عدم الاستقرار الاقتصادي الذي تعاني منه المنطقة جرّاء تداعيات الربيع العربي، فضلاً عن مفاعيل الأزمة السورية، سدّد ضربة للاقتصاد اللبناني، ماأدّى إلى تفاقم المشاكل التي يعاني منها وإلى كشف نقاط ضعفه الداخلية. فقد سجّل نمو إجمالي الناتج المحلي في لبنان انخفاضاً كبيراً  خلال العام الماضي ليصل إلى واحد في المئة أو أقل بعدما كان 3.5 في المئة في العام 2011، والتوقّعات للعام 2013 قاتمة أيضاً.

لقد تأثّرت كل القطاعات الأساسية بشدّة بالاضطرابات الإقليمية. فقد سجّلت الصادرات والسياحة وقطاع النقل تراجعاً حاداً بسبب انقطاع الطرقات الرئيسة وتدهور الوضع الأمني على الصعيدَين الإقليمي والمحلي. كذلك، توقّفت الاستثمارات المباشرة، ولاسيما في السوق السكنية، وطال هذا الوضع بتداعياته مختلف القطاعات الأخرى. إلى ذلك، ارتفع التضخّم  تدريجيّاً ليصل إلى 10 في المئة العام الماضي بعدما كان 6 في المئة في العام 2011، ليعكس بذلك زيادة كبيرة في الأسعار، فضلاً عن عدد آخر من العوامل منها ضخ كمّية من السيولة تفوق قدرة الاقتصاد على امتصاصها، والزيادة الأخيرة في الحد الأدنى للأجور، وتراجع الإنتاجية. وتزداد البطالة في كل القطاعات تقريباً - ولاسيما في أوساط الشباب الذين يدخلون سوق العمل لأول مرة – كما يتّسع العجز التجاري؛  حيث بلغ 14 مليار دولار في العام 2012، مايعكس تباطؤاً في صادرات السلع والخدمات، كما سجّل ميزان المدفوعات عجوزات قياسية بلغت أربعة مليارات دولار في العامين 2011-2012. وزاد تباطؤ الاقتصادات الخليجية من تأزّم الوضع بسبب تراجع طلبها على اليد العاملة الأجنبية.

تعكس هذه التطوّرات بصورة أساسية الوطأة الشديدة التي تمارسها الأحداث الخارجية على الاقتصاد اللبناني. كما أن المشاكل الاقتصادية المستمرّة التي جرى تجاهلها طوال عقود عطّلت قدرة الحكومة على التعامل مع هذه العوامل الخارجية الضاغِطة. من هذه المشاكل، القطاع العام الذي ترتفع كلفته ويعاني من عدم الفاعلية في إدارته، على غرار شركات الهاتف الخلوي التي تؤمّن نحو 20 في المئة من الإيرادات الحكومية، فضلاً عن شبكة المواصلات وقطاع الطاقة. ويواجه النظام القضائي، القوانين، والإدارة المالية العامة مشاكل خطيرة في آلية الحكم؛ وتعاني الوزارات والبلديات من الضعف وعدم الفاعلية بسبب النقص في التدريب لدى موظّفي الخدمة المدنية، ومعايير الحكم المتدنّية، والضعف في إدارة المالية العامة، والتنظيمات المسبِّبة للشلل والتعطيل. كما تعتمد موازنات البلديات في شكل أساسي (وصولاً إلى نسبة 80 في المئة أحياناً)، على التحويلات من الحكومة المركزية؛ إلا أنها لاتحصل عليها وفقاً للمواعيد المحدّدة، مايحدّ من قدرتها على تنفيذ مشاريعها. فضلاً عن ذلك، ليست المعايير والمتطلّبات في مايتعلّق بأداء البلديات محدّدة جيداً أو موجَّهة كما يجب، مايتسبّب بالهدر وضعف الأداء في شكل عام. كما أن عبء الدين (140 في المئة من إجمالي الناتج المحلي) لايُتيح هامشاً كبيراً للتصرّف في الموضوع المالي، وتستحوذ فوائد الديون على ثلث النفقات في المجمل، الأمر الذي أدّى مع مرور الوقت إلى تقلّص المساحة المخصّصة للإنفاق على البنى التحتية والشؤون الاجتماعية في الموازنة. علاوةً على ذلك، تعتمد العائدات إلى حد كبير على الضرائب الاستهلاكية، ونسبة التهرّب من تسديد الضرائب على الدخل مرتفعة جداً، إذ تُقدَّر بنحو 50 في المئة، مايحدّ من القدرة على توليد مزيد من الإيرادات.

فوق كل ذلك، ألقى تدفّق اللاجئين السوريين بعبء مالي إضافي على كاهل الحكومة المطالَبة بتأمين الخدمات الأساسية. فبما أن عدداً كبيراً من اللاجئين يبحثون عن عمل في لبنان، يمارس وجودهم ضغوطاً إضافية على سوق العمل. كما أنهم يُحمِّلون وزراً كبيراً للخدمات في قطاعات الصحة والتعليم والسكن، ماتسبّب في بعض الحالات بارتفاع في الأسعار. كان يمكن أن يجلب هذا التدفّق للطاقات البشرية عملات أجنبية ومزيداً من السيولة للنظام المصرفي، لكن الاقتصاد لايتجاوب مع الطلب المتزايد الذي يولّده اللاجئون، لأن الوضع يُعتبَر، جزئياً على الأقل، مؤقّتاً، ولاداعي بالتالي لتكبّد عناء الاستثمار في هذا المجال. فضلاً عن ذلك، سوف تحدّ زيادة الأجور المثيرة للجدل  (وهي إجراء مرحلي لمعالجة الوضع الاقتصادي المتدهور) من قدرة الحكومة على الإنفاق على برامج أخرى مثل البنى التحتية وسواها من النفقات لاستحداث الوظائف والتي من شأنها أن تؤمّن معالجة جزئية من دون زيادة عجز الموازنة. وسوف تؤدّي إلى زيادة بنسبة 24 في المئة تقريباً، دفعةً واحدة، في رواتب القطاع العام. لم يُجرَ بعد تقييم كامل لهذه الزيادة (التي لم تتحقّق بعد) على الاقتصاد والموازنة. واقع الحال هو أن آفاق لبنان الاقتصادية تبدو قاتمة إلى حد ما، ولاسيما على ضوء الظروف العالمية والإقليمية غير المؤاتية.

إزاء هذا الوضع، طلبت الحكومة مؤخراً دعماً للموازنة من المانحين الدوليين بغية تمويل العبء المترتّب عن تدفّق اللاجئين السوريين، إلا أنها لم تتّخذ أية خطوات محدّدة لمعالجة الركود الاقتصادي الراهن. وتحاول الحكومة أيضاً إيجاد مصدر للإيرادات يؤمّن لها الكلفة الإضافية التي تبلغ 1.2 مليار دولار (بحسب وزارة المالية). فهي تسعى إلى معالجة العجز الإضافي الذي تتسبّب به زيادة الأجور من دون تلبية مجمل الحاجات التمويلية للموازنة. لم تُجرَ دراسة وافية ومتأنّية للاقتراح الحالي بزيادة الإيرادات من أجل تمويل زيادة الأجور، مثلاً من خلال زيادة الضرائب على فوائد الودائع من 5 إلى 7 في المئة، وزيادة الضريبة على القيمة المضافة إلى 12 في المئة. فعلى سبيل المثال، لم يتم تقييم الزيادة الضريبية على فوائد الودائع وتأثيرها على معدّلات الفوائد في شكل عام، وكلفة الدين، وخدمة الدين، وتدفّقات الرساميل، والاستثمارات، وبالتالي على التنافسية والنمو؛ فهذه الزيادة قد تتسبّب بكلفة صافية بدلاً من عائدات صافية. كما أن زيادة الضريبة على القيمة المضافة قد لاتؤدّي إلى تحقيق إيرادات صافية؛ بل من شـأنها في الواقع تعطيل التأثير التوسّعي لزيادة الأجور. إذن، لم تعالج السياسة المالية الحاجات الراهنة، بل تحوّلت نحو مسألة الأجور التي لاتزال معلّقة. وركّزت السياسة النقدية على زيادة الودائع والتدفّقات المالية من خلال الفوائد العالية التي تهدف في نهاية المطاف إلى حماية احتياطي العملات الأجنبية وسعر الصرف. ومما لاشك فيه أن هذه المقاربة لم تحفّز الاقتصاد، فالإجراءات الهامشية لزيادة الطلب في القطاع السكني من خلال دعم الفوائد ليست كافية لممارسة تأثير على الاقتصاد.

لايزال وضع المصارف في لبنان آمناً إلى حد ما. صحيح أن نسبة القروض المعدومة في الحافِظات المصرفية ارتفعت قليلاً، إلا أن الجزء الأكبر من هذه القروض لاتتعدّى قيمته العشرين مليون ليرة ومملوك من شركات صغيرة تشكّل 80 في المئة من مجموع المدينين المتخلّفين عن التسديد. وفقاً لمصرف لبنان، تملك المصارف اللبنانية احتياطيات مناسبة بقيمة 80 في المئة في مقابل القروض المعدومة. وقد استمرّت التدفّقات المالية من الخارج، ولو بوتيرة أبطأ. وقد انعكس تراجعها في زيادة عجوزات ميزان المدفوعات. حتى الآن نجحت المصارف اللبنانية في احتواء تأثيرات الأزمة السورية عليها، والتي تظهر بوادرها من خلال تراجع الطلب على الائتمان. ولاتزال حافِظات الأصول المملوكة من المصارف اللبنانية مستقرّة ومنوَّعة إلى حد كبير، على الرغم من أن المصارف امتنعت عن زيادة حصّتها من الديون الحكومية. بدلاً من ذلك، ازدادت ودائعها لدى مصرف لبنان الذي استحوذ بدوره على حصّة أكبر من الدين الحكومي وصلت إلى أكثر من 17 في المئة بحلول نهاية أيلول/سبتمبر 2012. بيد أن هذا التغيير في حافظات المصارف لايُغيّر المخاطر التي تواجهها، نظراً إلى حدوث التنويع داخل القطاع العام. لكن زيادة حصّة مصرف لبنان في تمويل الحكومة قد يؤدّي إلى تفاقم التضخّم.

ثمة مخاوف من أن تمارس الأزمة في سوريا تأثيراً دراماتيكياً على المصارف اللبنانية من خلال هروب الرساميل وتراجع القروض بسبب تباطؤ النشاط الاقتصادي. وبما أن المصارف الأصغر حجماً عاجزة عن استخدام الخصوم، أي الودائع، التي تملكها استخداماً كاملاً، يدفع لها مصرف لبنان فوائد عن فائض الاحتياطي بغية دعمها، لكنْ ثمة حدوداً لقدرة المصرف المركزي على امتصاص هذا الفائض من دون أن يتكبّد بنفسه عبئاً مالياً كبيراً. تُقدَّر أصول المصارف اللبنانية في فروعها في سوريا بمليارَي دولار أميركي، وهي مملوكة من المصارف الأقوى التي تؤمّن تغطية للاحتياطي لديها ولاتفرض مخاطر إضافية غير منطقية. لقد حقّقت هذه الفروع نمواً سريعاً قبل اندلاع الأزمة، وبإمكانها تأدية دور مشابه عند تسوية النزاع. ولكن في الانتظار، يتكبّد مصرف لبنان تكلفة اضافية. 

باختصار، كان للاضطرابات الإقليمية والأزمة السورية تأثير عميق على الاقتصاد اللبناني، وقد كشفت أكثر فأكثر هشاشة بنيته وأداءه. حتى الآن، لم تضع الحكومة خطة لمواجهة الأداء الاقتصادي المتدهور. لكن نظراً إلى المعوِّقات المالية التي تواجهها الحكومة - فضلاً عن الانقسامات السياسية الداخلية - ليس واضحاً كيف سيتمكّن لبنان من الخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة.

منير راشد هو نائب رئيس "الجمعية الاقتصادية اللبنانية" ومستشار لدى وزارة المالية اللبنانية.