منذ الأيام الأولى للثورة، يواجه صانعو السياسات المصريون تحدّيَين اقتصاديين أساسيين: الحفاظ على استقرار العملة الوطنية إزاء ارتفاع العجز في ميزان المدفوعات، والحصول على الموارد الضرورية لتمويل عجز الموازنة المتزايد. ويبدو أن هاتَين المعركتين بلغتا مرحلة حسّاسة بحلول نهاية العام 2012، عندما سدّدت سلسلة من التطوّرات المناوئة ضربة قويّة للاقتصاد المصري الهش.

في الأسابيع الثلاثة الأخيرة من العام 2012، أُجِّل اتفاق قرض بقيمة 4.8 مليارات دولار كان من المقرّر أن تحصل عليه مصر من صندوق النقد الدولي؛ وخفّضت وكالة "ستاندرد أند بورز" التصنيف الائتماني السيادي لمصر إلى وضعية عالية المخاطر (مثل اليونان)؛ وبلغ احتياطي النقد الأجنبي "حداً أدنى حرجاً" ومقلقاً؛ وتراجع الجنيه المصري مسجِّلاً أدنى مستوياته منذ ثمانية أعوام؛ كما أن عجز الموازنة في السنة المالية الحالية التي تنتهي في 30 حزيران/يونيو يمكن أن يتخطّى التوقّعات الأولية بنسبة 50 في المئة.

وحمل العام 2013 معه مزيداً من الأخبار السيّئة: وصلت قيمة الاستثمارات الخارجية التي غادرت البلاد في النصف الثاني من العام 2012، إلى خمسة مليارات دولار أميركي؛ ووضعت وكالة "موديز" تصنيف السندات المصرية قيد المراجعة لخفض محتمل؛ وتوقّع تقرير جديد صادر عن البنك الدولي أن تبلغ نسبة النمو في مصر لهذا العام 2.6%، أي أقل بكثير من نسبة الـ4% التي توقّعتها الحكومة المصرية. هذه التطوّرات مترابطة إلى حد كبير، ومن أجل فهمها وتحليلها في شكل أفضل، يجب وضعها في السياق الماكرو اقتصادي الأوسع لمرحلة مابعد الثورة، الذي لايزال يرزح بعد عامَين على انطلاقة الثورة، تحت وطأة النزاعات السياسية والالتباس في السياسات.

على الصعيد النقدي، يتخبّط البنك المركزي المصري، منذ كانون الثاني/يناير 2011، لإبعاد الضغوط عن الجنيه المصري، وسط التراجع المستمرّ في المقبوضات النقدية الأجنبية التي تؤمّنها الاستثمارات الخارجية والسياحة. وقد بلغ معدّل الخسائر التي تكبّدها البنك المركزي شهرياً للحؤول دون تدهور قيمة العملة الوطنية، 1.4 مليارات دولار، ما أدّى إلى تراجع احتياطي النقد الأجنبي إلى 15 مليار دولار بحلول نيسان/أبريل 2012، بعدما كان 36 مليار دولار في كانون الثاني/يناير 2011؛ وهو مبلغ بالكاد يكفي لتغطية الواردات لمدّة ثلاثة أشهر. منذ منتصف 2012، أمكن تثبيت احتياطي النقد الأجنبي عند 15 مليار دولار والحؤول دون مزيد من الانخفاض، وذلك بفعل سندات الدين التي بيعت معظمها بالدولار واليورو، والمبالغ التي أودعتها كلّ من السعودية وقطر وتركيا في البنك المركزي المصري، ووصلت قيمتها مجتمعةً إلى أربعة مليارات دولار.

لكن مبيعات السندات والودائع الأجنبية أتاحت لمصر كسب القليل من الوقت ليس إلا. فبحلول منتصف كانون الأول/ديسمبر الماضي، بدأت تظهر مؤشّرات عن حدوث مزيد من التدهور في احتياطي النقد الأجنبي عندما عمدت المصارف إلى سحب مبالغ بالدولار من حساباتها في الخارج لتلبية الطلب المحلي المتزايد، وبعد أيام، أصدرت الحكومة مرسوماً حظرت بموجبه على المسافرين من البلاد وإليها حمل مبلغ بالعملة الأجنبية يزيد على عشرة آلاف دولار. لكن وفي مؤشّر واضح عن انتهاء حقبة حماية العملة الوطنية، كشف البنك المركزي أن احتياطي النقد الأجنبي تراجع إلى "حدّ أدنى وحرج"، وأعلن عن إطلاق آلية جديدة لتنظيم مزادات علنية للعملات الأجنبية لبيع الدولار الأميركي وشرائه.

أدّى السماح بتراجع الجنيه المصري إلى خسارته ثمانية في المئة من قيمته الرسمية منذ منتصف كانون الأول/ديسمبر الماضي. لايُعرَف بعد ما إذا كانت هذه السياسة الجديدة لإدارة العملات الأجنبية في البلاد تندرج في إطار الشروط المطلوبة للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي أم لا. لكن مايُثير القلق في الوقت الراهن هو التأثير التضخّمي الذي يمارسه تدهور قيمة الجنيه في بلد يستورد 60% من موادّه الغذائية و40% من المحروقات التي يستهلكها، وحيث يعيش مايزيد عن 25% من السكّان - 50% في الأرياف والأحياء الفقيرة في المدن - دون خط الفقر. هذا فضلاً عن نسبة البطالة التي تصل إلى 25% لدى الشباب في مصر، مايولّد وضعاً اقتصادياً واجتماعياً متفجِّراً.

على الجبهة المالية، تواجه مصر عجزاً مالياً متزايداً بلغ 11% من الناتج المحلي الإجمالي (نحو 28 مليار دولار) العام الماضي، ويتوقّع أن يصل في نهاية السنة المالية الحالية 2012/2013، إلى 13% من الناتج المحلي الإجمالي (حوالى 31 مليار دولار). مع تخصيص نحو 80% من موازنة الدولة للأجور والدعم الحكومي وخدمة الديون، لايملك المسؤولون الماليون في مصر هامشاً كبيراً للمناورة. لم تكن زيادة الضرائب أو خفض النفقات في خضم التراجع الاقتصادي والمرحلة الانتقالية المضطربة، ممكنين سياسياً، كما أنه يترتّب عنهما في الأغلب ثمنٌ باهظ على الصعيد الاجتماعي. ولذلك بدا أن الاستدانة هي الخيار الوحيد المتبقّي.

بيد أن التمويل الرسمي الخارجي لم يكن متاحاً بسهولة، وبدا مرتبطاً باتّخاذ مصر الإجراءات الضرورية للإصلاح السياسي والاقتصادي من أجل ضمان استقرار البلاد واقتصادها واستدامتهما. ومع التراجع المستمرّ في تصنيف مصر الائتماني الدولي (خفّضت وكالة "ستاندرد أند بورز" تصنيف البلاد خمس مرات منذ الثورة)، كان الاقتراض من الأسواق الدولية يزداد صعوبة وكلفة. بعد سقوط مبارك، تقدّمت مصر مرّتين بطلب إلى صندوق النقد الدولي، في أيار/مايو 2011 ثم مجدداً في كانون الثاني/يناير 2012، للحصول على قرض قدره 3.2 مليارات دولار، وفي الحالتَين، كانت السياسة الداخلية المصرية تقف عائقاً أمام الوصول بالمباحثات إلى نتيجة إيجابية ومثمرة.

وهكذا اعتمدت مصر إلى حد كبير على الاقتراض الداخلي، ما أدّى إلى ارتفاع الديون المحلية من 76% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية 2010/2011، إلى 80% بحلول نهاية السنة المالية 2011/2012. وإذ تبلغ الديون الخارجية حالياً 34.7 مليارات دولار، أو 13.5% من الناتج المحلي الإجمالي، يقترب مجموع الدين العام المصري سريعاً من التساوي مع حجم الاقتصاد. ومايُثير القلق أكثر هو الارتفاع المستمر في نسبة الديون الحكومية مقارنةً بمجموع الودائع وإجمالي الائتمان في المصارف المحلية، فهي تبلغ 55% من مجموع الودائع و56% من إجمالي الائتمان. هذا الانكشاف الشديد للبلاد وقطاعها المصرفي أمام الديون هو من الأسباب الأساسية التي تقف خلف التراجع المستمر في مكانتها الائتمانية الدولية.

وإذ كانت مصر بحاجة ماسّة إلى السيولة، لجأت من جديد إلى صندوق النقد الدولي في آب/أغسطس 2012، وطلبت قرضاً قدره 4.8 مليارات دولار، أي بزيادة 50% عن المبلغ الذي كانت قد طلبته سابقاً. بعد ثلاثة أشهر، تم التوصّل إلى اتفاق أولي بين الطرفَين بعدما التزمت مصر تطبيق برنامج محلي المنشأ للإصلاح الاقتصادي، يهدف إلى خفض عجز الموازنة من 11% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام إلى 8.5% بحلول العام 2014. وبحسب الخطة، سيتم تحقيق ذلك من خلال الزيادات الضريبية على المبيعات والمداخيل والأملاك، وخفض النفقات، من جملة أمور أخرى. لكن مؤخراً جرى تعليق المفاوضات بشأن القرض بعدما تراجعت مصر في كانون الأول/ديسمبر الماضي عن زيادة الضرائب على المبيعات التي كانت جزءاً من الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وذلك بعد ساعات فقط من الإعلان عن تطبيقها.

انطلاقاً من هذا الوضع الاقتصادي شديد التردّي، مصر بحاجة ماسّة إلى الدعم من صندوق النقد الدولي. فاحتياطي النقد الأجنبي يسجّل أدنى مستوياته؛ وقد خفّضت "ستاندرد أند بورز" مؤخراً تصنيف البلاد إلى مستوى اليونان الائتماني؛ وترتفع كلفة الاستدانة؛ ويبلغ مجموع الدين العام، المحلي والخارجي، أكثر من 90% من الناتج المحلي الإجمالي؛ ولذلك تسعى مصر جاهدةً إلى إبرام الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، ليس فقط للحصول على قرض الـ4.8 مليارات دولار، بل أيضاً للاستحصال على مزيد من المساعدات الدولية - نحو 10 مليارات دولار - من عدد من البلدان والمؤسسات الأجنبية التي اشترطت على مصر إتمام الاتفاق مع صندوق النقد الدولي كي تُقدّم لها الدعم المالي.

لكن هذا الدعم لن يؤمّن الحلّ لكل المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها مصر، كما أنه ستكون له تداعياته. إذا طُبِّق برنامج الإصلاح المدعوم من صندوق النقد الدولي كما يجب، فسوف يؤدّي حكماً إلى ارتفاعٍ في التضخّم بدأ المستهلكون يشعرون ببعض مفاعيله في مختلف أنحاء البلاد. وإذا أضفنا إلى هذه المعطيات التأثير التضخّمي لتراجع الجنيه المصري، فقد يُطلِق ذلك موجات من التململ الاجتماعي في أوساط المصريين الأقل حظوة الذين يعانون من الفقر المدقع ويفتقرون إلى شبكات الأمان الاجتماعي.

وهنا يكمن التحدّي الأكبر الذي تواجهه السياسة الاقتصادية المصرية هذا العام: ما السبيل إلى تلبية التوقّعات المرتفعة للمصريين العاديين الذين يتطلّعون إلى حياة أفضل، والاستجابة للصرخة القوية التي أطلقوها في مثل هذا الشهر قبل عامَين من ميدان التحرير في القاهرة للمطالبة بـ"الرغيف والحرية والعدالة الاجتماعية"، مع العمل في الوقت نفسه - في ظل مناخ سياسي تعمّه الفوضى أكثر فأكثر - على تطبيق البرنامج الاقتصادي الذي يفرضه صندوق النقد الدولي، والمرفوض بشدّة من المصريين؛ فمع أنه يؤمّن السيولة التي تحتاج إليها مصر جداً، إلا أنه يلقي حكماً بأعباء اقتصادية شديدة على كاهل المصريين في حياتهم وأرزاقهم. التحدّي الأكبر المطروح على القيادة المصرية في العام 2013 هو إيجاد حل لهذه الأحجية المعقّدة.

محمد السمهوري خبير اقتصادي مقيم في القاهرة وباحث ومحاضر سابق في مركز كراون لدراسات الشرق الأوسط التابع لجامعة برانديس في بوسطن.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.