احتفل كلٌّ من حركتَي فتح وحماس في الأسابيع الأخيرة بذكرى تأسيسهما في غزة والضفة الغربية. وللمرة الأولى منذ التباعد بين الحركتَين في العام 2007، سُمِح للآلاف من أنصار حماس بالتجمّع في الضفة الغربية في منتصف كانون الأول/ديسمبر الماضي، وتمكّن الآلاف من أنصار فتح من التعبير عن دعمهم العلني للحركة في معقل حماس في غزة في مطلع كانون الثاني/يناير الجاري. ويوم الخميس 17 كانون الثاني/يناير، اتّفقت قيادتا الحركتَين على ردم الهوة التي تفصل بينهما منذ وقت طويل، وأعلنتا أنهما ستشكّلان حكومة تكنوقراط مؤقّتة، وستبدآن بحلول نهاية الشهر الجاري بتطبيق اتفاق مصالحة نيسان/أبريل العام 2011. وقد دفعت الاحتفالات العامة والمحادثات الأخيرة بين حماس وفتح، بعدد كبير من المعلّقين السياسيين كما بالفلسطينيين العاديين، إلى التعبير عن تفاؤلهم بآفاق المصالحة. لكن لاتزال هناك تحدّيات مستعصية على مايبدو، وهي تقف عائقاً أمام المصالحة، ولاسيما في مايتعلّق بالاندماج الأمني، وتوحيد مؤسّسات الحكم، والمعارضة داخل فتح وحماس.

وانطلاقاً من هذه النقاط الخلافية، قد يُنظَر إلى جولة المباحثات في كانون الثاني/يناير العام 2013 على أنها غير مُجدية تماماً مثل الجولات الكثيرة التي سبقتها. منذ العام 2005، وصلت فتح وحماس الى سبعة اتفاقات ولم يُطبَّق أي منها تطبيقاً كاملاً، حيث أنَّ الاندماج الأمني كان من المسائل الشائكة الأساسية التي اعترضت التنفيذ. ففي إطار محادثات المصالحة، طلب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس حلّ كل الميليشيات، ومنها "كتائب القسّام" - الجناح العسكري لحركة حماس في غزة - ودمجها في قوّة أمنية فلسطينية موحّدة خاضعة إلى أمرة السلطة الفلسطينية. ومنذ القطيعة بين الحركتَين في العام 2007، استمرّت حماس في غزة بتسليح "كتائب القسام" وتعزيز نفوذها، في حين عمل عباس على حلّ الميليشيات في الضفة الغربية ودمجها. والآن يرفض قادة حماس رفضاً قاطعاً حلّ جناحهم العسكري. كما أن إسرائيل تعارض بشدّة مشاركة حماس في الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية. وتشكّل العقائد العسكرية المتباينة التي توجِّه كلاً من القوى الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية والجناح العسكري لحركة حماس في غزة، عائقاً إضافياً أمام الاندماج.

وفي حين يتمحور التركيز في غزة حول بناء قدرات المقاومة المسلّحة ضد إسرائيل، تعمد الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية إلى التنسيق عن كثب مع إسرائيل في المجال الأمني. فضلاً عن ذلك، تبدو الانقسامات واضحة للعيان داخل الضفة الغربية. فعلى سبيل المثال، وخلال تظاهرة لعناصر مسلّحة تابعة للجناح العسكري لحركة فتح في نابلس، في العاشر من كانون الثاني/يناير الجاري، ندّد المحتجّون بالمعاملة القاسية التي يلقونها من عناصر في الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية، وعبّروا عن رفضهم دمجَ ميليشيات حماس معتبرين أنه يُضعف سيطرة فتح. إذن، تبقى المسألة الأمنية التحدّي الأساسي المطروح أمام المصالحة، ولايبدو أن الطرفَين يقتربان من التوصّل إلى اتفاق في شأنها. فبعدما استغرقت المفاوضات أكثر من شهر من أجل الموافقة على إحياء حركة فتح ذكرى تأسيسها في غزة، وشهدت محطات من التشنّج الشديد وتبادل الاتّهامات، ليس واضحاً كيف يُتوقَّع التوصّل إلى تسوية للمسألة الأمنية ضمن المهلة الزمنية القصيرة التي حُدِّدت لإتمام عملية المصالحة.

وغالب الظن أن توحيد مؤسّسات الحكم سوف يظلّ موضع خلاف أيضاً. فحركة "حماس" تمارس حكماً موازياً منذ ست سنوات، ما أتاح لها تثبيت سلطتها على مؤسّسات الحكم كما على النشاط الاقتصادي في غزة، وهذا ينطبق أيضاً على فتح في الضفة الغربية. ودمج النُّظم المتوازية ليس مهمّة شاقّة وحسب، بل يواجه معارضةَ عددٍ كبيرٍ من الأطراف. ففي أعقاب القطيعة في العام 2007، وزّعت كلٌّ من حركتَي فتح وحماس المناصب والحظوات على أعضائهما وأنصارهما على حساب الأشخاص المنتمين إلى الفريق الخصم. ومَن أفادوا من هذا الوضع يخشون خسارة مواقعهم ونفوذهم وامتيازاتهم في حال تمّت عملية الدمج بين المؤسّسات.

إذا كانت حماس قد تخوّفت في الأعوام القليلة الماضية من احتمال هزيمتها في الانتخابات، فإن فتح هي الآن الأكثر قلقاً على مصيرها الانتخابي. فالأزمة الاقتصادية في الضفة الغربية، فضلاً عن عدم إحراز أي تقدّم في مشروع عباس السياسي للتفاوض مع إسرائيل، والانتصار العسكري الذي نُسِب إلى حركة "حماس" في الحرب الأخيرة في غزة، كل هذه العوامل تؤدّي إلى إضعاف الجاذبية الانتخابية لحركة فتح. كذلك، يبدو أن حماس تتّجه إلى الفوز في الانتخابات الرئاسية والتشريعية، إذا أُجرِيَت في وقت قريب. فاستطلاع الآراء الأخير الذي قام به "المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية" ومقرّه رام الله في كانون الأول/ديسمبر العام 2012، يُظهِر أرجحية فوز حماس في الانتخابات. وتأتي الخلافات الداخلية في حركة فتح، ولاسيما بين عباس ومحود دحلان، لتزيد من تعقيدات الأمور بالنسبة إلى الحركة بما يؤدّي إلى إضعاف فرصها الانتخابية أكثر فأكثر. أما في الانتخابات المحلية التي شهدتها الضفة الغربية في العام 2012، فقد تكبّد الفتحاويون هزيمة في العديد من الدوائر الانتخابية على يد منشقّين عن الحركة ترشّحوا على لوائح مستقلّة. إضافةً إلى ذلك، ستؤدّي المصالحة على الأرجح إلى تعميق الأزمة الاقتصادية للسلطة الفلسطينية بدلاً من التخفيف من حدّتها، نظراً إلى أن المانحين الغربيين قد يتوقّفون عن إرسال الأموال في حال انضمام حماس إلى حكومة جديدة. إذن، من شأن اللاعبين السياسيين وأصحاب المصالح الاقتصادية أن يتكبّدوا خسارة في حال حدوث المصالحة، ولذلك سوف يعارضونها على الأرجح.

وفي هذا الإطار، لاتؤيّد جميع القيادات في حركتَي حماس وفتح جدول أعمال المصالحة، حيث يشكّك بعض قادة حماس في صدق عباس في محادثات المصالحة، معتبرين أنه يعتمد كثيراً على إسرائيل والولايات المتحدة. وثمة فصائل في فتح تعرب عن عدم ثقتها بحركة حماس، وتعتبر أن نيّتها الحقيقية هي السيطرة على الضفة الغربية. واستمرار السلطة الفلسطينية في اعتقال السجناء السياسيين لحركة حماس، وتعريضهم إلى المعاملة السيّئة والعنيفة، بحسب بعض التقارير، هو مؤشّر إضافي على أن الوضع على الأرض يتناقض بشدّة مع التصاريح التفاؤلية التي تصدر عن القاعات التي تشهد جولات المباحثات في القاهرة.

من هنا، يبدو أن عوائق كثيرة تعترض المجهود الذي يُبذَل مؤخراً للتوصّل إلى مصالحة بين حركتَي فتح وحماس، حيث أنَّ سياسة النفوذ لا الخلافات الأيديولوجية هي التي تقع في قلب المأزق الفلسطيني. ولقد أظهرت "وثيقة السجناء" في العام 2006، التي تُعرَف رسمياً بـ"وثيقة المصالحة الوطنية"، أنه بإمكان فتح وحماس الاتفاق على خريطة طريق للتعامل مع إسرائيل. لكن يبدو أن التوصّل إلى خريطة طريق لتقاسم السلطة في الداخل هو الأكثر تعقيداً وصعوبة.

محمود جرابعة طالب دكتوراه في كلّيتَي العلوم السياسية والدراسات الشرق أوسطية في جامعة فريدريش-ألكسندر في إرلانغن-نورمبرغ في ألمانيا، ومؤلّف "حماس: مسيرة متردّدة نحو السلام" (Hamas: Tentative March toward Peace)، (رام الله: المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسيحية، 2010).

ليهي بن شطريت أستاذة مساعدة في كلية الشؤون العامة والدولية في جامعة جورجيا في أثينا.