الأهم للإخوان هي عجزهم الحالي عن بلورة نموذج سياسي يتمايز عن سياسات نظام الحكم السابق وعن سياسات القوى المعارضة على مستوي القيم والأداء والآليات ويكون هذا النموذج قادرا على مواجهة التحديات التنموية الإقتصادية والإجتماعية والسياسية التي تواجه مجتمع مثل المجتمع المصري في أتون أزمة إقتصادية وإجتماعية عنيفة (كانت ثورة يناير تعبيرا عنها وليست سببا فيها كما تتصور بعض التحليلات القاصرة) أزمة من المفترض أن تستدعي حلولا ديمقراطية سياسيا وإقتصاديا يبدوا أن جماعة الإخوان عاجزة وغير قادرة على توفيرها. وهذا العجز يرجع لعاملين أساسيين: عامل مجتمعي خاص بموازين القوى المتغيرة داخل المجال العام المصري وعامل آخر أيديولوجي يرجع للمناطق الرمادية الكثيرة والمتراكمة في خطاب وفكر الإخوان فيما يخص التعددية وحقوق الإنسان والتي قد تؤطر الميل السلطوي للممارسة الإخوانية وتشرعنها عقائديا إذا ما إستدعى الأمر سياسيا.

هناك حركة مقاومة إجتماعية مدينية تقودها قطاعات واسعة من الطبقات الوسطى متخوفة من طائفية الإخوان (كجماعة مغلقة متقوقعة حول هدف حماية مصالحها أولا وأخيرا) ومن خطر الإخوان على الحريات العامة والخاصة وعلى الديمقراطية الوليدة وعلى انماط المعيشة اليومية (وقد ظهر حجم هذه الحركة المعتبر في الشارع في مظاهرات 27 نوفمبر و4 ديسمبر2012 ومن قبل هذا فنتائج إنتخابات الرئاسة الأخيرة دالة في هذا السياق. فالمرشح الإخواني محمد مرسي خسر القاهرة والإسكندرية والمنصورة والزقازيق وطنطا غيرها من المدن في الجولة الأولى من الإنتخابات) بالإضافة إلي سخط الكتلة الثانية من الغاضبين ألا وهي حشود فقراء المدن على سوء الأوضاع الإقتصادية والظلم الإجتماعي الذي لم ينته ولا يبدوأنه سينته تحت حكم الإخوان.

وبعد أيام من التعبئة الإخوانية والسلفية في المحافظات، كان حجم المتظاهرين أقل نسبيا من حجم الحشد الإسلامي في مليونية 29 يوليو2011 الشهيرة مع تراجع نوعي في حجم الحماسة بالرغم من القدرة على العمل دون عوائق نتيجة لعدم وجود المطاردات الأمنية والإشتباكات الجماهيرية. عشرات الأتوبيسات جلبت الآلاف من الإخوان والسلفيين من قاعدة التأييد اللأساسية للإخوان في الخزان الريفي في محافظات الدلتا إلي القاهرة للتظاهر فيها. وهذا يطرح التساؤلات حول عدم وجود مؤيدين للإخوان والسلفيين في القاهرة مركز الثقل السياسي . من الوضح أنها قواعد محدودة ناهيك عن تراجع الرضا الشعبي عنهم من خارج الكتلة الثابتة للإخوان .

الحشد كان بلا معنى واضح، فلا هوكان حشدا سياسيا لتأييد سياسات مرسي في الحكم ولا هوبقي حشدا دينيا عقائديأ صرفأ كما كان الحال في مليونية 29 يوليو. كانت هناك شعارات نصرة الشريعة مرفوعة ورددها الكثيرون في حماسة مصطنعة لأن الحقيقة تبقى ناصعة أن الخلاف مع الرئيس مرسي متعلق بأمور أخرى ويحاول البعض تدارك هذا فيرفعون شعارات تأييد الدستور الذي ربما لم تقرأه الأغلبية الساحقة من الحضور أساسا بل وربما لا يدركون أصلا جوهر الصراع الحالي حول ديمقراطية أوسلطوية النظام الجديد قيد التشكيل، ومن ثم يقعون في منطقة العدم حيث يصبحون مصطفون ومجتمعون بلا قضية اللهم إلا حفظ النوع، وهذا يتسق مع طبيعة الدستور الذي أنجزه الإسلاميون وحلفائهم العسكريون في الحكم (المنتج السياسي الوحيد للتجربة الإسلامية في الحكم حتى الآن) فلا هودستور ديمقراطي ولا هودستور إسلامي (بمفهوم الإسلاميين عن "الدولة الإسلامية") ولكن دستور سلطوي بلا ملامح.

ما الرسالة التي أراد الحكام الإخوان توصيلها في ذلك اليوم أوفي في يوم المصادمات امام قصر الرئاسة بالإتحادية في الخامس من ديسبمر 2012؟ هل هي أنهم ورائهم كتلة قوية من المؤيدين؟ هذا شئ معروف تقر به المعارضة ويقر به الجميع. فأغلب المراقبين يقولون أن هناك إستقطاب سياسي واضح له إمتدادات أهلية وإجتماعية خطيرة. لكن الحكام الإخوان هم من يرفضون الإعتراف أن هناك كتلة ديمقراطية قوية تمثل فئات متنوعة من الشعب المصري ويصرون على أن المعارضين ماهم إلا مجموعة من "ممثلي النظام القديم" و"الأصفار" و"الحاقدين" في إنكار للواقع يميز السلطويات الغاربة وليست البازغة وهنا تكمن تراجيديا السلطوية الإسلامية الدولتية المترنحة من قبل أن تبدأ.

واقع الحال، انّ الرسالة التي وصلت في ذلك اليوم للمشاهدين من الشعب المصري والتي ربما لم يقصدها منظموالمظاهرة هي الطابع الطائفي السافر الذي أصبحت عليه سياسة الإخوان والسلفيون في ضوء الملاحظة البسيطة أن الأغلبية الساحقة من الحضور في مظاهرات تأييد الشرعية وقرارات الرئيس المصري كانوا من الإخوان والسلفيين فأين مؤيدوالشرعية ومؤيدوالرئيس المصري من باقي المصريين هم قد يصلحون رصيدا إنتخابيا لكنهم بالتأكيد لا يصلحون كظهير شعبي للحشد في الشارع السياسي أمام حركة إحتجاجية ديمقراطية ثورية أثبتت قدرتها ليس فقط على توحيد جميع أطياف المعارضة ولكن أيضا على تسييس قطاعات واسعة من نفس هؤلاء المتفرجين ومن الوارد أن يلتحق آخرون من المتفرجين بنفس الركب مع مرور الوقت . لن تصمد ثقة الإسلاميين في قدراتهم على الحشد الإنتخابي طويلا جدا ولنتذكر أن الرئيس الإسلامي فاز ب25 في المئة من الأصوات في الجولة الأولي من إنتخابات الرئاسة أي مايقرب من 12في المئة ممن يحق لهم التصويت من الشعب المصري فاز بشق الأنفس إنتخابات الرئاسة في جولة الإعادة في لحظة حشد إسلامي رهيبة ورائه (بالإضافة إلي حشد كبير آخر من القوي الثورية التي إرتضته بدلا من أحمد شفيق مرشح نظام مبارك و ضاعفت عدد أصواته)   وفي أقوى لحظات الإستقطاب والتعبئة السياسية بعد ثورة يناير وبالتأكيد فالإمكانيات التي توفرت لإنجاح الرئيس الإسلامي كانت أقوى بمراحل من الإمكانيات التي توفرت لمظاهرة ميدان نهضة مصر.

 بالرغم من الدستور الإخواني الجديد، استمرّ نمط التصويت الإحتجاجي ضد الإخوان في المدن حسب ما أظهرت النتائج في 15 و22 ديسمبر 2012 .فقد إرتفعت نسب رفض الدستور في المدن دائما ومن الممكن القول وإن كانت الأصوات الموافقة على الدستور لا تمثل بالضرورة في مجملها تأييدا للإخوان كما أسلفنا . لكن من العدل القول أيضا أن الأصوات الرافضة في في مجملها كانت أصوات إحتجاجية ضد الحكم الإخواني. هذا التصويت الإحتجاجي يشكل نذيرا بالخطر على السلطة الإخوانية على المدى المتوسط والطويل كما أنه يلقي بشكوك عميقة حول الشرعية السياسية (وليست الإجرائية) للدستور الجديد. بالإضافة إلي هذا فمناظر الإعتدائات الميليشياوية الإخوانية على المعتصمين والمتظاهرين أمام قصر الرئاسة في الخامس من ديسمبر 2012 (والتي توجت مسلسل التصعيد السلطوي من السلطة الإخوانية والذي بدأ بالإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس مرسي في نوفمبر الماضي) قد حسمت شكوك الكثيرين وأكدت مخاوفهم من طائفية وعصبوية الإخوان. هذه النزاعات أدت إلى خسارة الإخوان قاعدة تعاون محتملة مع بعض القوى المدنية والثورية التي كانت تمتلك قدرا من التعاطف مع الإخوان بوصفهم حركة لها جماهيريتها في الشارع، شاركت في الثورة والنضال ضد مبارك، ومن ثم فمن الممكن التشارك سويا إذا ما إقتضت الحاجة أمام الأعداء المشتركين وقد لعبت هذه القناعة دورا رئيسيا في مضاعفة أصوات المرشح الإخواني محمد مرسي في جولة الإعادة من إنتخابات الرئاسة وبالتالي فوزه بالمنصب كما تقدم. لكن كل هذا ذهب أدراج الرياح الآن مما يشكل خسارة أخرى للإخوان.

الإخوان وحلفائهم من السلفيين في الحكم لن يخوضوا معركة الشوارع والإحتجاج إلا بنفس طائفي. وقدرتهم على كسب تأييد الجماهير المتحركة والمتفرجة في مواسم التصويت أصبحت غير مضمونة بدرجة كبيرة كلما قطعنا أشواطا أبعد في مسلسل التورط في مستنقع فشل السياسات العامة للنظام الحالي في تحقيق التنمية الإقتصادية والإجتماعية. وكلما انزلق المشروع الإسلامي من الخلاص السياسيي والأيديولوجي إلى المغنم الطائفي ومنطق الحفاظ على الذات. 

أشرف الشريف محاضرعلوم سياسية بالجامعة الأمريكية في القاهرة.