زادت موجات اللاجئين السوريين الذين يبحثون عن ملاذ آمن، من حدّة الانقسامات بين الأحزاب المسيحية في لبنان. فالمشهد العام منقسم بين "حزب القوات اللبنانية" و"حزب الكتائب" من جهة، وكلاهما عضوان في فريق 14 آذار/مارس، و"التيار الوطني الحر" من جهة أخرى. تلتقي "القوات" و"الكتائب" حول معارضة النظام السوري ووجود "حزب الله" كقوّة مسلّحة خارج سيطرة الدولة؛ أما "التيار الوطني الحر" فهو جزء من فريق 8 آذار/مارس، ويعتبر أن النظام السوري يحافظ على حقوق الأقليات، كما يدعم دور "حزب الله" الذي يرى فيه قوّة دفاعية في وجه إسرائيل. تتخوّف شريحة من المسيحيين اللبنانيين، ممثَّلة تحديداً بـ "التيار الوطني الحر"، من أن يتحوّل وجود اللاجئين السوريين في لبنان قضيةً مشابهة لمسألة الوجود الفلسطيني الذي بات يشكّل قوة سياسية حيوية في لبنان، كما أنه قلب ميزان القوى الحسّاس في النظام السياسي الطائفي اللبناني. لقد كشفت الخلافات حول طريقة التعامل مع مسألة اللاجئين والموقف من النظام السوري، عمق التباعد في وجهات النظر بين الأحزاب المسيحية اللبنانية.

فقد دعا جبران باسيل، صهر ميشال عون، رئيس "التيار الوطني الحر"، والذي يتولّى حالياً وزارة الطاقة، إلى إغلاق الحدود مع سوريا لوقف تدفّق اللاجئين، الأمر الذي لاقى اعتراضاً من معظم الأحزاب والأطراف السياسية الأخرى، إن لم يكن كلّها - وعلى رأسها رئيس الجمهورية ميشال سليمان - فقد ناشد هؤلاء المجتمع الدولي مساعدة لبنان على تحمّل الأعباء المترتّبة عن وصول أعداد متزايدة من اللاجئين. فبحسب الأرقام الرسمية، تجاوز عدد اللاجئين السوريين المسجَّلين في لبنان مئتَي ألف لاجئ1، لكن الرقم الفعلي قد يكون أعلى بكثير. فضلاً عن ذلك، هرب آلاف الفلسطينيين من سوريا، ولجأ معظمهم إلى المخيمات الفلسطينية في لبنان، لاسيما في عين الحلوة في صيدا. وقد سجّلت أسعار الشقق السكنية ارتفاعاً كبيراً، وحتى في المناطق المسيحية على غرار المتن الأعلى، يحتلّ اللاجئون المباني المهجورة والمساحات المتوافرة بجانب الطرقات، ويبيعون كل ما يتوافر لهم من أجل تأمين قوتهم اليومي. ففي حين كان تدفّق اللاجئين لافتاً في أجزاء أخرى من لبنان لبعض الوقت، إنها ظاهرة حديثة في هذه المناطق حيث تثير مجموعات النساء المحجّبات خوف السكّان من تبدّل التوازن الديمغرافي. وهكذا يشعر المسيحيون اللبنانيون بقلق شديد من التداعيات التي يمكن أن تترتّب عن تدفّق اللاجئين، وتزيد هذه المسألة من حدّة الانقسام في صفوفهم حول الشأن السوري.

في البداية، التقت مختلف الأحزاب المسيحية في لبنان على معارضة نظام الأسد خلال الحرب الأهلية، ثم وفي شكل خاص في مرحلة الوصاية السورية التي أعقبت تلك الحرب. إلا أن سوريا هي الآن من أبرز المواضيع الخلافية بين تلك الأحزاب. فقد عبّر ميشال عون و"التيار الوطني الحر" عن دعمهما للنظام السوري الذي يريان فيه ضامناً لحقوق المسيحيين والأقليات الأخرى، وحصناً في وجه التمدّد الإسلامي السنّي2. يعتبر هذا الفريق أن موقفه ينسجم مع جدول الأعمال الذي يقول إنه يتمسّك به منذ بداية الحرب الأهلية: التصدّي لـ"مخطّط" سعودي-أميركي يهدف إلى تحويل لبنان جمهورية يسيطر عليها السنّة، ويؤدّي في نهاية المطاف إلى توطين اللاجئين الفلسطينيين.

في المقلب الآخر من الانقسام السياسي، المشهد أكثر تعقيداً. دعم "حزب الكتائب" سياسة النأي بالنفس التي انتهجتها الحكومة اللبنانية في التعامل مع الأزمة السورية، محذِّراً من التداعيات الخطيرة التي يمكن أن تترتّب عن تمدّد النزاع السوري إلى لبنان. أما "حزب القوات اللبنانية"، حليف "الكتائب" في فريق 14 آذار/مارس، فقد أبدى دعماً كاملاً للانتفاضة منذ بداية النزاع في سوريا. وتتجلّى درجة الدعم في رد الفعل الذي صدر عن الحزب عندما أطلقت جماعة "الإخوان المسلمين" السورية - وهي من المكوّنات الأساسية في المعارضة السورية - وثيقتها السياسية الجديدة3 الخريف الماضي، فقد أثنى عليها قائد "القوات"، سمير جعجع، واصفاً إياها بأنها "تعبير ديمقراطي". ففي حين أن "حزب القوات اللبنانية" لايدعم التشدّد الإسلامي ولا سيطرة السنّة على لبنان - ويلتقي في نقاط كثيرة مع جدول الأعمال الذي كان ينادي به ميشال عون وتياره في البداية - تختلف قراءته للانقسام المسيحي اختلافاً جوهرياً عن قرءاة التيار الوطني الحر. فقد أكّد مفكّر مقرّب من فريق 14 آذار/مارس خلال مقابلة خاصة معه مؤخراً: "طوال سنوات، رفعنا شعار "لبنان أولاً"، والآن تبنّوه [في إشارة إلى كتلة "لبنان أولاً" المؤلّفة من نوّاب تابعين لـ"تيار المستقبل" ذي الغالبية السنّية]. فهل نقول لهم إننا تخلّينا عن الشعار؟"

ويزيد موقف الكنيسة المارونية من هذا الانقسام (أو ربما يعكسه). في عهد البطريرك السابق نصرالله بطرس صفير، اتّخذت الهرمية الكنسية موقفاً واضحاً ضد الوصاية السورية التي أعقبت الحرب الأهلية. عشية الانتخابات النيابية في العام 2009، وجّه البطريرك صفير، في مقابلة مع مجلة "المسيرة"، تحذيراً شديد اللهجة بعدم التصويت للأحزاب المتحالفة مع سوريا، في انتقاد مباشر للتيار الوطني الحر وعون. وجاء انتخاب بشارة بطرس الراعي في سدّة البطريركية في العام 2011 ليُحدث تحوّلاً في سياسات الكنيسة. حتى الأشخاص الذين عملوا عن كثب مع الراعي في السنوات التي سبقت انتخابه، فوجئوا بالعبارات التي اختارها لتوصيف النظام السوري، إذ قال إنه أفضل الأنظمة العربية للمسيحيين، وكذلك بالتحذيرات التي أطلقها من سيطرة "الإخوان المسلمين" على سوريا. يقول بعض الناشطين العلمانيين إنه من المبكر جداً الحكم على البطريرك الجديد (على الرغم من أنهم نأوا بأنفسهم بوضوح عن تصريحاته)، وإن ما فعله كان محاولة منه لإرساء نوع من التوازن بعد الدفع المناهض لسوريا الذي عرفته البطريركية في عهد صفير. لكن في حين تعزّزت العلاقات بين الكنيسة وعون، اشتدّت التشنّجات إلى حد كبير بين البطريرك و"حزب القوات اللبنانية"، ماأدّى إلى تعمّق الانقسامات أكثر فأكثر بدلاً من إرساء التوازن.

يطرح النزاع في سوريا تحدّياً على الفريقَين. فميشال عون يلعب على مايبدو على وتر القلق المسيحي الواسع من سيطرة الإسلاميين على سوريا، بغية الترويج لوجهة نظره التي تعتبر أن المسيحيين اللبنانيين يكونون أفضل حالاً بكثير إذا بقي الأسد في السلطة. لكن المشكلة التي يواجهها هي أن التدخّل السوري في الشؤون اللبنانية بعد الحرب الأهلية لايزال ماثلاً في الأذهان، وقلّة، أو بالأحرى لا أحد من المسيحيين يريد أن يعاني من جديد من التهميش الذي تعرّضوا له في تلك الحقبة. علاوةً على ذلك، يُدرك المسيحيون أن ربط أنفسهم بنظام بهذه الهمجية يطرح إشكالية كبيرة بالنسبة إليهم في كلا البلدَين. يعبّر جعجع عن وجهة النظر هذه، لكنه يسلك طريقاً وعراً بثنائه على "الإخوان المسلمين" في سوريا.

يستعدّ الفريقان للمواجهة في حزيران/يونيو، حيث من المقرّر إجراء انتخابات نيابية في لبنان. بغض النظر عن الالتباس الشديد حول مصير الانتخابات (هل تجرى في موعدها أم لا، ووفقاً لأي قانون انتخابي)، يبدو أن هناك إجماعاً بأن سوريا ستتصدّر قائمة الاهتمامات في الحملات الانتخابية المقبلة.

كاي كفيرمي باحث ومنسّق مشاريع في مركز الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في جامعة أوسلو في النروج.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.